كلٌّ من دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو يرى الحروب العدوانيَّة التوسعية مخرجاً. يُدْخِلانِها في الحسابات الانتخابيَّة ليقرِّرا ما إذا كانت تخدم مصالحهما راهناً أم يؤجلان “حروبهما” إلى ما بعد الانتخابات، لكنهما لا يلغيان أبداً النهج والفكرة. ترامب خائفٌ من التراجع أمام خصومه الديموقراطيين. نتنياهو خائف من السقوط أو من الضعف والمحاكمة. وهذا ما يتلهَّى به الإعلام عامَّةً، والإعلام العربي بخاصةً، أمَّا الجوهر فهو غير ذلك. إذا حصل الديموقراطيون على الغالبية فالأمر لا يعني تقليصاً قانونيَّاً من صلاحيات ترامب. وإذا جاءت المعارضة “الإسرائيلية” إلى “الكنيست” فمَجيئها لا يُغيِّرُ، ولو نِزراً يسيراً من الطبيعة العدوانية التلمودية التوسعيَّة للكيان الصهيوني. كلتا الجهتين تتنافسان ضد العرب عموماً، وضد الفلسطينيين خصوصاً، وتندرجان في مشروع التوسع والتهجير، وَتُضْفِيان على الحروب طابعاً دينيَّاً وتزعمان أنها من وصايا ونبوءات التوراة. وتتبنَّى الإدارة الأميركية النظريَّة نفسها مثلما أعلن مؤخَّراً وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث إذْ قال “إنهم يخوضون حربَ الربِّ”، كأنهم يستعيدون الشعارات الصليبية القديمة، عندما غزت الجيوش الأوروبيَّة بلادنا، ونهَبتْها، وسيطرت عليها نحوَ قرنين تحت شعار تحرير المقدسات المسيحية من المسلمين. مَنْ ينسى المعنى السياسي لنداء البابا أوربانوس من مدينة كليرمونت الفرنسية عام 1095 عندما قدَّم التغطية الدينية للنبلاء والإقطاعيين الأوروبيين. ودعا إلى غزو القدس التي “يسيطر عليها أعداء السيد المسيح”. العِبرةُ هنا في توظيف الدين لتبرير الحرب والاستغلال فضلاً عن النهب والاحتلال.
***
اليوم بعد نحو ألف سنة على نداء البابا أوربانوس تتكفَّلُ الصهيونية اليهودية، والصهيونية المسيحية، والإنجيلية الجديدة بالدور نفسه، وربَّما سيكبر دور الصهيونيَّة الإبراهيمية والإسلامية التي تدعمها. إنها جميعَها تستهدف الشرق كلَّه بهذه الذهنية الخطيرة. لذا علينا أن نعِي أنَّ الانتخابات الأميركية، والانتخابات الإسرائيليَّة لا تعني تغييراً نوعيَّاً، ولا تستحقُّ من المراقبين العرب المخلصين لبلادِهم أيَّ رهانٍ عليها. الجمهوريون والديموقراطيون في أميركا هم تحت رحمة “إيباك” والمجمَّع الصناعي العسكري. والأجنحة في “إسرائيل” ترفرف حول جسمٍ واحدٍ، وعقلية الحرب العدوانية عندهم ثابتة تلموديَّاً وإنجيليَّاً ومصلحياً رأسماليَّاً. التداخل بين هذه العناصر متنوِّعٌ والنتيجة واحدة. الحرب ثمَّ الحرب ثمَّ الحرب.
***
الشرق كلُّه مستهدفٌ. إعادة تشكيله هي الغاية الصهيونيَّة الكبرى. إيران حاليا هي في طليعة هذا الاستهداف. لبنان معها أو بعدها. الحربان السابقتان: حزيران/يونيو 2025 وشباط/فبراير 2026 أظهرتا عجز واشنطن وتل أبيب عن تحقيق هدفهما الأول المعلن وهو إسقاط نظام الجمهورية الإسلامية في طهران. الآن يخططان لحربٍ جديدةٍ، لكن إيران هذه المرة لن تكتفي بالدفاع العادي بعدما أعلنت عن تغيير عقيدتها العسكرية من الدفاع التقليدي إلى الدفاع الهجومي، وربَّما تأخذ زمام المبادرة فتضرِبُ قبل أنْ تُضْرَبَ. وما يجري من ضرب السفن التي تعبر الممرات غير القانونيّة في مضيق هُرمُز بمحاولةِ حمايةٍ أميركية، هو خير دليلٍ على تطبيق العقيدة الجديدة عند الإيرانيين.
مسألةُ توقيتِ الحرب حَرِجةٌ، والأرجحيةُ قد تكون قبل الانتخابات الإسرائيلية بضوءٍ أخضر أميركي،[الاحتمال قائم حتى اللحظة] أمَّا إلغاؤها فلا مؤشِّر جديَّاً عليه حتى الآن. وقد تستهدِف الحرب الجغرافيا الإيرانية وحدها وقد تشمل معها لبنان. وفي الحالين يتأثر الجنوب اللبناني بمثل هذا التطوُّر إذا حصل.. وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس هدَّد، منذ أيَّامٍ قليلةٍ، بأنَّ “إسرائيل” ستعمل على “ضمِّ النبطية والزهراني” إلى ما تسمِّيه “منطقتَها الآمنة”، وستسعى “نحو الوصول إلى جبل الريحان“. وكان قبل أشهر قد هدَّد بإحراق “أرز لبنان”، مشيراً بطريقةٍ غير مباشرة إلى نبوءة أسطورية توراتيةٍ حول هذا الهدف.
***
كل المعطيات تقود إلى التصعيد ثمَّ الحرب. وإذا كانت إيران تستعدُّ للمواجهة، فماذا نفعل نحن في لبنان؟
طبعاً ليس لديْنا أي قوة مثل إيران. لكن أليس من واجب السلطة في الحد الأدنى أنْ تبحثَ عن شيءٍ من أوراق القوة؟ أم هي اختارت نهائيَّاً الانتظار والاستسلام؟ لا نطلب منها العجائب، بل نطلب توافر الحسابات الوطنية، وعندئذٍ يمكن أن تتحاور مع المقاومة بنظرة إيجابية، ويمكن أن تنسِّقَ معها، كي لا تُعطى لـِ”إسرائيل” أيُّ ذريعةٍ، وكي يمكن التصدِّي لخططها التوسعية التي تعمل على تنفيذها بالتدريج من دون إعلان حرب.
سكت المسؤولونَ عن أي ردٍّ ذي قيمةٍ على “كاتس”. ولم يشاءوا الانتباه إلى أنَّ كلامه يهدِّدُ أهلنا في الجنوب بتهجير جديد يترافق مع توسُّعٍ جغرافي يضع وحدة لبنان على المحكِّ الكارثي، فإذا بلغ الاحتلال الإسرائيلي جبل الريحان يعني أنَّه أمسكَ شرقاً بالإطلالة الإستراتيجية على كل البقاع الغربي امتداداً إلى الأوسط. وأمسك بجبل لبنان من جهة الشوف – جزين، أمَّا غرباً فهو يسيطرُ من قمة الريحان على الجنوب بقراه وساحلِه. وعندئذٍ ستبرز في الداخل دعوات تقسيمية، وتعود إلى الواجهة أفكار لبنان الصغير، فتسقط نهائياً في هذه المرحلة فكرة الدولة لا الدولة فحسبُ.
***
لا نريد من السلطة إلَّا جواباً عن سؤالٍ مركزيٍّ واحد: هل تشعر السلطة بالأيام الناريَّة المقبلة، فترى أنَّ هذه المخاطر تستحقُّ التحرُّك وتغيير النهج أم هي مخاطر محسوبة ومرضيٌ عنها؟ يا للكارثة إذا كان الأمر كذلك!
