هل سقطت الطائرة الأوكرانية بهجوم إلكتروني؟

برغم أن قيادة الحرس الثوري الإيراني، أعلنت أن سبب سقوط الطائرة الأوكرانية في الأجواء الإيرانية مطلع هذه السنة، يعود لحدوث خطأ إنساني، الا أنها بادرت الى فتح تحقيق بشأن جميع الاحتمالات الممكنة، ومنها احتمال حدوث حرب الكترونية ضد إيران، لذا فإن ملف سقوط الطائرة الأوكرانية سيبقى مفتوحاً، في إنتظار صدور النتائج الكاملة للتحقيق.

ما تزال حادثة سقوط الطائرة الاوكرانية في الثامن من كانون الثاني/يناير 2020 ومقتل طاقمها وجميع المسافرين على متنها والبالغ عددهم 176 شخصا، لغزاً، بالنسبة إلى بعض الخبراء، برغم إعتراف السلطات الإيرانية بوقوع “خطأ لا يغتفر” على حد تعبير الرئيس حسن روحاني.

ثمة ملاحظة أولى أنه تمت مشاهدة صاروخ “كروز” بدلا من الطائرة نفسها على شاشات الرادارات الالكترونية وأجهزة الكومبيوتر المرتبطة بالمحطات الالكترونية المركزية للمضادات الجوية والصاروخية في إيران، وهنا يُطرح السؤال الآتي: ماذا يعني أن تتم مشاهدة طائرة مدنية بشكل صاروخ كروز على شاشة الرادار الالكتروني للمضادات الدفاعية الجوية الإيرانية؟

يأتي طرح هذا السؤال الذي يمكن أن يكون صادماً للكثيرين، في الوقت الذي تشير فيه المعلومات إلى أن هذا الخطأ الالكتروني لم يحدث في محطات الرصد والدفاع الالكتروني في طهران فحسب، بل تكرر كذلك في المحطات المتوزعة في جنوب إيران وغربها.

إذا كان هذا الخطأ الالكتروني، لم يقتصر على محطة الرصد الراداري في طهران والتي استهدفت الطائرة الأوكرانية بصاروخين، فإنه يأخذنا إلى إحتمال تعرض الحرس الثوري لهجوم إلكتروني، ويصبح السؤال لماذا تم التغافل عن هذا الإحتمال في شرح السبب الرئيس من وراء سقوط الطائرة؟

من المعروف أن النظام الالكتروني لجميع طائرات العالم، وبالأخص طائرة البوينغ 737، يمتلك جهازاً يرسل إشارات باستمرار الى رادارات العالم سواء أكانت عسكرية ام مدنية ويتم فيها توضيح كل الأمور المرتبطة بالطائرة بدقة كبيرة حتى لا يحدث أي خطأ محتمل أو ان تستهدف بالخطأ. هنا يطرح سؤال جديد: هل أن النظام الالكتروني والآلي للطائرة الأوكرانية قد توقف عن العمل بسبب حدوث خلل فني أو تقني أو أن هجوماً الكترونياً كان السبب الرئيس في ذلك؟

هنا، من المفيد التطرق إلى نموذج مماثل لهذه الحادثة وقع في إحدى ساحات الحرب والاشتباك الحقيقية. فقد أعلن الجيش الروسي في 17 أيلول/سبتمبر 2018 عن سقوط إحدى طائراته الحديثة في الأجواء السورية، وحمّل الجيش الاسرائيلي مسؤولية إسقاطها.

طبقاً للبيان الرسمي الصادر عن وزارة الدفاع الروسية في التاريخ المذكور، فإن اتصال المحطات الالكترونية الأرضية للجيش الروسي في سوريا والقواعد والمحطات المستقرة في روسيا، قد قطع مع الطائرة الروسية “ايل 20” التي كانت في طريق عودتها إلى قاعدة حميميم الجوية في جنوب شرق مدينة اللاذقية، وكانت هذه الطائرة تحلق على إرتفاع 35 كيلومتراً عن ساحل البحر الأبيض المتوسط. كما أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن 4 طائرات اسرائيلية مقاتلة من نوع “إف 16” هاجمت في الوقت ذاته عدة منشآت عسكرية (سورية) في اللاذقية.

وطبقاً للمعلومات التي تمتلكها وزارة الدفاع الروسية، فإن المقاتلات الاسرائيلية شنت هجوماً الكترونياً على الطائرة الروسية وأخفتها عن شاشات الرادارات، بعد ذلك، وضعت الطائرات الاسرائيلية نفس هذه الطائرة الروسية على شاشة الرادارات الدفاعية السورية باستخدام أسلوب الحروب الالكترونية، أي وضعتها في مرمى المضادات الجوية السورية وكانت نتيجة هذه الحرب الالكترونية إسقاط الطائرة الروسية “ايل 20” بصواريخ منطلقة من منظومة “إس 200” للجيش السوري وهي روسية الصنع وبالتالي مقتل 15 من العسكريين الروس الذين كانوا على متن تلك الطائرة.

تدل المعطيات المرتبطة بهذه الحادثة أن الوحدة 8200 التابعة للجيش الاسرائيلي (متخصصة بالحروب السيبرية)، قامت باختراق الرموز السرية الخاصة بالطائرة الروسية ومن ثم إخفاءها عن شاشة الرادار ثم قامت بعملية الكترونية أخرى جعلت محطات الدفاع الجوي للجيش السوري تخطئ في تحديد هذه الطائرة، وتعتبرها هدفاً معادياً، ما أدى الى استهداف هذه الطائرة الروسية آلياً بصواريخ “إس 200” الروسية التي انطلقت من إحدى المنصات الحاملة لهذه الصواريخ قرب اللاذقية.

تدلّ هذه الحادثة التي استهدفت فيها طائرة الاستطلاع الروسية على أن أي إجراء مماثل لهذه الحادثة يمكن تنفيذه بشكل أسهل ضد أي طائرة مدنية لنقل المسافرين، لأنه عندما يتمكن المخترقون (الهاكرز) من اختراق جهاز تحديد المواقع (GPS) لأية طائرة وأدى ذلك الى إرسال أخبار أو معلومات خاطئة الى الرادارات الأرضية، قد يسفر ذلك عن وضعها في مدى ومرمى الصواريخ المضادة للجو.. وتحدث المأساة.

لو قبلنا فرضية أن الأميركيين أو الوحدة 8200 التابعة للجيش الاسرائيلي يمكن أن يكونوا قد شنوا هجوماً الكترونياً ضد إيران في تمام الساعة الواحدة وعشرين دقيقة (بتوقيت طهران) من فجر الأربعاء في الثامن من كانون الثاني/يناير 2020، لا بدّ من الإستنتاج أن الأميركيين والإسرائيليين قاموا بتغيير المعلومات الموجودة على جهاز تحديد المواقع (GPS) في الطائرة الأوكرانية، وفي الوقت نفسه، شنوا هجوماً الكترونياً ضد قواعد انطلاق المضادات الجوية والصواريخ، ما أسفر عن حدوث هذه المأساة الكبيرة.

إن احتمال حدوث هجوم الكتروني ضد إيران، بعد مرور عدة ساعات على الهجوم الصاروخي الإيراني ضد قاعدة عين الأسد في غرب العراق، يصبح وارداً أكثر عندما نعرف أن إيران استخدمت نفس أسلوب الحرب الالكترونية ضد الولايات المتحدة في العراق، قبل وأثناء وبعد ذلك الهجوم الصاروخي ضد قاعدة عين الأسد، وهذه النقطة يدركها الأميركيون جيداَ. لذا، فإن احتمال ضلوع واشنطن وتل أبيب يزداد قوة، بدليل امتناع الأميركيين عن الرد على القصف الصاروخي الإيراني لقاعدة عين الأسد، وذلك بعد أن تأكدوا من سقوط الطائرة الأوكرانية المدنية في ضواحي طهران، وقد كان لافتاً للإنتباه أن الأميركيين حسموا النتيجة قبل أن يُقر الإيرانيون بوقوع خطأ كبير..

وهنا يطرح هذا السؤال: لو سلمنا بصحة فرضية الحرب الالكترونية ضد إيران، هل أن كل تلك الإجراءات قد اتخذت ونفذت من قبل الأميركيين والإسرائيليين حتى تستهدف صواريخ المضادات الجوية الإيرانية بالخطأ تلك الطائرة الأوكرانية بالذات لا غيرها؟

الجواب هو النفي القاطع 100%، حيث لا بد من التأكيد أن فرضية الحرب الالكترونية في الواقع كانت تشمل جميع الطائرات المدنية المماثلة لحالة الطائرة الأوكرانية، وطبقاً لتلك القاعدة كان لا بد أن تسقط أعداد كبيرة من الطائرات المدنية في تلك الفترة الزمنية وحينها تحدث مأساة إنسانية عالمية لا نظير لها عبر التاريخ في الأجواء الإيرانية، الا أنه من محاسن الصدف انه لم تكن توجد حالات مماثلة لحالة الطائرة الأوكرانية في تلك الفترة الزمنية في الأجواء الإيرانية بالأخص في جنوب وغرب البلاد، والا فإن أعداداً من الطائرات المدنية كانت ستواجه نفس حالة الطائرة الأوكرانية، لو كانت تحلق وقتذاك في تلك الأجواء، أي بين الساعة الخامسة والنصف والسادسة والنصف (بتوقيت طهران) من فجر الأربعاء الثامن من كانون الثاني/يناير 2020.

لو افترضنا صحة رواية الحرب الالكترونية ضد إيران في تلك الحادثة المؤلمة سنشير الى حادثة أخرى جرت في عرض البحر. فقد أعلنت العلاقات العامة في الحرس الثوري الإسلامي في بيان رسمي صدر يوم الجمعة في 19 تموز/يوليو 2019 أن ناقلة نفط بريطانية باسم “Stena Impero” تم توقیفها أثناء عبورها مضيق هرمز بسبب عدم التزامها بالقوانين والمقررات البحرية الدولية بعد صدور أمر التوقيف من قبل منظمة الموانئ والملاحة البحرية في محافظة هرمزكان وقامت بعملية التوقيف وحدة من القوات البحرية الخاصة التابعة لقيادة المنطقة الأولى للقوات البحرية في الحرس الثوري.

قيل، وقتذاك، إن هذه الناقلة قد ضلّت طريقها خلال عبورها مضيق هرمز واتخذت سبيلاً خاطئاَ، لذا تم توقيفها من قبل قوات الحرس الثوري لمخالفتها قوانين النقل البحري واقتيدت الى الساحل الإيراني. ولكن طرحت في الوقت نفسه فرضية خاصة لم يتم تأييدها، وهي أن إيران تمكنت من خلال اختراق جهاز تحديد المواقع (GPS) لناقلة النفط البريطانية من خداع قبطانها وجعلها تسير في طريق بحري خاطئ حتى تحصل على الأدلة الحقوقية الكافية واللازمة لهذا التوقيف.

لو وسعنا مدى هذه الفرضية، فهذا يعني أنه يمكن شن هجمات الكترونية ضد السفن التي تسير في عرض البحار وبالتالي الإخلال بنظام السير وجهاز تحديد المواقع في السفن، ما يؤدي الى حوادث اصطدام ووقوع مآسٍ كثيرة.

بعد دراسة ومتابعة هذين النموذجين من الحوادث التي وقعت، هل يمكن الادعاء أن الهجوم الالكتروني هو الذي أدى الى سقوط الطائرة الأوكرانية؟ وإذا صحت مثل هذه الفرضية، هل يمكن في مثل هذه الحالة أن نحمل أي تقصير أدى الى هذه الحادثة لمحطات الرادار الالكترونية أو أنها لم تقم الا بتنفيذ أوامر صحيحة وصلت اليها بعد التلاعب بها من قبل عناصر الحرب الالكترونية الأميركية أو الوحدة 8200 التابعة للجيش الاسرائيلي؟ وإذا تمكن الإيرانيون من توثيق هذه الفرضية ماذا يمكن أن يبنى على ذلك؟

***

(*) هذا المقال هو الأخير من ضمن سلسلة مقالات للكاتب بعنوان إيران والحروب الإلكترونية، نشرها موقع 180 على التوالي:

(1) الجيش الإلكتروني الإيراني: جهوزية في الدفاع والهجوم

https://180post.com/archives/9776

(2) ايران الإلكترونية تكتفي ذاتياً.. و”الحرب” تطال كل منشآتها

https://180post.com/archives/9818

(3) كورونا من منظار الإيرانيين: ثلاث إحتمالات

https://180post.com/archives/9940

طهران ـ علي منتظري

كاتب وصحافي ايراني مقيم في طهران

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
download udemy paid course for free