كتاب منير الربيع.. سوريا بين سقوط الأسد وصعود الشرع

تتجاوز أهمية كتاب منير الربيع «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» مجرد سرد تفاصيل الأيام الأخيرة لنظام بشار الأسد، لتصل إلى سياق أعمق يسعى إلى فهم التحول الجذري الذي شهدته سوريا، من انهيار سلطة امتد حكمها لعقود إلى انطلاق مرحلة سياسية جديدة. ويجمع الكتاب بين تغطية الأحداث بالاستناد إلى مصادر موثوقة، وتتبع مسار الثورة والحرب منذ عام 2011، واستكشاف رؤى أحمد الشرع وتصوراته لمستقبل سوريا وعلاقاتها الإقليمية والدولية.

يربط منير الربيع سقوط نظام بشار الأسد بمسار طويل من التحولات التي بدأت مع الثورة السورية (2011)، ثم مرحلة الحرب وما رافقها من انهيار اجتماعي واقتصادي وعسكري، وتبدل في موازين القوى الإقليمية والدولية. ولا يتعامل مع السقوط بوصفه نتيجة عسكرية مفاجئة، بل باعتباره حصيلة تراكمات جعلت قدرة النظام على الاستمرار أقل مما كانت توحي به سنوات بقائه. ويمنح الكتاب الحدث بُعدًا نفسيًا ورمزيًا، حين يشير إلى أن سقوط الأسد لم يكن سقوط شخص أو سلطة فحسب، بل انهيار صورة «الأبد» التي ارتبطت بالنظام في الوعي العام. فقد بدا استمرار الحكم، طوال عقود، أمرًا يصعب تصور نهايته، قبل أن تكشف الأيام الأخيرة عن سرعة التحول وإمكان حدوث ما كان مستبعدًا.

تتضح هذه الفكرة في روايات الأيام الأخيرة، التي تتناول اجتماع الدوحة ومواقف الأطراف الإقليمية والدولية، والخيارات العسكرية التي نوقشت داخل النظام، والدور الروسي في تأمين مغادرة الأسد، فضلًا عن تحركات أمنية سبقت الهجوم العسكري، ومحاولات بعض الشخصيات إعادة ترتيب مواقعها مع اقتراب الانهيار.

تمنح هذه الروايات الكتاب قيمة خاصة، لأنها تقرّب القارئ من أجواء اتخاذ القرار في لحظة حرجة، وتساعد على فهم التباعد بين الصورة التي قدمها النظام عن تماسكه وما تكشفه حسابات أركانه وحلفائه. كما أن الجمع بين الشهادات والتسلسل السياسي والعسكري يتيح قراءة سقوط النظام ضمن سياق أوسع من الحدث المباشر. وإذا كان التراكم الداخلي وتبدل مواقف الحلفاء يفسران جانبًا أساسيًا من الانهيار، فإن البعد النفسي يساعد على فهم أثره في المجتمع السوري. فالمفاجأة لم تكن في سقوط النظام وحده، بل في انهيار الاعتقاد بأن استمراره حقيقة ثابتة. وهنا يلتقي التفسير السياسي بالتجربة الاجتماعية؛ فقد انتهى حكم، وانتهت معه صورة راسخة عن حدود الممكن في الحياة العامة السورية.

وتبقى بعض التفاصيل التي ينقلها الكتاب، ولا سيما ما يتعلق بالاجتماعات المغلقة والمواقف المنسوبة إلى المسؤولين، بحاجة إلى مزيد من التحقق والمقارنة مع مصادر أخرى. وهذا أمر مألوف في الكتابات الصحافية القريبة زمنيًا من الأحداث، ولا يقلل من أهمية الشهادات التي تجمعها، بل يفتح الباب أمام استكمالها في أبحاث لاحقة.

الشرع والدولة

تكمن أهمية هذا المحور في أنه لا يتوقف عند ماضي الشرع، بل يتناول الأسئلة التي يفرضها موقعه الجديد. فالانتقال إلى الحكم يقتضي التعامل مع مجتمع تشكلت علاقاته خلال عقود من السلطوية والحرب والنزوح، ومع جماعات تحمل تجارب وذكريات مختلفة. كما يتطلب الانتقال من منطق التنظيم إلى منطق الدولة، حيث تصبح المؤسسات والقوانين وآليات المشاركة والمساءلة عناصر أساسية في تنظيم العلاقة بين السلطة والمجتمع.

من هذه الزوايا، تكتسب اللقاءات التي أجراها المؤلف مع الشرع ومقربين منه أهمية خاصة، لأنها تتيح التعرف إلى التصورات التي تحملها القيادة الجديدة عن نفسها وعن مستقبل البلاد. وتبقى قيمة هذه التصورات مرتبطة بما ستكشفه الممارسة السياسية والمؤسساتية لاحقًا، وهو ما يجعل الكتاب مدخلًا لفهم اتجاهات المرحلة أكثر منه حكمًا نهائيًا على نتائجها.

ولا تنفصل هذه المسألة عن طبيعة المصادر التي اعتمدها المؤلف. فالقرب من أصحاب القرار يتيح الوصول إلى تفاصيل وشهادات يصعب الحصول عليها بوسائل أخرى، فيما تسمح المقارنة مع أصوات مختلفة بتوسيع زاوية النظر إلى الحدث. ويستفيد القارئ من تنوع الشهادات التي يضمها الكتاب، بما فيها أصوات ضحايا النظام السابق ومعتقلين سابقين ومعارضين وشخصيات من محيط الحكم، إلى جانب حوارات مع مفكرين، من بينهم الوجه المعارض برهان غليون.

الجغرافيا والفرص

يضع الكاتب سوريا ضمن شبكة من العلاقات الإقليمية والدولية، تشمل تركيا وروسيا والولايات المتحدة والسعودية وقطر، ويربط مستقبلها بموقعها الجغرافي ومواردها وإمكانات إعادة بناء اقتصادها. فسوريا تقع على تقاطع طرق تربط العراق بالبحر المتوسط، وتملك أراضي زراعية وموارد من الفوسفات والغاز، ويمكن أن تؤدي دورًا في شبكات النقل والتجارة والطاقة.

ويعرض الربيع تصور القيادة الجديدة لسوريا بوصفها محورًا للربط التجاري بين الشرق والغرب، ويرى في إعادة بناء علاقاتها الخارجية فرصة لاستعادة دورها الإقليمي. وتكتسب هذه المقاربة أهميتها من أنها تنظر إلى الجغرافيا باعتبارها موردًا استراتيجيًا يمكن توظيفه في التنمية، وليس مجرد موقع يحدد المجال الحيوي للدولة. غير أن الإفادة من هذه الإمكانات ترتبط بقدرة سوريا على توفير الاستقرار، وإعادة بناء مؤسساتها، وتهيئة شروط التعافي الاقتصادي، إلى جانب إدارة علاقاتها الخارجية في بيئة إقليمية تتنافس فيها القوى على النفوذ والممرات والأسواق. ومن ثم، فإن الموقع والموارد يفتحان آفاقًا محتملة، فيما يبقى تحويلهما إلى مكاسب تنموية رهنًا بالسياسات والمؤسسات والظروف المحيطة.

ويخصص الكتاب مساحة للعلاقة مع لبنان، مستشرفًا إمكانية الانتقال من علاقة الهيمنة التي طبعت المرحلة السابقة إلى علاقة أكثر ندية، تقوم على المصالح المتبادلة. ويشمل ذلك مجالات التجارة والطاقة والربط الجغرافي، فضلًا عن إمكانات التعاون الاقتصادي والتكنولوجي. وتكتسب هذه الرؤية أهمية إضافية من خلال النظر إلى الترابط الاجتماعي والاقتصادي بين البلدين، وإلى ما يمكن أن يتيحه استقرار سوريا من فرص للبنان أيضًا. فالعلاقة لا تقتصر على تجاوز أنماط التدخل والهيمنة السابقة، بل تتيح إعادة تنظيم المصالح المشتركة على أساس احترام السيادة والتعاون المؤسسي. ويبقى تحقيق ذلك مرهونًا بقدرة البلدين على بناء سياسات مستقرة وآليات تعاون واضحة.

إقرأ على موقع 180  أين مصر من السؤال الإيراني.. الآن؟

شهادة للمرحلة

تتحدد قيمة كتاب منير الربيع في جمعه بين رواية سقوط النظام ومحاولة قراءة ما يليه. فهو يقدم مادة صحافية قريبة من الحدث، ويجمع شهادات من مواقع مختلفة، ويربط التحولات الداخلية بالسياقات الإقليمية والدولية. كما أن السرد الشخصي يمنح الكتاب خيطًا يصل تجربة المؤلف بتحولات المشهد السوري، إذ يبدأ بزيارة دمشق ضمن رحلة شبابية، وينتهي بلقائه الشرع في القصر الجمهوري. وتساعد هذه البنية على جعل الكتاب أكثر من مجرد سجل للوقائع، إذ تضع القارئ أمام مسار يمتد من صورة دمشق في تجربة المؤلف الأولى إلى دمشق التي استقبلت السلطة الجديدة. وبين المشهدين تتغير الدولة والمجتمع وموقع سوريا في الإقليم، وتتبدل الأسئلة التي يطرحها الحدث على الصحافي والباحث والقارئ.

ومن الطبيعي أن يتركز الكتاب، الصادر في بداية المرحلة الانتقالية، على الشهادات والمقابلات والتصورات المعلنة. فالكتاب بلا حواشٍ وإحالات، وبرغم ذلك، يُمكن القول إن جمع الروايات من شخصيات متعددة، ومحاولة وصلها بسياقها السياسي، يوفران أساسًا يمكن الانطلاق منه لفهم تلك المرحلة ومراجعة تفاصيلها مع توافر مصادر إضافية.

يقدم «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» شهادة صحافية على لحظة سورية مفصلية، تتقاطع فيها نهاية نظام قديم مع بدايات مشروع سياسي جديد. وتنبع أهميته من المعلومات والمقابلات التي يجمعها، ومن محاولته فهم الصلة بين ظروف الانهيار وتصورات القيادة التي خلفته. أما مستقبل هذه التصورات، فيبقى مفتوحًا على ما ستنجزه المرحلة الانتقالية في بناء المؤسسات، وضمان الحقوق، وإعادة وصل المجتمع بالدولة.

وفي المحصلة، يتيح الكتاب للقارئ الاقتراب من لحظة السقوط والأسئلة التي فتحتها، من دون أن يدّعي حسم مسار سوريا المقبلة. وهو ما يمنحه مكانة مفيدة ضمن الكتابات الصحافية المبكرة عن التحول السوري، ويجعله مادة تستحق القراءة والمقارنة والمتابعة مع تطور الأحداث.

(*) كتاب منير الربيع «خفايا سقوط الأسد ورؤية أحمد الشرع» (306 صفحات)، صادر عن دار رياض نجيب الريس، نيسان/أبريل، بيروت، 2026.

Print Friendly, PDF & Email
سعيد عيسى

كاتب وباحث لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الدفع بإيران نحو "القنبلة".. لمصلحة من؟