تختلف ظروف العام 1977 عن واقع الحال اليوم في إسرائيل. عامذاك، كان يصنف حزب العمل على معسكر اليسار في مقابل اليمين الممثل بالليكود، ولم تكن الأحزاب الدينية والقومية المتطرفة تشكل ذاك الثقل الانتخابي الذي تمثله اليوم.
المعركة الآن بين الليكود بقيادة نتنياهو، مدعوماً بائتلاف يضم حزبي “العظمة اليهودية” بزعامة وزير الأمن القومي أفيغدور بن غفير و”الصهيونية الدينية” بزعامة بتسلئيل سموتريتش. هو الإتلاف الأكثر تطرفاً منذ انشاء إسرائيل في 1948. أما حزب الديموقراطيين الذي يعتبر وريث حزب العمل بزعامة يائير غولان، فالبكاد له أربعة مقاعد في الكنيست المنتهية ولايته بعدما تجاوز نسبة الحسم (3.25 في المئة) في انتخابات 2022. أما حزب ميرتس الذي كان يعتبر أيضاً من بقايا حزب العمل، فقد أخفق في الوصول إلى نسبة الحسم، ولم يتمثل في الكنيست.
وحتى قبل هجوم “حماس” على “غلاف غزة” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، كانت إسرائيل تنحو إلى التطرف في كل انتخابات أكثر من سابقتها منذ تولى نتنياهو رئاسة الوزراء عام 1996، على أثر اغتيال رئيس الوزراء اسحق رابين في 1995 على يد يهودي يميني متطرف، والمرة الأخيرة التي وصل فيها العمل إلى السلطة كانت مع ايهود باراك في 1999. وعاد نتنياهو إلى الحكم في 2009، وما يزال إلى الآن، باستثناء فترة عامين عقب انتخابات 2021 وتولي نفتالي بينيت ويائير لابيد رئاسة الوزراء لمدة عام.. لكل منهما.
وما يجعل من انتخابات الثلاثاء مفترقاً مصيرياً لإسرائيل وللشرق الأوسط، هي التنافس بين أحزاب يهودية، لا يوجد في برنامجها شيء اسمه دولة فلسطينية أو دعوة إلى الانسحاب من غزة ومن الضفة ولبنان وسوريا. هناك إجماع على أن إيران هي الخطر الوجودي على إسرائيل، ولذلك يجب الحؤول، بأي وسيلة، دون تطوير برنامجها النووي أو السماح لها بتخصيب اليورانيوم، والعمل على اسقاط النظام في طهران إذا أمكن.
ولا يختلف نتنياهو وأيزنكوت على أنه يجب القضاء على حلفاء إيران في المنطقة، وخصوصاً “حماس” و”حزب الله”. وكلاهما يؤيد توسيع الاستيطان والاحتفاظ بـ”المناطق الأمنية” خلف الخطوط الصفراء في غزة ولبنان وسوريا.
ويخوض آيزنكوت، حملته تحت شعار “إنقاذ إسرائيل”. فمن وجهة نظره، فإن نتنياهو زج إسرائيل في حروب لا تنتهي، وقوّض مكانتها الدولية، وألحق ضرراً بالغاً بدعمها في الولايات المتحدة. وهو يرى أن نتنياهو دفع إسرائيل نحو النزعة السلطوية، وأجّج الانقسام بين فئات المجتمع، بينما يُستدعى جنود الاحتياط في الجيش مراراً وتكراراً، في الوقت الذي يتهرب فيه اليهود المتشددون “الحريديم” من الخدمة العسكرية. ويعتبر آيزنكوت أن “هذه الانتخابات هي خيار بين تحمُّل المسؤولية والهروب منها”.
يوصف آيزنكوت بأنه “الجنرال المغربي” نظراً إلى أصوله المغربية مما يجعله من اليهود “المزراحيين” أو “السفارديم”، أي أولئك الذين تعود جذورهم إلى بلدان شرق أوسطية وشمال أفريقية. وشكل المزراحيون عادة قاعدة انتخابية صلبة لنتنياهو. ولطالما تملكهم الشعور بالتهميش من قبل النخبة الحاكمة في إسرائيل التي تنتمي إلى اليهود “الأشكناز”، أولئك الذين يتحدرون من أوروبا الغربية والشرقية. وساهم “المزراحيون” الذين باتوا يشكلون الثقل الديموغرافي للمجتمع الإسرائيلي، في إحداث تحول سياسي كبير عام 1977، عندما وقفوا خلف إيصال الليكود إلى الحكم.
وفي عام 2015، اختار نتنياهو أيزنكوت ليشغل منصب رئيس الأركان. فكان بذلك أول مزراحي يتبوأ هذا المنصب. وهو يقف اليوم أمام تحدي أن يكون أول رئيس للوزراء من غير “الأشكناز”. لعب آيزنكوت دوراً في قمع الانتفاضة الفلسطينية بعد العام 2000، وهو يدعو إلى توسيع المستوطنات “القانونية” في الضفة ولا يحبذ إقامة البؤر العشوائية، ويعترف بوجود “إرهاب يهودي” هناك. وفي موقف معارض بقوة لحل الدولتين، قال في حملته الانتخابية: “موقفي هو أنه بين نهر الأردن والبحر، يجب أن تكون لإسرائيل المسؤولية الأمنية العليا. إذا كنا نريد البقاء، فيجب ألا يكون هناك أي جيش أجنبي بين البحر المتوسط والأردن”.
ويُعرف عن آيزنكوت أنه واضع “عقيدة الضاحية” (الجنوبية) منذ عام 2008، التي تدعو إلى رد غير متناسب على أي هجمات تتعرض لها إسرائيل وإلحاق التدمير بالبيئة التي ينطلق منها المهاجمون. وانضم إلى حكومة نتنياهو عقب 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، لمدة ثمانية أشهر. ومن بين أولوياته تشكيل لجنة تحقيق رسمية في سبب الإخفاق أمام “حماس” يومذاك.
وتعاطف معه الإسرائيليون بعد مقتل ابنه وإبن شقيقته وقريب آخر له في عام 2024 في حرب غزة. غير أن لديه الكثير من نقاط الضعف التي قد تحول دون وصوله إلى رئاسة الوزراء، ومنها عدم تمتعه بأي كاريزما على الصعيد الشعبي، وليس هجومياً في أحاديثه بما يأسر الانتباه، ولا يجيد الإنكليزية بطلاقة. ولذلك، يقول عنه نتنياهو إنه لن يكون سياسياً قادراً على تحدي الضغوط الخارجية.
وعلى العكس، لا يترك نتنياهو فرصة لاستغلال أي حدث إلا ويوظفه في خدمة بقائه السياسي. وتمكن نتنياهو مثلاً من تقليص الفجوة مع أيزنكوت بالبناء على محاولة مساعد طيار عماني السيطرة على طائرة ركاب تابعة لشركة “فلاي دبي” الشهر الماضي اثناء رحلة لها من دبي إلى تل أبيب، وانتهت بإفشال المحاولة وهبوط الطائرة في مطار تبوك بالسعودية. وكذلك، بالدعم الذي يقدمه للمستوطنين الذين يعيثون فساداً في مدن وقرى الضفة، وصولاً إلى التهديد باجتياح جديد للضفة الغربية هو الأوسع منذ 1967، عقب مقتل جنديين إسرائيليين في عملية نفذها فلسطينيان في الخليل يوم الجمعة الماضي.
وفوق هذا، حاز نتنياهو على دعم علني من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في وقت تتحدث تقارير عن عمليات عسكرية مشتركة جديدة وشيكة ضد إيران. وهو عاد إلى تكرار شعار اسقاط النظام الإيراني، كحل جذري للبرنامج النووي، وذهب إلى حد القول بأنه لن يستأذن أميركا عندما يعطي الأوامر بضرب إيران مجدداً. ولا يكترث كثيراً بالعزلة الدولية التي أوقع فيها إسرائيل بفعل حرب الإبادة في غزة والعقاب الجماعي للفلسطينيين، ويدعو إلى تطبيق سياسة “جز العشب” على ما يسميه في مصطلحاته “الجبهات السبع”، أي توجيه ضربات استباقية فور الشعور بأن ثمة خطراً يحدق بإسرائيل. وألقى مسؤولية الإخفاق في “7 أكتوبر” على الأجهزة الأمنية، نافياً أن يكون تلقى تحذيرات من مصر ودولة الإمارات العربية المتحدة، باستعداد “حماس” لتنفيذ عملية واسعة.
حتى الآن، لا ترجح استطلاعات الرأي فوز كتلة نتنياهو أو كتلة آيزنكوت بالغالبية اللازمة لتشكيل الحكومة الجديدة. وتظهر استطلاعات الرأي حصول المعسكرين الحاكم والمعارض على أرقام دون الغالبية المطلوبة (61 مقعداً)، فيما تحصل القائمتان العربيتان على ما بين 13 و15 مقعداً. ويرفض آيزنكوت ضم إحدى هاتين القائمتين برئاسة منصور عباس إلى كتلته ليتمكن من تشكيل الحكومة.
وللخروج من المأزق، من غير المستبعد أن يختار نتنياهو المسارعة إلى الحرب ضد إيران، في محاولة للضغط على المعارضة للانضمام إليه في حكومة وحدة وطنية يتولى رئاستها في أول سنتين وعندما يأتي دور آيزنكوت يكون نتنياهو قد ضمن موقع رئاسة الدولة خلفاً للرئيس الحالي إسحاق هرتسوغ الذي تنتهي ولايته في العام 2028.
وهناك خيار آخر، وهو أن تعاد الانتخابات بعد بضعة أشهر، فيبقى نتنياهو رئيساً للوزراء بصفة مؤقتة. لكنه سيواجه كنيست لا يملك فيه الغالبية كما هو الحال اليوم.
الانتخابات بالنسبة إلى نتنياهو مسألة مصير يتعلق بشخصه، والخسارة تعني أنه سيكون معرضاً للمحاسبة عن الإخفاق في “7 أكتوبر” وعن قضايا الفساد التي يحاكم فيها.
هذه المناخات من عدم اليقين، جعلت رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز موشى دايان بجامعة تل أبيب ميخائيل ميلشتاين يحذر في مقال بصحيفة “يديعوت أحرونوت”، من أن “القطار الإسرائيلي يسير بأقصى سرعة، وبوعيٍ تام، نحو الهاوية”.
الأمر الوحيد المؤكد في هذه الانتخابات هو أن الكنيست الجديد، سيدخل إليه متطرفون من أقصى اليمين القومي والديني، أكثر من أي وقت مضى. لا يرمي ذلك بتأثيراته على إسرائيل وحدها وإنما يعيد رسم حدود الشرق الأوسط.
