تتناول هذه الورقة التحليلية التطلعات المستقبلية لمنطقة الخليج العربي بوصفها فضاءً جيوسياسياً واقتصادياً متصاعد الأهمية في النظام الدولي المعاصر، من خلال قراءة تحولات موازين النفوذ والقوة على المستويين الإقليمي والدولي.
تتناول هذه الورقة التحليلية التطلعات المستقبلية لمنطقة الخليج العربي بوصفها فضاءً جيوسياسياً واقتصادياً متصاعد الأهمية في النظام الدولي المعاصر، من خلال قراءة تحولات موازين النفوذ والقوة على المستويين الإقليمي والدولي.
العالم، ونحن جزء منه، يمر بمرحلة انتقالية، وقد علمتنا التجارب أن المراحل الانتقالية، وبخاصة تلك التي تنتقل فيها الأمم فجأة من حال إلى حال شديد الاختلاف، أو تلك التي تنتقل بإرادتها أو تحت الضغط والتهديد من الإيمان بعقائد إلى الإيمان بعقائد أخرى، أو تلك التي تتحول فيها بعض النخب الحاكمة من الالتزام بقواعد وأساليب ثقافة أو حضارة بعينها إلى تبني قواعد وأساليب ثقافة أو حضارة أخرى؛ هذه التجارب علّمتنا أنها عادة ما تكون هامة وإن صعبة وفي الغالب حرجة وعصية على التنبؤ بمستقبلها ومستقبلنا.
لم تكن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران مجرد مواجهة عسكرية بل لحظة كاشفة لتحول أعمق في بنية النظام الإقليمي في غرب آسيا، يتجاوز حدود الصراع المباشر إلى إعادة تعريف شاملة لمفهوم الأمن والردع والتحالف.
أنهى الاتفاق الإطاري الأمريكي-الإيراني (مبدئيّا) الحرب، وفتح الباب أمام ستين يوماً من التفاوض حول الملفات العالقة، من البرنامج النووي إلى العقوبات والترتيبات الأمنية في المنطقة. غير أن أهمية الاتفاق لا تكمن في بنوده المباشرة، بقدر ما تكمن في النتيجة السياسية التي كشفها. فالخلاصة الأساسية للحرب، هي أن التحالف الأمريكي الاسرائيلي انتهى إلى الاعتراف بالنفوذ الإيراني، بعد أن دخل المواجهة تحت عنوان تقويضه. وإسرائيل التي سعت إلى تثبيت نفسها مركزاً إقليمياً، وقوة تقود وتقرر منفردة مصير المنطقة، أصبحت تتصرف في نهاية المطاف كذراع ضمن الاستراتيجية الأمريكية.
لا يبدو ما يعيشه الشرق الأوسط اليوم مجرد سلسلة حروب متداخلة، بل لحظة تاريخية يعاد فيها تعريف معنى القوة ووظيفة الدولة داخل عالم يفقد توازناته القديمة من دون أن ينجح بعد في إنتاج نظام جديد مستقر.
يتناول الزميل وليد حبّاس من اسرة المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار) مآلات مشروع "الممر الاقتصادي الهند- الشرق الأوسط- أوروبا" (IMEC)، في ضوء النتائج التي ستفضي إليها الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وذلك بوصفه أحد أهم المشاريع الجيوسياسية في الشرق الأوسط، حيث أُعلن عنه خلال قمة مجموعة العشرين في العام 2023 كممر متعددة الطبقات يربط الهند بأوروبا عبر الخليج وإسرائيل والبحر المتوسط (قبرص واليونان).
لم تعد المهلة التي لوّح بها دونالد ترامب لإيران مجرّد تفصيلٍ زمني في دفتر التهديدات الأميركية، ولا تاريخًا عابرًا على تقويم التصعيد. بل تحوّلت إلى عنوانٍ مكثّف لمرحلةٍ كاملة، تتداخل فيها الحروب بالمضائق، والإنذارات بالأسواق، والاستعراضات العسكرية بمصائر الشعوب
ليس مبالغة القول إن مقاربة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران بوصفها تعبيراً عن أزمة أعمق في منظومة عالمية مأزومة، تُبرّرها عوامل الترابط والتفاعل الجيوسياسية والجيواقتصادية، ومنها موقع إيران المحوري واحتياطات الطاقة وممراتها والتي تجعلها لاعباً حاسماً في سياسات الطاقة العالمية.
عندما تنقضي الحرب الأمريكية الإيرانية على إيران، تنشأ بعدها، أو في وقت لاحق، زلازل تُعاد فيها تقدير الأوزان، ويتغير كل شيء. ومن أهم التساؤلات التي ستطرح نفسها إثر الحرب مباشرة: ما حجم التغيرات والانقلابات المرشحة للحدوث في بنية النظامين الإقليمي والدولي؟
ثمة عقدة جيوسياسية تتصل بالصراع على الممرات الكبرى. وفي هذا السياق، يبرز التنافس المحموم بين طريق الحرير الصيني والبديل المدعوم غربيًا، أي ممر الهند-الشرق الأوسط–أوروبا، فيما تتصدر إيران قلب هذه العقدة بوصفها لاعبًا يسعى إلى حماية موقعه الاستراتيجي. فالعالم يشهد بزوغ مرحلة جديدة تتشكل فيها معالم «شرق أوسط جديد» عبر بوابة الاقتصاد والمشاريع العابرة للقارات، حيث لم تعد السياسة وحدها المحرّك الأساسي، بل باتت خطوط التجارة وسكك الحديد هي التي ترسم حدود النفوذ وتحدد هوية النظام الإقليمي ومن خلاله معالم النظام الدولي الجديد.