«أمّ القنابل»: حين تفتح الكيمياء أبواب الدمار في جزء من الثانية

كلما عاد الحديث عن احتمال استخدام القنبلة الأميركية المعروفة باسم «أمّ القنابل» (Mother of All Bombs)، عادت معه صورة سلاح يبدو اسمه أقرب إلى المبالغات السينمائية منه إلى المصطلحات العلمية. ومع أن التسمية توحي بأننا أمام قوة تدميرية لا تُقارن بغيرها، فإن الحقيقة العلمية أكثر تعقيداً. فما الذي يجعل قنبلة تقليدية قادرة على تحرير طاقة هائلة خلال جزء بالغ الصغر من الثانية؟ وكيف تتحوّل التفاعلات الكيميائية إلى موجة صدمة تستطيع تحطيم المنشآت وإلحاق أضرار جسيمة بالكائنات الحية؟ وهل يمكن أن تكون قنبلة كهذه بديلاً عن سلاح نووي، كما قد توحي بعض التصريحات السياسية؟

للإجابة عن هذه الأسئلة، علينا أن نغادر لغة الاستعراض العسكري وندخل عالم الكيمياء الفيزيائية، حيث تتقاطع الديناميكا الحرارية مع حركية التفاعلات الكيميائية، وتلتقي فيزياء الغازات القابلة للانضغاط بنظرية الموجات الصدمية (Shock Waves). ففي جوهر هذا السلاح، كما في كل انفجار كيميائي، تكمن حقيقة بسيطة: المادة تختزن طاقة كيميائية، وعندما تتحرر هذه الطاقة بسرعة استثنائية، قد يصبح الهواء نفسه وسيلة لنقل الدمار.

قنبلة تزن عشرة أطنان

تحمل القنبلة الاسم التقني (GBU-43/B)، وتُعرف بالاختصار (MOAB) المشتق من التسمية العسكرية (Massive Ordnance Air Blast)، أي «الانفجار الهوائي للذخيرة الضخمة». وقد استُخدم هذا الاختصار أيضاً لترويج لقبها الإعلامي (Mother of All Bombs)، أو «أمّ القنابل». طُوّرت في الولايات المتحدة سنة 2003، ويبلغ طولها نحو 9.2 أمتار، وقطر جسمها قرابة متر واحد، فيما تقارب كتلتها الإجمالية 9.8 أطنان. لكن ما يلفت الانتباه ليس حجمها وحده، بل إن نحو 8.5 أطنان من هذه الكتلة تتألف من مادة متفجرة عالية الطاقة.

وقد صُمّمت القنبلة لإنتاج انفجار واسع التأثير يعتمد أساساً على موجة الضغط في الهواء، بخلاف القنابل الخارقة للتحصينات التي تعتمد على اختراق طبقات الصخور أو الخرسانة قبل الانفجار. وتُوجَّه باستخدام منظومة تجمع الملاحة بالأقمار الاصطناعية مع الملاحة بالقصور الذاتي (Inertial Navigation System). وقد استُخدمت للمرة الأولى في عملية عسكرية يوم 13 نيسان/أبريل 2017، عندما ألقتها القوات الأميركية على مجمع أنفاق تابع لتنظيم «داعش خراسان» في ولاية ننغرهار الأفغانية.

غير أن فهم طبيعة هذا السلاح لا يبدأ من حجمه أو طريقة نقله، بل من تركيبته الكيميائية. فالقنبلة، على الرغم من مظهرها المعدني الضخم، ليست في حقيقتها سوى منظومة لتحرير الطاقة المختزنة في مواد كيميائية خلال زمن بالغ القصر.

الكيمياء داخل القنبلة: من الجزيئات إلى الانفجار

تحتوي القنبلة على مادة متفجرة تُعرف باسم H-6، وهي خليط عالي الطاقة من مركبات متفجرة، أبرزها الهكسوجين (Hexogen)، المعروف بالاختصار (RDX)، وثلاثي نيترو التولوين (Trinitrotoluene, TNT)، بالإضافة إلى مسحوق الألومنيوم وبعض المواد المساعدة على استقرار الخليط وتماسكه. ولكل مكوّن دوره في الخصائص الإجمالية للمادة، لكن المبدأ المشترك هو قدرة المنظومة الكيميائية على الانتقال بسرعة من حالة ابتدائية مرتفعة الطاقة إلى نواتج أكثر استقراراً، مع تحرير كمية كبيرة من الطاقة.

ولفهم هذه العملية، ينبغي تصحيح تصور شائع مفاده أن الانفجار يحدث لأن الروابط الكيميائية تتكسر وتطلق الطاقة. فكسر الروابط يحتاج في الأصل إلى طاقة، أما التحرر الصافي للطاقة فينتج من الفرق بين الطاقة اللازمة لتفكيك الروابط في المتفاعلات والطاقة المنطلقة عند تكوّن روابط جديدة في النواتج. وتتضمن نواتج التحول الكيميائي السريع غازات وجزيئات أكثر استقراراً، من بينها النيتروجين وبخار الماء وأكاسيد الكربون، وإن كانت النسب الفعلية والنواتج الوسيطة تتوقف على الظروف الكيميائية والفيزيائية للانفجار.

ومن منظور الديناميكا الحرارية (Thermodynamics)، ترتبط الطاقة الحرارية المنطلقة بالتغير في الطاقة الداخلية أو الإنثالبي، بحسب طبيعة العملية والظروف التي تجري فيها. لكن معرفة مقدار الطاقة المتاحة لا تكفي لفهم الانفجار، إذ لا بد من إدخال عامل الزمن. فاحتراق مادة خلال دقائق يختلف جذرياً عن تحرير طاقة مماثلة خلال أجزاء صغيرة من الثانية، لأن معدل تحرير الطاقة يحدد مدى سرعة ارتفاع الضغط وقدرة الوسط المحيط على الاستجابة. وهنا تبرز أهمية حركية التفاعلات الكيميائية (Chemical Kinetics)، التي تربط تطور التفاعل بالزمن وبالظروف المحلية من حرارة وضغط وتركيب كيميائي.

وتتميز المواد المتفجرة العالية الطاقة بأنها تحمل داخل بنيتها الكيميائية جزءاً كبيراً من المقومات اللازمة لتفاعلها السريع، ولذلك لا تحتاج جبهة (front) التفجير الأولية إلى انتظار وصول الأكسجين من الهواء المحيط كما يحدث في احتراق الخشب أو الوقود العادي. وينبغي هنا التمييز بين الاحتراق الذي تنتشر جبهته بسرعة دون صوتية بالنسبة إلى المادة غير المتفاعلة (Deflagration)، والتفجير (Detonation)، الذي تقترن فيه موجة صدمية تنتشر داخل المادة بتفاعل كيميائي شديد السرعة. ففي التفجير، يؤدي الانضغاط الشديد المصاحب لجبهة الصدمة إلى ارتفاع درجة الحرارة وتحفيز التفاعلات الكيميائية، بينما تساهم الطاقة المتحررة من هذه التفاعلات في استمرار انتشار الجبهة. وهكذا تصبح الموجة والتفاعل الكيميائي ظاهرتين مترابطتين لا يمكن فهم إحداهما بمعزل عن الأخرى.

أما الألومنيوم، فيضيف بُعداً آخر إلى الظاهرة. فهو معدن قادر على إطلاق طاقة حرارية كبيرة عند الأكسدة، ويمكن لتفاعلاته أن تسهم في تحرير الطاقة خلال مراحل لاحقة من تطور الانفجار، بما فيها اختلاط بعض النواتج الساخنة بالهواء المحيط. وهذا يعني أن الطاقة الكيميائية لا تتحرر كلها بالضرورة خلال المدة الزمنية نفسها أو عبر الآلية ذاتها. فالانفجار الأولي شديد السرعة، لكن بعض التفاعلات اللاحقة قد تستمر خلال تمدد نواتج التفجير، وتساهم في تطور المجال الحراري والضغطي المحيط. ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين الطاقة الكيميائية الكلية، ومعدل تحررها، والجزء الذي يتحول فعلياً إلى موجة ضغط تنتشر في الهواء.

ومن الضروري أيضاً التمييز بين قنبلة «أمّ القنابل» ومتفجرات الوقود والهواء (Fuel-Air Explosives, FAE)، التي يخلط البعض بينها وبين الأسلحة الحرارية الضغطية (Thermobaric Weapons). ففي الأنظمة التقليدية للوقود والهواء، تبدأ العملية عادةً بتشتيت مادة قابلة للاحتراق في الهواء على هيئة رذاذ أو سحابة من الجسيمات الدقيقة، ثم إشعال الخليط الناتج في مرحلة لاحقة، بحيث يُستخدم أكسجين الهواء في التفاعل الكيميائي. أما قنبلة (MOAB) فتعتمد على شحنة متفجرة صلبة من تركيب H-6، وتُحدث انفجارها الأساسي من دون الحاجة إلى نشر سحابة وقود خارجية قبل الإشعال.

ومع ذلك، لا تعني هذه الآلية أن جميع التفاعلات الكيميائية تنتهي لحظة مرور جبهة التفجير الأولى. فقد تستمر تفاعلات الأكسدة اللاحقة، ولا سيما المتعلقة بالألومنيوم، خلال تمدد نواتج الانفجار واختلاطها بالهواء. كما أن مصطلح «السلاح الحراري الضغطي» أوسع من مفهوم متفجرات الوقود والهواء التقليدية، وقد يشمل تراكيب متفجرة غنية بالوقود لا تعتمد بالضرورة على نشر سحابة منفصلة قبل إشعالها. ولذلك فإن وجود تأثيرات حرارية وضغطية معززة لا يكفي وحده لتصنيف (MOAB) بوصفها قنبلة وقود-هواء تقليدية. وهذا التمييز ليس مجرد مسألة اصطلاحية، بل يعكس اختلافاً أساسياً في آليات تحرير الطاقة الكيميائية وتطور موجة الصدمة.

حين يصبح الهواء سلاحاً: فيزياء موجة الصدمة

لنتخيل أن كمية هائلة من الطاقة الكيميائية تحررت في منطقة صغيرة خلال زمن قصير للغاية. ترتفع حرارة نواتج الانفجار وضغوطها إلى قيم كبيرة، وتتمدد الغازات الساخنة بعنف، ضاغطة الهواء المحيط بها. لكن الهواء لا يستطيع الاستجابة تدريجياً لهذا الاضطراب الشديد، فتتشكل فيه موجة صدمة (Shock Wave) تختلف جذرياً عن الموجات الصوتية التي نعرفها في حياتنا اليومية.

في الموجة الصوتية العادية، تكون تغيرات الضغط والكثافة صغيرة نسبياً، ويمكن وصف انتشار الصوت عادة بمعادلات خطية تقريبية. أما في موجة الصدمة، فإن الضغط والكثافة ودرجة الحرارة تقفز بصورة حادة عبر جبهة رقيقة تتحرك بسرعة تفوق سرعة الصوت في الوسط غير المضطرب أمامها. وهذه القفزة ليست مجرد تضخيم للصوت، بل ظاهرة لاخطية تحكمها قوانين حفظ الكتلة والزخم والطاقة، والعلاقات المعروفة في ديناميكا الغازات باسم علاقات رانكين–هوغونيو (Rankine–Hugoniot Relations).

تدفع جبهة الصدمة الهواء أمامها، وتترك خلفها منطقة من الغاز المضغوط والمتحرك. ومع مرور الموجة عند نقطة معينة، يرتفع الضغط فجأة فوق الضغط الجوي، ثم يتناقص تدريجياً، وقد يهبط مؤقتاً إلى أقل من الضغط المحيط قبل العودة إلى حالة الاتزان. ويُعرف هذا التسلسل بنبضة ضغط الانفجار (Blast Pressure Pulse)، وهو ما يجعل آثار الانفجار أكثر تعقيداً من مجرد دفعة قوية واحدة.

ومن المفاهيم الأساسية هنا التمييز بين الضغط الأعظمي ودفعة الضغط (Impulse). فالضغط الأعظمي يعبر عن شدة الزيادة اللحظية في الضغط، بينما تعبّر دفعة الضغط عن التأثير المتراكم لهذه الزيادة خلال مدة استمرارها. وقد تتعرض بنيتان مختلفتان للضغط الأعظمي نفسه، لكنهما لا تستجيبان بالطريقة ذاتها إذا اختلف زمن تأثيره. ولهذا تتوقف الأضرار على شدة الموجة ومدتها، وعلى خصائص المادة التي تصطدم بها، وليس على الطاقة الإجمالية للانفجار وحدها.

ولعلّ المثال الأقرب إلى ذاكرتنا على هذه الظاهرة هو الانفجار الكارثي الذي وقع في مرفأ بيروت في الرابع من آب/أغسطس 2020. فقد شاهد اللبنانيون، ومعهم العالم، كرة نارية هائلة أعقبها انتشار غيمة بيضاء شبه كروية بسرعة مذهلة، قبل أن تصل موجة الضغط إلى مواقع التصوير البعيدة، فتحطم الزجاج وتقتلع الأبواب وتتسبب في أضرار جسيمة امتدت إلى مناطق بعيدة من مركز الانفجار. ولم تكن تلك الغيمة البيضاء السريعة الانتشار مجرد سحابة من الدخان، كما ظنّ بعض المشاهدين، بل كانت مظهراً بصرياً لظاهرة فيزيائية مرتبطة بانتشار موجة الصدمة في الهواء الرطب. فعندما تعبر جبهة الصدمة منطقة معينة، يرتفع الضغط فجأة، ثم تتبعها مرحلة من التخلخل ينخفض خلالها الضغط ودرجة الحرارة. وإذا كانت رطوبة الهواء كافية، يمكن أن يتكاثف بخار الماء في صورة قطيرات مجهرية تشكل غيمة بيضاء تُعرف باسم غيمة ويلسون (Wilson Cloud). ومن المهم التمييز بين الغيمة المرئية وجبهة الصدمة نفسها، لأن الغيمة تتشكل بفعل التبريد المصاحب لمرحلة التخلخل التي تعقب مرور الجبهة، ولذلك لا تتطابق حدودها مع موضع موجة الصدمة في اللحظة ذاتها.

والمثير للاهتمام أن انفجار بيروت، الذي ارتبط بكميات كبيرة من نترات الأمونيوم (Ammonium Nitrate) المخزنة في المرفأ، أطلق طاقة انفجارية مكافئة تفوق بكثير طاقة قنبلة «أمّ القنابل». فقد حلّل فريق من الباحثين تسجيلات مصورة للانفجار، واستخرج أزمنة وصول موجة الضغط إلى مواقع مختلفة من المدينة، ثم قارن النتائج بنماذج انتشار موجات الانفجار، وقدّر الطاقة المكافئة بنحو 500 طن من مادة (TNT)، مع حد أعلى معقول بلغ 1120 طناً. وقدّمت دراسة مستقلة تقديراً مركزياً يقارب 637 طناً، بينما توصلت دراسات أخرى إلى قيم مختلفة تبعاً لطريقة القياس والتحليل. وبالمقارنة مع الطاقة الانفجارية المقدّرة لقنبلة (MOAB)، التي تبلغ نحو 11 طناً من مكافئ (TNT)، يتضح أن تقديرَي 500 و637 طناً يعادلان نحو 45 و58 ضعف طاقة القنبلة الأميركية، على التوالي.

إقرأ على موقع 180  "بابا المفاجآت" ولبنان: هل يستقيل البطريرك الراعي؟

لكن هذه المقارنة تحتاج إلى توضيح علمي مهم. فالأرقام المتعلقة بانفجار بيروت ليست قياساً مباشراً لمجموع الطاقة الكيميائية المختزنة في كل المواد التي كانت موجودة في المرفأ، بل تقديرات للطاقة الانفجارية المكافئة التي استُنتجت من سلوك موجة الضغط وبيانات الرصد. كذلك فإن اختلاف نوع المادة المتفجرة، وطريقة حدوث الانفجار، وموضعه، وتوزيع المنشآت المحيطة به، يجعل المقارنة المباشرة بين الأضرار الفعلية مضللة. ومع ذلك، فإن الفارق الكبير في الطاقة المكافئة يضع حجم كارثة بيروت في سياق فيزيائي واضح، ويُظهر أن بعض الانفجارات الصناعية والكيميائية قد تتجاوز بقوتها انفجارات أسلحة تقليدية ضخمة صُمّمت أصلاً لأغراض عسكرية.

وهكذا تحوّلت شوارع بيروت ومبانيها، في تلك اللحظات المأساوية، إلى شاهد على قوانين فيزيائية ندرسها عادة في المعادلات والمختبرات. فقد أظهرت الكارثة أن موجة الصدمة ليست مجرد صوت مرتفع أو ريح عاتية، وإنما اضطراب شديد في الضغط والكثافة ودرجة الحرارة، ينتقل عبر الهواء حاملاً طاقة ميكانيكية قادرة على تحطيم المنشآت وإصابة البشر. كما أظهرت أن الآثار المدمرة لانفجار كيميائي لا تتحدد فقط بطبيعة المادة المتفجرة، بل أيضاً بمقدار الطاقة المتحررة ومعدل تحررها والكيفية التي تنتقل بها إلى الوسط المحيط.

وتزداد الظاهرة تعقيداً عندما تصطدم موجة الصدمة بجدار أو بسطح صخري. فقد تنعكس الموجة، وتتراكب معها موجات أخرى، وتختلف الضغوط المحلية بصورة كبيرة عما يمكن توقعه في الهواء المفتوح. وفي الأنفاق والتجاويف الصخرية تتدخل الانعكاسات والحيود والهندسة الداخلية والمخارج في تحديد كيفية انتشار الضغط. لكن هذا لا يعني أن كل موجة انفجارية تستطيع الوصول إلى أي عمق تحت الأرض؛ إذ يعتمد انتقالها وتأثيرها على مسارات الاتصال بالهواء الخارجي، وطبيعة العوائق، وخصائص الوسط الصخري.

ما مقدار الطاقة التي نتحدث عنها؟

تُقدّر القدرة الانفجارية لقنبلة (MOAB) بما يعادل نحو 11 طناً من مادة (TNT). ولأن الفيزيائيين يستخدمون مكافئ (TNT) وحدةً مرجعية للمقارنة، يمكن التعبير عن هذه الطاقة بما يقارب 46 مليار جول. وهذا رقم هائل بالمقاييس اليومية، لكنه لا يضع القنبلة على قدم المساواة مع السلاح النووي.

فقنبلة هيروشيما الذرية، على سبيل المثال، أطلقت طاقة تُقدّر بنحو 15 ألف طن من مكافئ (TNT)، أي أكثر من ألف وثلاثمئة ضعف الطاقة المنسوبة إلى (MOAB). ولا يكمن الفرق في الحجم وحده، وإنما أيضاً في مصدر الطاقة. ففي القنبلة التقليدية تتحرر الطاقة من إعادة ترتيب الإلكترونات والروابط الكيميائية بين الذرات، أما في القنبلة النووية فتنتج الطاقة من تغيرات تطال النوى الذرية نفسها، حيث تصبح فروق طاقات الربط النووية مصدراً للتحرر الهائل للطاقة.

وهذه المقارنة تكشف إحدى الحقائق المهمة في الفيزياء: الطاقة الكيميائية مقيدة بمقاييس التفاعلات الإلكترونية، في حين أن الطاقة النووية ترتبط بمقاييس مختلفة جذرياً. لذلك لا يمكن ببساطة الاستمرار في زيادة كمية المتفجرات التقليدية للوصول إلى الكثافة الطاقية التي يوفرها الوقود النووي. وقد يبلغ انفجار تقليدي حجماً مروعاً، لكنه يظل محكوماً بالحدود الفيزيائية للطاقة الكيميائية.

كذلك لا توجد علاقة خطية بسيطة بين طاقة الانفجار ومدى الأضرار. ففي ظروف تشابه محددة، تتغير المقاييس المكانية المميزة لموجة الانفجار تقريباً مع الجذر التكعيبي للطاقة، لا مع الطاقة نفسها. ولذلك لا تؤدي مضاعفة الطاقة إلى مضاعفة جميع مسافات التأثير. كما أن التضاريس والأبنية والانعكاسات وطبيعة الأهداف تجعل الحديث عن «نصف قطر تدمير ثابت» تبسيطاً مضللاً. ولا يجوز التعامل مع الأرقام المتداولة عن مساحة الدمار كما لو كانت حدوداً هندسية دقيقة تفصل بين منطقة آمنة وأخرى مدمرة.

لماذا تكون موجة الضغط قاتلة حتى من دون شظايا؟

عندما نتخيل القنبلة، غالباً ما نفكر في الشظايا المعدنية المتطايرة والنيران التي تلتهم ما حولها. غير أن موجة الضغط نفسها قد تكون سبباً رئيسياً في الإصابات. فجسم الإنسان يحتوي على أنسجة ومواد تختلف في كثافتها وقابليتها للانضغاط، وتبرز الرئتان والأذنان والأعضاء المحتوية على الغاز بوصفها أكثر حساسية لبعض تأثيرات الانفجارات.

عند عبور موجة ضغط شديدة، يمكن أن تتولد فروق إجهاد كبيرة بين الأنسجة، وقد تتعرض الرئتان لإصابات تؤثر في الحويصلات الهوائية والأوعية الدموية، كما قد يحدث تمزق في طبلة الأذن أو اضطراب في السمع والاتزان. ويمكن كذلك أن تتسبب موجات الانفجار في إصابات دماغية معقدة، حتى عندما لا تكون هناك إصابة خارجية واضحة. ولا تقتصر الأخطار على موجة الضغط الأولية، إذ يمكن للهواء المتحرك والحطام المتطاير وانهيار البنى المحيطة والحرائق الثانوية أن يضيفوا أنماطاً أخرى من الإصابات.

وهنا ينبغي الحذر من بعض الأوصاف الإعلامية التي تختزل تأثير القنبلة في أنها «تمتص الأكسجين» أو «تفرغ الرئتين من الهواء». فهذه التعبيرات لا تقدم تفسيراً علمياً صحيحاً لآليات إصابات الانفجار. الظاهرة الأساسية أشد تعقيداً، وترتبط بالتغيرات السريعة في الضغط، وانتقال الموجات الميكانيكية عبر الأنسجة، وحركة الجسم والحطام، والتأثيرات الحرارية والبيئية المصاحبة.

هل تستطيع «أمّ القنابل» تدمير المنشآت النووية تحت الجبال؟

يكتسب هذا السؤال أهمية خاصة كلما طُرح احتمال استخدام أسلحة تقليدية ضخمة ضد منشآت محصّنة تحت الأرض. والجواب العلمي هو أن قوة الانفجار وحدها لا تكفي للحكم على القدرة على تدمير منشأة عميقة تحت الأرض. فثمة فرق جوهري بين سلاح صُمّم لإنتاج موجة ضغط هائلة في الهواء وسلاح صُمّم لاختراق الصخور والخرسانة قبل إطلاق طاقته.

في الحالة الأولى، تتوزع طاقة الانفجار بين تمدد الغازات الساخنة، وتحريك الهواء، وتشكيل موجة الصدمة، وتسخين المحيط، والتأثيرات الميكانيكية الأخرى. أما انتقال جزء من هذه الطاقة إلى طبقات صخرية عميقة فهو مسألة مختلفة تحكمها الخواص الميكانيكية للصخور، والواجهات بين المواد، وتبدد الموجات داخل الأوساط الصلبة. فالهواء والصخر لا يستجيبان لموجات الضغط بالطريقة نفسها، ولا تنتقل الطاقة بينهما من دون انعكاس أو فقد أو إعادة توزيع.

ولهذا يمكن أن تكون قنبلة ذات انفجار هوائي واسع التأثير شديدة التدمير للأهداف المكشوفة والمنشآت القريبة من السطح، من دون أن تكون بالضرورة فعالة ضد موقع يقع تحت طبقات سميكة من الصخور. ومن الخطأ الاستنتاج أن القنبلة الأقوى انفجاراً في الهواء هي تلقائياً الأفضل في تدمير كل هدف محصّن. إذ إن النتيجة تتوقف على طبيعة الهدف وطريقة اقتران الطاقة به، لا على رقم مكافئ TNT وحده.

ما الذي يبقى بعد أن تختفي كرة النار؟

لا تنتهي كيمياء الانفجار بانتهاء موجة الصدمة. فالتفاعلات الشديدة الحرارة تخلّف غازات ونواتج احتراق وجسيمات دقيقة، ويمكن أن تساهم في انبعاث أكاسيد الكربون والنيتروجين ومركبات وجسيمات أخرى بحسب تركيب المادة وظروف الانفجار. وقد يؤدي تحطم الصخور والخرسانة والتربة إلى انتشار كميات كبيرة من الغبار، بينما قد تتسبب الحرائق الثانوية في إطلاق ملوثات إضافية تتوقف طبيعتها على المواد الموجودة في الموقع.

وليست هذه القنبلة سلاحاً نووياً، ولذلك لا ينتج عن تفجيرها الكيميائي في ذاته الإشعاع النووي أو نواتج الانشطار المشعة التي ترتبط بالأسلحة النووية. ومع ذلك، فإن غياب التلوث الإشعاعي الناتج عن السلاح نفسه لا يعني غياب الأضرار البيئية، كما أن استهداف منشآت تحتوي على مواد خطرة قد يخلق مخاطر إضافية مستقلة عن طبيعة المتفجر المستخدم.

وهنا تتجاوز المسألة حدود الديناميكا الحرارية إلى أخلاقيات استخدام العلم. فالدقة في توجيه القنبلة لا تعني بالضرورة الدقة في حصر آثار انفجارها، كما أن القدرة على حساب الطاقة الكلية لا تكفي وحدها لتحديد جميع النتائج الإنسانية. ولهذا تظل طبيعة الهدف ومحيطه واحتمالات إصابة المدنيين عناصر أساسية في تقييم أي استخدام للسلاح، مهما بلغت دقة منظومة التوجيه.

العلم الذي يفسّر الانفجار لا يبرّر استخدامه

تكشف «أمّ القنابل» عن مفارقة لافتة في تاريخ العلم. فالمبادئ التي تفسر انفجارها هي نفسها التي نستخدمها لفهم احتراق الوقود في المحركات، وانتشار الموجات الصوتية، وحركة الغازات في الفوهات، وموجات الصدمة في الطيران فائق السرعة، وحتى الانفجارات النجمية في نطاق فيزيائي مختلف. إنها قوانين الطبيعة ذاتها، لكن التطبيقات والغايات تتباين بصورة جذرية.

ومن الناحية العلمية، لا تحمل القنبلة سراً خارقاً للطبيعة. إنها تجسيد متطرف لقدرة الكيمياء على تحرير الطاقة، ولقدرة ديناميكا الموائع على نقل هذه الطاقة من مكان إلى آخر في صورة اضطراب ميكانيكي عنيف. وما يجعلها مرعبة ليس أنها تتجاوز قوانين الفيزياء، بل أنها توظف هذه القوانين بكفاءة تدميرية استثنائية.

وقد يكون الدرس الأهم أن اسم «أمّ القنابل» ينتمي إلى لغة القوة والاستعراض، لا إلى تصنيف علمي دقيق. فالفيزياء لا تعرف «أمّاً» للقنابل؛ إنها تعرف طاقةً، وضغطاً، وزمناً، وموجات صدمية، ومواد تتفاعل بطرق قابلة للدراسة والقياس. أما تحويل هذه المعرفة إلى أدوات قادرة على محو الحياة والمنشآت في لحظات، فهو قرار بشري لا تفرضه أي معادلة كيميائية أو فيزيائية.

ولعل أكثر ما ينبغي أن يثير التأمل ليس مقدار الطاقة التي تستطيع البشرية إطلاقها في جزء صغير من الثانية، بل المسافة الهائلة التي لا تزال تفصل قدرتها على التحكم في المادة عن قدرتها على التحكم في نتائج استخدامها.

Print Friendly, PDF & Email
مازن الغول

كاتب وباحث لبناني

Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  "فورين أفيرز": أردوغان.. قدَمٌ في كل معسكر دولي!