السعودية والطبقة الوسطى: حين ينحسر الريع وتضيق هوامش الرفاه

كانت الطبقة الوسطى في المملكة العربية السعودية، حتى سنوات قليلة خلت، صمّام أمان اجتماعي ومحركاً أساسياً للاقتصاد المحلي. وتمثل هذه الفئة منطقة التوازن بين القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية والحفاظ على مستوى معقول من الرفاهية. لأجل فهم ما طرأ عليها، لا بد من العودة إلى القواعد الأساسية التي ترتكز عليها ديمومتها: الأجر، السكن، القدرة الشرائية، فرص العمل، والعلاقة الاقتصادية مع الدولة.

لم تُقرّ السعودية حداً أدنى موحداً وشاملاً للأجور في القطاع الخاص بالمعنى القانوني التقليدي. لكن سوق العمل يقوم عملياً على مجموعة من العتبات التنظيمية المرتبطة ببرامج التوطين والمهنة والنشاط.

ففي برنامج «نطاقات»، يُحتسب العامل السعودي كاملاً في نسبة التوطين إذا بلغ أجره الشهري أربعة آلاف ريال على الأقل، فيما يُحتسب العامل الذي يتقاضى ثلاثة آلاف ريال بنصف عامل، ولا يُحتسب من يقل أجره عن ذلك. وهذه ليست حدوداً دنيا قانونية للأجور بقدر ما هي عتبات تنظيمية تمنح الشركات حوافز للالتزام بالتوطين.

وتوجد عتبات أعلى في مهن محددة. ففي المهن الفنية الهندسية يبلغ الحد الأدنى للاحتساب خمسة آلاف ريال، وفي المهن المحاسبية ستة آلاف ريال لحملة البكالوريوس و4500 لحملة الدبلوم، فيما يبلغ تسعة آلاف ريال لأطباء الأسنان.

من هنا نرى أن سلم الأجور لا يعكس تلقائياً حجم الثروة السعودية، ولا يمكن مقارنته ببساطة بمستويات الأجور في بقية اقتصادات مجموعة العشرين.

السكن يضغط أكثر من التضخم

قبل أن تتسع تداعيات الحرب مع إيران والتوتر المتصاعد مع “أنصار الله” اليمن، بقي التضخم العام في المملكة ضمن مستويات معتدلة نسبياً. ففي آب/أغسطس 2025 بلغ 2.3% على أساس سنوي. لكن هذا الرقم يخفي تفاوتاً كبيراً بين بنود الإنفاق التي تهم الطبقة الوسطى.

ففي الشهر نفسه ارتفعت أكلاف السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود بنسبة 5.8%، مدفوعة خصوصاً بزيادة الإيجارات الفعلية للمساكن بنسبة 7.6%. في المقابل، سجلت الملابس والأحذية تراجعاً طفيفاً. وهذا يعني أن معدل التضخم العام لا يعكس وحده حجم الضغط الواقع على الأسرة التي يستهلك السكن جزءاً كبيراً من دخلها.

وتزيد الاختلافات الجغرافية من حدة هذا التفاوت. فالرياض، حيث ارتفع الطلب على السكن بصورة كبيرة مع توسع النشاط الاقتصادي وانتقال الشركات والعمالة إليها، تفرض على الأسرة كلفة تختلف عن مدن ومناطق أخرى.

ومن هنا يظهر «المأزق» المعيشي الذي يحاصر شريحة من الطبقة الوسطى: القدرة على تغطية التكاليف الجارية شيء، والقدرة على الادخار للحالات الطارئة والوفاء بالالتزامات السابقة من دون الإفراط في الاقتراض شيء آخر.

من «توزيع الثروة» إلى تنظيم الاقتصاد

مع تراجع الإيرادات النفطية برز تحول تدريجي في طبيعة العلاقة الاقتصادية بين الدولة والمجتمع. وتوضح أرقام وزارة المالية أن الإيرادات النفطية المقدرة انخفضت من 757 مليار ريال في 2024 إلى نحو 590 ملياراً في 2025، في مقابل استمرار نمو الإيرادات غير النفطية.

وهنا يبرز التحول الأعمق لدولة ريعية مثل المملكة: الانتقال التدريجي من دور الدولة بوصفها موزعاً مباشراً للثروة إلى دور أكبر بوصفها منظماً ومحفزاً ومستثمراً في الاقتصاد.

هذا التحول يفرض إعادة هيكلة اجتماعية واقتصادية تظهر آثارها في محاور عدة.

أولها تراجع قدرة التوظيف الحكومي على استيعاب الخريجين بالآلية القديمة نفسها، وانتقال جزء أكبر من مسؤولية خلق الوظائف إلى القطاع الخاص، الذي تتحكم به حسابات الكفاءة والتمويل والطلب وعدم اليقين الاقتصادي.

وهكذا يدخل معيار الإنتاجية بصورة أقوى في سوق العمل، وينتقل الفرد تدريجياً من انتظار الوظيفة بوصفها امتداداً للاستحقاق الريعي إلى منافسة أشد في سوق العمل.

كما شهدت السنوات الماضية إعادة هيكلة للدعم وأسعار الطاقة والخدمات، بالتوازي مع تطبيق ضريبة القيمة المضافة، التي تبلغ نسبتها الأساسية حالياً 15%. وهي ضريبة غير مباشرة تنعكس على الاستهلاك والقدرة الشرائية للأسر بدرجات متفاوتة.

والنتيجة الطبيعية أن تضطر بعض الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها: الحد من الاستهلاك الكمالي، وتقليص الإنفاق على الترفيه والسفر، وزيادة الحذر المالي.

حين سبق الانفتاحُ الضيقَ الاقتصادي

لكن هذا التحفظ الاستهلاكي يتقاطع مع اتجاه آخر سارت فيه السعودية خلال العقد الأخير: الانفتاح الاجتماعي الواسع.

انطلقت هذه الحركة في إطار «رؤية السعودية 2030»، في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز وبقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وفي تلك المرحلة لم تكن الضغوط على الإيرادات النفطية قد بلغت مستوياتها الحالية، ولذلك قُدّم الانفتاح الاجتماعي والاقتصادي باعتباره جزءاً من استراتيجية تنموية شاملة، وارتبط في وعي قطاعات اجتماعية واسعة بما يمكن تسميته «الحلم الذهبي»: اقتصاد أكثر تنوعاً، وحياة أكثر انفتاحاً، وفرص جديدة.

واتخذ هذا المسار أشكالاً متتابعة.

في عام 2016 جرى تقليص صلاحيات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتأسست الهيئة العامة للترفيه في العام نفسه. ثم عادت دور السينما ابتداءً من عام 2018، واتسع تنظيم الحفلات والفعاليات الثقافية والترفيهية.

وفي المسار نفسه توسعت مشاركة المرأة الاقتصادية والاجتماعية، وسُمح لها بقيادة السيارة، ثم خُففت قيود الولاية في مجالات السفر واستخراج جوازات السفر للنساء البالغات. كما أطلقت المملكة التأشيرة السياحية الإلكترونية وفتحت أبوابها على نطاق أوسع أمام السياحة الدولية. وتندرج هذه التحولات ضمن مسار رسمي أوسع لاستقطاب السياحة والأعمال وتنويع الاقتصاد بعيداً من النفط.

إقرأ على موقع 180  "يسرائيل هيوم": التسوية البحرية مع لبنان "ممكنة"!

وكان المفترض أن يتحول الانفتاح من مجرد قرارات اجتماعية إلى ركيزة اقتصادية ونمط حياة مستدام، يرتكز على المدن والمشاريع السياحية الكبرى مثل «نيوم»، وعلى تحويل الرياض وجدة ومدن أخرى إلى مراكز للفعاليات والمهرجانات والثقافة والترفيه.

وخلال فترة قصيرة أصبح هذا الانفتاح جزءاً من الحياة اليومية لشرائح واسعة، ولا سيما بين الأجيال الأصغر سناً والطبقة الوسطى الحضرية.

جيل جديد.. ومجتمع غير متجانس

تقبلت قطاعات من الطبقة الوسطى هذه التغيرات عبر مزيج من الترحيب والتكيف البراغماتي والتحفظ الصامت، بعد عقود كان فيها التيار المحافظ والمؤسسة الدينية أكثر حضوراً في المجال العام.

لكن هذا التحول لم يكن متجانساً في جميع المناطق.

فالليبرالية الاجتماعية تظهر بصورة أكثر وضوحاً في المدن الكبرى، مثل الرياض وجدة والمنطقة الشرقية، بينما تبقى بعض المجتمعات في المحافظات والأطراف أكثر تمسكاً بأنماط اجتماعية تقليدية، ما يجعل وتيرة التغيير متفاوتة.

ولم يكن التمايز جغرافياً فقط. ثمة فجوة جيلية واضحة أيضاً. فالسعودية مجتمع فتي؛ وتشير البيانات الرسمية إلى أن نحو 71% من المواطنين كانوا دون سن الخامسة والثلاثين وفق بيانات 2023. وهذا الوزن الديموغرافي يجعل الأجيال الشابة عنصراً أساسياً في استقبال التحولات الاجتماعية والثقافية.

حين ينحسر الريع

لكن مع تراجع الإيرادات النفطية ابتداءً من 2025، بدأت المفارقة تظهر بصورة أوضح: اتساع اجتماعي في مقابل هامش اقتصادي أكثر ضيقاً لدى بعض الأسر.

ولم تتخلَّ الدولة عن شبكات الحماية الاجتماعية، بل أعادت تصميم جانب منها في اتجاه الدعم الموجه. فبدلاً من استفادة الجميع من دعم شامل للسلع والخدمات، أصبحت برامج مثل «حساب المواطن» جزءاً من منظومة تستهدف الأسر الأكثر تأثراً بالإصلاحات الاقتصادية.

وهنا يطرح بعض الخبراء سؤالاً يتعلق بالطبقة الوسطى تحديداً: ماذا يحدث إذا شعرت هذه الطبقة بأنها ليست فقيرة بما يكفي لتستفيد من برامج الدعم على نطاق واسع، وليست ميسورة بما يكفي لامتصاص ارتفاع السكن والضرائب وكلفة الحياة؟

إنها منطقة اجتماعية حساسة، لأن الطبقة الوسطى كانت تاريخياً من أكثر الفئات استفادة من الاستقرار الاقتصادي وفرص التعليم والتوظيف والتوسع العمراني.

والقلق أن تبدأ قطاعات منها في مقارنة وضعها الحالي بما سبق، وأن تربط بين مرحلة القيادة الحالية وتراجع قدرتها الشرائية، بدلاً من الفصل بين الخيارات الداخلية وبين الظروف الإقليمية والحرب مع إيران واضطراب طرق الطاقة والتجارة والتصعيد في اليمن.

وقد تترك الحرب اليمنية أثراً إضافياً إذا اتسعت تكلفتها أو انتقل الخطر بصورة أكبر إلى داخل الأراضي السعودية.

السؤال الأصعب: ماذا يحدث عندما يبدأ التململ؟

هذه الطبقة الوسطى قد تبدأ بطرح أسئلة أكثر مما كانت تطرحه في الماضي، والمفارقة أن الانفتاح الاجتماعي نفسه جعل المجتمع أكثر اتصالاً بالعالم وأكثر اطلاعاً على أنماط الحياة والنقاش الموجودة خارجه.

وهنا يظهر السؤال السياسي ـ الاجتماعي الأصعب: كيف تتعامل الدولة مع تململ اقتصادي إذا ظهر داخل مجتمع فُتح له المجال الاجتماعي والثقافي أكثر مما كان متاحاً سابقاً؟

يرى بعض المراقبين أن السلطة، إذا شعرت بأن الانفتاح بدأ ينتج ضغوطاً سياسية أو اجتماعية غير مرغوبة، قد تلجأ إلى التشدد في ضبط المجال العام.

لكن القول بإمكان العودة ببساطة إلى نموذج «المطاوعة» القديم يحتاج إلى الحذر. فالسعودية التي نشأت فيها هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قبل عقود ليست السعودية الاقتصادية والاجتماعية نفسها اليوم، كما أن التحولات المؤسسية والاجتماعية التي حدثت منذ 2016 أعمق من أن تُعكس بقرار واحد.

تبقى تجربة 1979 حاضرة في الذاكرة السعودية. فبعد اقتحام جهيمان العتيبي ومجموعته المسجد الحرام، وفي مناخ إقليمي تزامن مع الثورة الإيرانية، دخلت المملكة لاحقاً مرحلة أكثر محافظة، اتسع خلالها نفوذ التيار الديني الذي عُرف لاحقاً بـ«الصحوة».

لكن السؤال اليوم مختلف:

هل تستطيع الدولة الحفاظ على معادلة الانفتاح الاجتماعي إذا تقلص الهامش الاقتصادي الذي ساعد على قبولها؟

وهل يمكن للطبقة الوسطى أن تستمر في حمل التحول السعودي إذا شعرت بأن كلفة هذا التحول تقع عليها أكثر من عوائده؟

هذا، في تقديري، هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.

(*) بالتزامن مع “أخباربووم

Print Friendly, PDF & Email
بسام خالد الطيّارة

كاتب لبناني وأستاذ جامعي مقيم في باريس

Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  كيف يُصنَع “الوحش الفلسطيني”؟ سيكولوجيا نزع الإنسانية في الخطاب الإسرائيلي