وبرغم المبالغة الأميركية الواسعة في أهمية انتخابات الرئاسة التي تُجرى كل أربع سنوات، أو انتخابات الكونغرس التي تُجرى كل سنتين، فإن انتخابات الكونغرس في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل تشهد من الظواهر ما لم تشهده أي انتخابات أخرى؛ بداية من وجود رئيس لا يخوض الانتخابات، لكنه يطغى على المشهد السياسي الأميركي والعالمي بصورة غير مسبوقة، مروراً ببروز قضايا جديدة لم يتعرض لها الناخب الأميركي من قبل، وصولاً إلى تزامن الانتخابات مع حرب متوقفة تخوضها بلادهم في غياب دعم شعبي لمبرراتها، ومعاناة واسعة من تبعاتها.
وحالياً، يتمتع الجمهوريون بأغلبية بسيطة في مجلسي الكونغرس؛ ففي مجلس النواب لهم 218 مقعداً مقابل 214 للديمقراطيين، وشغور دائرتين، ويحتاج الديمقراطيون فقط إلى 5 مقاعد لاقتناص أغلبية المجلس، وهو ما يتوقعه أغلب الخبراء وكل الاستطلاعات. وفي مجلس الشيوخ، يتمتع الجمهوريون بأغلبية 4 مقاعد؛ إذ لهم 53 سيناتوراً مقابل 47 للديمقراطيين. ورغم تحفظ الخبراء والاستطلاعات في توقعاتهم، فإنني أتوقع انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين في مجلس الشيوخ كذلك. وجدير بالذكر أن الانتخابات تُجرى على كل مقاعد مجلس النواب الـ435، و35 مقعداً، أي نحو ثلث المقاعد، في مجلس الشيوخ.
ويضاعف من سخونة هذه الانتخابات تقاعد 58 عضواً في مجلس النواب، و14 سيناتوراً في مجلس الشيوخ. وتقليدياً، تعطي الاستطلاعات والسوابق التاريخية أفضلية لانتخاب الأعضاء الحاليين، بينما يفتح تقاعد هذا العدد الضخم من الأعضاء الباب أمام سيناريوهات غير متوقعة.
كما تُجرى انتخابات الكونغرس في ظل استقطاب غير مسبوق في السياسة الأميركية، تراجع معه عدد الدوائر المتأرجحة في مجلس النواب إلى 22 دائرة فقط، بعدما كان العدد يصل إلى 70 دائرة قبل عشر سنوات. ويعني ذلك أنه لا يمكن لحزب واحد أن يحقق انتصاراً كاسحاً في هذه الانتخابات؛ ويُقصد بذلك أن يحصل حزب على أكثر من 60% من مقاعد مجلس الشيوخ و66% من مقاعد مجلس النواب، وهو ما يستحيل عملياً تحقيقه في هذه الانتخابات. ويعني ذلك استمرار تمتع الرئيس بممارسة حق الفيتو، أي رفض تشريعات الكونغرس، وعدم امتلاك أغلبية الكونغرس أغلبية الثلثين اللازمة للتغلب على الفيتو الرئاسي.
***
إلا أن أهم ما يميز هذه الانتخابات ثلاث ظواهر تجعلها ليست كسابقاتها من أي انتخابات شهدها الكونغرس على مدار تاريخه:
أولى هذه الظواهر تتعلق بالرئيس دونالد ترامب وطبيعته الاستثنائية؛ فعندما يكون هناك رئيس تنخفض نسبة الرضا الشعبي عن أدائه وسياساته إلى مستويات دنيا، يكون من الطبيعي أن يتوارى الرئيس عن الأنظار، ويتوقف عن المشاركة في المؤتمرات الانتخابية لمرشحي حزبه كي لا يكون عبئاً عليهم.
بورغم انخفاض شعبية ترامب إلى ما دون الـ30% في مختلف الاستطلاعات، فإنه يرفض الابتعاد عن دائرة الضوء، بل يقاوم ترامب ذلك إلى درجة طلبه من مؤيديه التصرف كما لو كان هو على ورقة الاقتراع. ومع هيمنة ترامب الطاغية على الحزب الجمهوري، أصبح من الصعب على أي مرشح جمهوري الابتعاد عن الرئيس ترامب، وأصبح عليهم تبرير سياسات غير مقنعة لهم ولا لناخبيهم في الكثير من الدوائر التي طالما كانت جمهورية الهوى والتصويت.
فقد تبنى ترامب سياسات دراكونية في ما يتعلق بالهجرة، ودفع ذلك إلى غضب واسع في دوائر الأميركيين الهيسبانيك، ممن صوّت الكثير منهم لترامب في انتخابات 2024، كما أثار غضب الآلاف من المزارعين في ولايات جمهورية ممن اعتمدوا على مهاجرين غير شرعيين للقيام بالأعمال الضرورية التي لا يُقبل عليها المواطن الأميركي.
ومن ناحية أخرى، دفعت سياسات ترامب المتعلقة بفرض تعريفات جمركية ضخمة، خاصة على كندا، إلى غضب واسع في الولايات الحدودية الشمالية التي تعتمد تجارتها واقتصادها بصورة كبيرة على العلاقات المفتوحة وحرية التجارة مع كندا. كما أغضب ترامب الآلاف من الناخبين العرب والمسلمين ممن صوتوا له عام 2024، وذلك بسبب خطابه التهكمي على الإسلام خلال الأسابيع الأخيرة.
ثاني الظواهر الفريدة لهذه الانتخابات أنها تتناول قضايا جديدة للمرة الأولى؛ فلم يسبق أن كان تشييد مراكز البيانات قضية انتخابية. واليوم يرفض 70% من الأميركيين وجود هذه المراكز في مناطقهم وولاياتهم. وأصبح موقف المرشحين من فكرة تشييد مراكز البيانات إحدى القضايا المحددة لتفضيلات الناخبين، بغض النظر عن هويتهم الحزبية.
وتبع ذلك بروز شركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي ممولاً كبيراً ولاعباً مهماً في الحملات الانتخابية في العديد من الولايات. وأنفقت مجموعات سياسية متحالفة مع صناعة الذكاء الاصطناعي أكثر من 300 مليون دولار في هذه الانتخابات بصورة مباشرة، وتشير تقديرات إلى إنفاقها أكثر من مليار دولار بصورة غير مباشرة، لدفع الناخبين إلى قبول تشييد مراكز البيانات في ولاياتهم، وعدم التصويت ضد المرشحين المؤيدين لذلك.
ثالث الظواهر المتعلقة بهذه الانتخابات أنها تُجرى وسط حالة لا حرب ولا سلم في ما يتعلق بالمواجهة الأميركية مع إيران. وهذه الحرب فريدة في عدم دعم الأميركيين لها بنسبة ضخمة تقترب من 70% من الناخبين من كلا الحزبين.
وبعد بدء الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، ارتفعت تكاليف الوقود داخل الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية، ووصل متوسط سعر غالون بنزين السيارات إلى 4.6 دولار الأسبوع الماضي، مقابل 3.1 دولار قبل الحرب، كما وصل سعر الديزل إلى مستويات غير مسبوقة.
ودفع ذلك إلى ارتفاع حاد، بالمعايير الأميركية، في أسعار كل شيء يستهلكه الناخب الأميركي، وخاصة الطعام والشراب، وأصبح ارتفاع الأسعار وارتفاع تكاليف المعيشة القضية الأهم لدى الناخبين من كلا الحزبين.
***
في النهاية، يبقى أن نترقب مصير مرشحين من أصول مصرية: عبد الرحمن السيد لمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، وآدم حماوي لمقعد في مجلس النواب عن ولاية نيوجيرسي.
(*) بالتزامن مع “الشروق“
