عبثية المسرح اللبناني بين “مُفتٍ مدني” و”رئيس إمام”

لو أن حنا غريب، الأمين العام للحزب الشيوعي اللبناني، ينادي بدولة مدنية علمانية وبحكم وطني ديموقراطي، فهذا ينسجم وسياق تاريخي للمدرسة التي ينتمي إليها بأدبياتها المعروفة منذ عقود طويلة من الزمن، ولو أن أحد رموز اليمين التقليدي نادى بالفيدرالية، فهذا هو المألوف في كلاسيكياته، أما أن ينادي رجل دين بهذا أو ذاك، يصبح الأمر مدعاة للسجال.

لبنان بلد ليس فيه ثنائيات من نوع يمين ويسار. ثنائيات قادرة على انتاج جديد، فكري وسياسي. لبنان فيه متناقضات متنافرة حد الانفجار. وهذه المتناقضات تغذي بعضها البعض. فيه أقصى الإسلام سلفيةً. وفيه أشد المسيحيين تقوقعاً. هذا لا ينفي وجود تنويعات على هذا الإنشطار. يتأتى هذا من طبيعة لبنان الذي كان دائماً يتراوح بين مسرح لإداء الأدوار أو ساحة لمناكفات إقليمية أو دولية لا تهبط من علٍ إنما لها مريدوها: من الولايات المتحدة حتى إيران مروراً بأوروبا والاتحاد السوفياتي سابقاً. حتى “الشقيق العربي”، أفاض علينا بصراعاته وحروبه على لبنان.. وفيه (بين شقيق وآخر). هكذا كان دوماً. كل التجارب المريرة لم تغير من سياقاته شيئاً. بلدٌ تحكمه المذهبيات السياسية بلا هوادة. هي الخصم والحكم. وهي المُقررة في الوجهات التي تقررها فئة غالبة. والأخيرة لها مسميات عديدة شيعية مارونية سنية درزية ومؤخراً أرثوذكسية.

وطالما أن البلد مسرح، فالعرض مستمر. لكن العرض العبثي الأكثر مدعاةً للوقوف عنده كان في إطلالة مفتٍ يطالب بدولة مدنية. هذا المفتي لم تُعرف له سابقة منبرية أو خطابية غير طائفية أو حزبية. حتى أن عمامة الإفتاء آلت إليه إرثاً مُبرماً لا نقاش فيه. عندما ترقى الإبن إلى بعض منصب والده، فوجىء أهل ملته بخلف يحل مكان سلف، بلا أدنى مساءلة أو تدقيق.

ليس هذا المفتي تعبيراً عن حالة سياسية بعينها. ولا هو ظاهرة دينية مُحدثة أو مُجددة أو إصلاحية. انغماسه في المناسبات، لا سيما الأتراح، تجعل النظرة إليه مُربكة. لا هو ثوري ولا هو ظاهرة مدنية. لم تنشر له رسالة فقهية تجعل منه حالة فكرية ولاعلاقة له بالعلمنة والعلمانيين إذ ما سجل له أو عليه إطلالات تحفيزية على شاكلة تلك التي كان يخوضها المرجع الراحل السيد محمد حسين فضل الله، خصوصاً مع الملحدين.

إرباك النظرة إليه هو أن لبنان ضم رجال دين شكلوا علامات فارقة ومحطات مفصلية. وريث نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى لم ينافس السيد فضل الله على فتاويه وإجتهاداته. لم يقتبس من رمزية السيد موسى الصدر، إلا عبارات قليلة. لم يقم حارساً على تنفيذ “وصايا” الامام الشيخ محمد مهدي شمس الدين.

الأشهر في سيرة الوريث إلى تنكب “الإفتاء الجعفري الممتاز” انه تعلم في إحدى الحوزات اللبنانية ثم انتقل الى إيران ردحاً من الزمن. الأكثر استعصاءً على الفهم عبارة “الممتاز”. هذه المفردة بالتحديد تحيل هذه الجماعة الدينية الإسلامية على تراتبية كهنوتية يُفترض أنها غير موجودة عند عموم المسلمين. القضية عند المسلمين من طبيعة عشائرية أو قبلية. أما موضوع الأعلمية كأساس ليصبح رجل الدين الشيعي مرجعاً فهو أمرٌ مشروط بالرسالة الفقهية. ووجوب تقليده ينهض على ميتافيزيقيا ظهور الإمام الثاني عشر، وعلى شريطة أن يكون “صائناً لنفسه حافظاً لدينه مخالفاً على هواه، مطيعاً لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه”. وسن المفتي الجعفري، وهو في مقتبل العمر، لا تعكس انطباعاً بتوفر هذه الشروط، إلا إذا كان مجتهداً فوق العادة، ولا تعني الكهولة توفر هذه الشروط، بالضرورة.

كان الرجل صريحاً. يريد دولة مدنية من خلفيته الطائفية التي لا لبس فيها. هل يمكن أن يشكل مُراده إلا دعوة صريحة للرقص على اشلاء ما تبقى من بنيان سياسي للجمهورية اللبنانية الثانية؟

ابن نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، تسلم منصب “الممتاز” من طريق التوريث، كما يحصل في الأنظمة الإستبدادية والجمهوريات الملكية والملكيات الرجعية. وفي رصيد المفتي الجعفري الممتاز الكثير من الخطب الرنانة والواعظة. في الكثير منها، بدا أشبه بوكيل ينوب عن أصيل وازن وفاعل. في الغالب من إطلالاته المنبرية، يتبدى خطاب صدامي، وإذ بادر إلى إستثناء على القاعدة، يطل متضامناً من خلفية “ممانعة” على ما فعل مع مفتي الجمهورية السابق محمد رشيد قباني يوم انقلب على “جماعته” (الرئيس سعد الحريري) وما وجد ناصراً ولا مُعيناً. الخطاب الأكثر بوحاً للمفتي الجعفري الممتاز كان في خطبة عيد الفطر إذ اعتبر أنّ “لبنان الذي بناه بشارة الخوري ورياض الصلح لم يعد يصلح لدولة إنسان ومواطن وهذه مرحلة انتهت، ونحن مطالَبون لحماية البلد وانقاذ لبنان وتأكيد العيش المشترك بإسقاط الصيغة الطائفية لصالح دولة لا طائفية”. كان الرجل صريحاً. يريد دولة مدنية من خلفيته الطائفية التي لا لبس فيها. هل يمكن أن يشكل مُراده إلا دعوة صريحة للرقص على اشلاء ما تبقى من بنيان سياسي للجمهورية اللبنانية الثانية؟

دعك من ردود عليه أتت من عتاة اليمين المسيحي المتقوقع من فارس سعيد الى سجعان قزي مروراً بزياد حواط ونوفل ضو. دعك أيضاً من زملاء صحافيين برأوه من أية متعلقات تتصل بموقف “الثنائي”. اللافت للإنتباه والسيء في آن هو أن أحداً من شُراح ومفوهي حركة أمل وحزب الله لم يعرف طريقاً إلى تبرير خطبته العصماء.

ما يستدعي التوقف عند “مطالعة” المفتي الممتاز أنها تأتي في الحين الذي تعيش فيه طائفته أسوأ كوابيسها المالية والاقتصادية. عقوبات دولية ما برحت تشتد على الشريحة الوازنة من الطائفة الشيعية وتحديداً حزب الله أصابتها في واحدة من فترات التردي الأكثر عمقاً ورثاثة على خلفية اتهامها بانها هي من جرت لبنان إلى مواجهة مع الجامعة العربية ومع قرارات الشرعية الدولية..

وقبل كل نقاش وبعده، فإن الكم والنوع اللذين أطلقهما في دعوته لدولة مدنية يشجعان على نقاشه في طبيعة ما أطلقه. ولنتجاوز “الارتجال” في الدعوة إلى نسف صيغة الرئيسين بشارة الخوري ورياض الصلح وبغض النظر عن اتفاق الطائف والتمسك به او نعيه أو دفنه، فالمفتي المتحمس يريد ما يريده فيما البلد غارق بمعضلات سياسية تبدأ ولا تنتهي. هو لا يقبل بدولة تتحرر فيها الأحوال شخصية. أبسط الأمور أنه هاجم الزواج المدني الاختياري عندما كان مجرد رأي منسوب لوزيرة الداخلية ريا الحسن، وقال بوقتها حرفياً “السلطة تريد تحويل البلد الى ملهى”.

ثمة من قال أن هذا المفتي “بق البحصة” بخصوص الحديث عن صيغة رياض الصلح وبشارة الخوري. بالطبع الأمر لا يحتاج الى “بق البحصة”، فالحديث عن الصيغة الآن اشبه بحكي في الفراغ، عن اشلاء باقية. إستدراك للأمانة. ما قاله الشيخ الجليل فيه شيء من الصحة. وقد سبقه الى ذلك الرئيس بشير الجميل في سبعينيات القرن الماضي يوم أعلن دفن الصيغة ووضع حجراً على قبرها وحارساً كي لا تنهض مجدداً. لكنه لم يتطرق إلى صيغة مقابلة. لقد قدم المفتي الجعفري هدية ثمينة للذين يتداعون منذ فترة ليتحلقوا حول مطلب الفيدرالية. ربما يأتي موقف المؤسسة الإفتائية الشيعية الرسمية هذا ردا على ما بدأه جبران باسيل وتياره في الحديث عن الاستراتيجية الدفاعية وسلاح حزب الله لكن هذا يجب ألا يُنسي اللبنانيين أن والد المفتي الجعفري الممتاز سبق أن قال عن رئيس الجمهورية الحالي “أنا أسمّيه الإمام ميشال عون”!

كما بداية هذا النص، تأتي خاتمته: من الطبيعي أن يبقى لبنان مسرحاً عبثياً أو صندوقة بريد يتبادل العالم فيها الرسائل. وللأسف غالبها ملون بالدم. تصبح وظيفة المفتي أو السياسي هي تحصين البلد قدر الإمكان لا تشريعه على طروحات لا تنسجم وموقع قائلها ولا لحظة البلد الرجراجة.. ولا الإقليم المتفجر.

Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course