حين يرتفع صوت الشارع الأوروبي اليوم، لا نتحدث عن مجرد موجة احتجاج عابرة تذوب مع انتهاء عطلة الأسبوع، ولا عن غضب فئوي مطوّق بسياق محلي ضيق. فحين تتقاطع خطى الطلاب في باريس مع صرخات المعلمين في أثينا، وتلتحم مطالب عمال الخدمات بجيوش الطبقة الوسطى المنسحمة تدريجياً من معادلة الأمان، نحن أمام عَرَضٍ دراماتيكي لمرض أعمق: تصدع العقد الاجتماعي التقليدي الذي قامت عليه الدولة الديموقراطية في أوروبا الحديثة.
من خلال المتابعة المعمقة لتحولات القارة الأوروبية، يُمكن القول إن ما يجري يتجاوز حدود الأرقام الاقتصادية الصماء أو تقارير التضخم الفصلية. إنه اهتزاز عميق في الثقة المتبادلة بين المواطن والدولة، وتآكلٌ تدريجي لفكرة طالما تغنى بها الغرب، وهي أن “الجهد والتعليم هما تذكرة العبور الحتمية نحو حياة كريمة ومستقرة”.
البعد الهيكلي للأزمة
الخطأ الشائع في قراءة المشهد الأوروبي الراهن هو اختزاله في تداعيات الحرب الأوكرانية، أو أزمة إمدادات الطاقة، أو حتى تذبذب معدلات التضخم. صحيح أن هذه العوامل شكلت “الشرارة”، لكن الجذور أعمق وأكثر تعقيداً:
أولاً؛ وهم المؤشرات المحسنة:
يعتقد صنّاع القرار في العواصم الأوروبية أن تراجع مؤشر التضخم يعني بالضرورة “تعافي المواطن”. لكن الحقيقة الاقتصادية المعيشية عكس ذلك تماماً؛ فالأسعار التي تثبت عند مستويات قياسية جديدة لا تعود إلى الوراء، وتحسن المؤشرات الكلية لا يرمم فجوة الأجور، ولا يعيد القدرة الشرائية المتاكلـة لأسرة تجد نفسها مضطرة لدفع أثمان باهظة مقابل سكن متواضع، أو الارتماء في أحضان القطاع الخاص لتعويض انهيار الخدمات العامة (كالصحة والتعليم).
ثانياً؛ ازدواجية العبء:
تشعر الفئات الوسطى والضعيفة أنها تدفع الفاتورة مرتين؛ مرة عبر ضرائب مرتفعة لا تنعكس جودةً في المرافق العامة، ومرة ثانية عبر الاقتطاع من دخلها المحدود لتغطية البدائل الخاصة.
ثالثاً؛ أزمة التمثيل والعدالة:
رابعاً؛ المأزق الأمني:
عندما تصبح “القوة” بديلاً عن “السياسة” في فرنسا وغيرها، يصبح الرد الأمني محاولة لإخفاء العجز السياسي خلف الدروع ومسيلات الدموع. وهنا يكمن المطب الأكبر للدولة الحديثة.
إن حشد الشرطة والجيش للسيطرة على الساحات قد يفرض هدنة مؤقتة في الشارع، لكنه لا يُطعم جائعاً، ولا يوفر مسكناً لطالب يعيش على وجبات مقطرة، ولا يسد النقص الهيكلي في الكوادر التعليمية. القوة العسكرية والأمنية لا تستطيع صياغة سياسات عامة.
وعلى الطرف المقابل، فإن أي انزلاق نحو التخريب أو العنف يخدم خصوم الاحتجاجات على طبق من فضة؛ إذ يمنح السلطات الذريعة لتحويل عدسة الإعلام من “عدالة المطالب” إلى “المشهد الأمني”، مما يشتت الجهد ويفرغ التحركات من عمقها الأخلاقي والاجتماعي. من هنا، فإن حماية الطابع السلمي والتنظيمي للاحتجاج ليست مجرد مصلحة أمنية، بل هي درع لحماية جوهر القضية ذاتها.
خامساً؛ نحو استجابة جريئة:
إن التحدي الحقيقي الماثل أمام النخب الحاكمة في أوروبا اليوم لا يتعلق بإخماد الحرائق، بل بإعادة الهندسة الاقتصادية والاجتماعية بعيداً عن الترقيع المؤقت. ويمكن بلورة ملامح الخروج من النفق في مسارات متوازية:
1. سرعة ونجاعة العدالة الاجتماعية: استهداف الفئات الأكثر هشاشة بمساعدات وأبنية سكنية ومنح تعليمية تصل في موعدها الحقيقي لا بعد فوات الأوان، مع إعادة الاعتبار للتفاوض الجدي على الأجور بما يواكب كلفة المعيشة الفعلية.
2. تمويل عادل ومساءلة حقيقية: لا إصلاح حقيقي دون مراجعة جذرية لبنية الضرائب، وسد الثغرات القانونية والإعفاءات التي تستفيد منها رؤوس الأموال الكبرى، ومكافحة التهرب الضريبي بصرامة. الدعم المالي غير المُموَّل بعدالة مجرد مسكنات تؤجل الانفجار ولا تمنعه.
3. الاستثمار في الخدمات العامة: إعادة الاعتبار للتعليم والصحة والسكن الميسر باعتبارها “أعمدة أمن قومي اجتماعي” وليست بنوداً قابلة للقص والتقشف عند أول هزة مالية.
خلاصة المشهد
قوة الدولة الحقيقية لا تقاس بقدرتها على إخلاء الساحات بالقوة، بل بقدرتها على الإصغاء، وتحويل طاقة الغضب العام إلى سياسات عادلة ومستدامة. إن هدوء الشارع تحت وطأة الضغط الأمني أو التعب ليس دليلاً على الرضا، بل قد يكون صمتاً مقلقاً يسبق عواصف أشد عمقاً؛ فالخبز، والسكن، والتعليم، والكرامة الإنسانية.. حقوق أصيلة لا يمكن شطبها بإبعاد أصحابها عن دائرة الرؤية، والرهان على “نسيان الناس” هو الرهان الخاسر في تاريخ التحولات الكبرى.
