مجتمع دولي يُكرر.. ولا عاقل لبنانياً يفهم عليه!

اكتب من منزلي في ضواحي واشنطن وأنا في الحجر منذ منتصف شهر آذار/مارس. اتابع الاحداث في الولايات المتحدة ولبنان. للبلدين مشاكل كثيرة وعميقة. قد تبدو المقارنة ظالمة، لكنني أكتفي ببضعة خواطر لعلها تفيد في التأمل والتفكير.

تواجه الولايات المتحدة وباء الكورونا من دون قيادة ملهمة وادارة منتجة. انهيار اقتصادي بسبب الحجر الصحي. تجاوز عدد العاطلين عن العمل رقم الاربعين مليون. مظاهرات صاخبة في كل انحاء البلاد تطالب بالحقوق المدنية لكل الاقليات وبالتحديد حقوق الاميركيين الافارقة.

ماذا عن لبنان؟ يتصدى لبنان لوباء الكورونا بادارة جيدة وشفافة. يواجه انهياراً اقتصادياً بسبب ممارسات سلطات تعاقبت على الحكم منذ بداية تسعينيات القرن الماضي حتى يومنا هذا. مظاهرات صاخبة بدأت في العاصمة اللبنانية في الخريف الماضي وما تزال مستمرة، تتمحور مطالبها حول الشفافية والحوكمة الصحيحة ووقف الفساد والهدر وبناء دولة مدنية.

“القانون والنظام” مقابل “حكم القانون”

يدور نقاش في الولايات المتحدة، وهو مرشح للإستمرار حتى الإنتخابات الرئاسية، حول مصطلحين حقوقيين. إنطلق هذا النقاش بعد مقتل المواطن جورج فلويد خنقاً على يد شرطي محلي في ولاية مينيسوتا. وبينما يشدد الرئيس دونالد ترامب ومعه الكثير من الجمهوريين على “القانون والنظام” او (law and order)، يصر الديموقراطيون والليبراليون، ومنهم نائب الرئيس السابق جو بايدن، على “حكم القانون” او (rule of law).  الكلمات قد تتشابه، لكن المقصود من كل من هذين المصطلحين يختلف كثيراً.

ان مبدأ “القانون والنظام” يرمي الى التشدد بشأن الجريمة ويطالب  بنظام قضائي جنائي صارم في ما يتعلق بجرائم العنف والممتلكات من  خلال عقوبات جنائية أكثر صرامة وتشمل فترات أطول  في السجن. اعطى ترامب لنفسه لقب “رئيس القانون والنظام”، وعنى بذلك استعمال القوة ضد المجرمين المحتملين، والارهابيين والمهاجرين غير الشرعيين، وجميعهم ينتمون إلى الطبقات الاقتصادية الدنيا.

اما مبدأ “حكم القانون”، الذي ينادي به الديموقراطيون والليبراليون، فيعني المساءلة والمحاسبة والشفافية وأن تكون السلطة للقانون العادل الذي يخضع له جميع المواطنين كما جميع المسؤولين الحكوميين.

في لبنان، لم نتعرف بعد على “حكم القانون” أو دولة القانون. هناك من وصل الى السلطة بحكم الدستور وقوانين الإنتخاب، لكنهم يمارسون مبدأ “القانون والنظام” منذ أن يتبوأ أحدهم منصبه في السلطة. يستغلون القانون لفرض مشيئتهم ويدوسون الدستور المفروض ان يكون مقدساً.

المجتمع الدولي ولبنان

ثمة لازمة عند لبنانيين، في السلطة وخارجها، حالياً وسابقاً، بأن “المجتمع الدولي” معني بانتشال لبنان من محنته الإقتصادية والمالية، وهي الاكبر التي يواجهها على مدى عقود مئويته الاولى. هذا “المجتمع الدولي” مرادفه الحقيقي الولايات المتحدة واوروبا الغربية ودول الخليج العربية. هذه الدول تُشكل مجموعة الدعم الدولي للبنان، وقد اجتمع ممثلوها في باريس في نيسان/ابريل ٢٠١٨ واقروا دعم لبنان بـ ١١ مليار دولار، شرط ان يقوم لبنان باصلاحات جذرية. دعي المؤتمر بـ”سيدر”.. بعد مضي سنتين، لم ينفذ لبنان إصلاحاً واحداً من تلك التي إلتزم بها طوعاً، تماماً كما حصل بعد مؤتمرات باريس السابقة، إلى أن وصلنا إلى ما وصلنا إليه في الأشهر الستة الماضية.

إنبرت دعوات إلى لجوء لبنان إلى صندوق النقد، قبيل السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لكنها ظلت خجولة من جهة ومرفوضة من قوى سياسية وازنة من جهة ثانية، لكن بعد ثورة تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وما أعقبها من تطورات ولا سيما حجز المصارف أموال المودعين اللبنانيين وامتناع لبنان عن دفع سندات اليوروبوند، قرر لبنان طلب مساعدة صندوق النقد الدولي، في خطوة شبيهة بما أقدمت عليه كل من ايران والعراق للاستدانة من الصندوق.

مجنون كل مسؤول لبناني يأمل بمساعدة المجتمع الدولي للبنان ولو بقرش واحد في هذا الزمن الصعب اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، إذا لم ننفذ الإصلاحات التي لطالما تعهدنا بها ثم تهربنا من تنفيذها. بكلام أوضح، المجتمع الدولي يعتبر لبنان سلة بلا قعر، وقبل اقفالها لن تكون هناك مساعدات وقروض جديدة للبنان

من هو صاحب القرار في صندوق النقد؟

ليس بالتأكيد فريق الموظفين الذي يحاور الحكومة اللبنانية ممثلة بوزارة المال أو مصرف لبنان المركزي. هؤلاء الموظفين يكتبون تقاريرهم بامانة وصدق وترفع في النهاية إلى مجلس المدراء التنفيذيين المعني بإتخاذ القرار. لكن من هم هؤلاء الاربعة وعشرين عضواً في المجلس التنفيذي؟

هم دول مجموعة الدعم الدولي للبنان او دول “سيدر”، وتحديداً  الولايات المتحدة ودول اوروبا الغربية ودول الخليج العربي. ان هذه الدول مجتمعة تمثل اكثر من نصف الاسهم في الصندوق، ومن ثم هم اصحاب القرار بشأن لبنان. ليس لاي من هذه الدول او غيرها قوة النقض او حق الفيتو الذي يتطلب اكثر من خمسين بالمئة من الاسهم. اميركا مثلاً، تملك حوالي ١٧ في المئة فقط من اسهم الصندوق، وهي اكبر مساهم فيه. معظم باقي اعضاء مجلس الادارة لا يكترثون بما يحدث في لبنان واكثريتهم تتماهى وتوجهات مجموعة الدعم الدولية للبنان.

الإصلاح ثم الإصلاح

لو نفذ لبنان ما التزم به مع مجموعة الدعم الدولية في مؤتمر “سيدر”، لما احتاج الى صندوق النقد. وفي حال بقيت هناك حاجة الى الصندوق، يطلب لبنان المساعدة ويخوض حواراً ليس من موقع الضعيف، كما هو الحال في يومنا هذا، بل من موقع أقوى. بكل الأحوال، في نهاية المناقشات الجارية، سيطلب صندوق النقد من لبنان البدء بتنفيذ ما طلب منه تنفيذه في مؤتمر “سيدر” قبل اكثر من سنتين. لقد عدّد ممثل الاتحاد الاوروبي الى لبنان المتطلبات الرئيسية للإصلاح قبل أسابيع قليلة، وتشمل الآتي:

  • معالجة  فورية وضرورية لقطاع الكهرباء.
  • اصدار قانون استقلالية القضاء.‏
  • مناقصات عمومية شفافة تلتزم المعايير والشروط القانونية.
  • المصداقية والحوكمة الصحيحتان.
  • تحرير سعر صرف الليرة، أي العودة بالسياسة النقدية الى ما كانت عليه قبل العام ١٩٩٧، وذلك بالتعاون والتنسيق مع صندوق النقد لضمان نجاح هذه الخطوة وغيرها وكلها تهدف لاستعادة ثقة المجتمع الدولي والمؤسسات المالية والدولية بلبنان وحكومته.

هنا لا بد من ملاحظة غير دبلوماسية، ولو أنها صادرة عن دبلوماسي سابق: مجنون كل مسؤول لبناني يأمل بمساعدة المجتمع الدولي للبنان ولو بقرش واحد في هذا الزمن الصعب اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً، إذا لم ننفذ الإصلاحات التي لطالما تعهدنا بها ثم تهربنا من تنفيذها. بكلام أوضح، المجتمع الدولي يعتبر لبنان سلة بلا قعر، وقبل اقفالها لن تكون هناك مساعدات وقروض جديدة للبنان.

تثبيت سعر صرف الليرة

لقد إستوقفني ما دار بين الحكومة وحاكم المصرف المركزي في الأيام الأخيرة. مجلس الوزراء يريد تثبيت سعر صرف الليرة مقابل الدولار ويريد رئيس الحكومة حسان دياب من حاكم البنك المركزي رياض سلامة ان يدعم السعر الذي تقرره الحكومة. قرار الحكومة تشوبه اوهام واخطاء كثيرة، اهمها ان الدولة لا تستطيع تثبيت سعر العملة الوطنية، طالما لا يملك البنك المركزي ما يكفي من الإحتياطي بالعملة الاجنبية.

لقد حاولت بلدان سلطوية، ومنها دول شيوعية سابقة، فرض سعر ثابت لعملتها. ماذا كانت النتيجة؟ انتعاش السوق السوداء بالتوازي مع السعر الرسمي، ونادرا ما تنجح دولة سلطوية في قمع السوق الموازية. بكلام آخر، تنتعش المتاجرة بالعملة المحلية بوجود سعر ثابت للعملة المحلية، وفي معظم الاحيان يحدث ذلك بحماية رسمية. لا يوجد بلد في النظام الدولي الراهن استطاع تثبيت عملته بنجاح من دون ظهور سوق سوداء، الا اذا كان عنده ما يكفي من احتياطي من العملة الاجنبية. لهذه الاسباب وغيرها، يصر صندوق النقد الدولي على تعويم العملة في كل البلدان التي تحتاج الى مساعدته.

من ناحية اخرى، نجحت الحكومة اللبنانية في العام ١٩٩٧ في تثبيت سعر الليرة لسببين رئسيين. الاول، ان “الاستقرار الامني” الذي فرضته سلطة الوصاية السورية شجع على تدفق المال الى الداخل اللبناني مما سمح للبنك المركزي ان يدعم الليرة. لكن ذلك لم يكن كافياً، فتم رفع سعر الفائدة التي وصلت عام ١٩٩٥ الى ٤٥٪ وظلت مرتفعة الى حوالي ٢٥٪  لغاية ١٩٩٩، في بداية عهد الرئيس اميل لحود. استطاع البنك المركزي بهذه السياسة ان يستمر في رفع الاحتياطي بالعملة الاجنبية لغاية اخر العام ٢٠١٠، حين كان سعر الفائدة قد انخفض الى حوالي العشرة بالمئة مقارنة بسعر فائدة دولية تراوحت حول الواحد بالمئة. اضف الى ذلك، ان لبنان يمد سوريا بطريقة غير مباشرة بالعملة الصعبة مما يزيد الضغط على الليرة.

لا يمكن للبنك المركزي أن يفرط بالإحتياطي الحالي والمقدر بنحو عشرين مليار دولار. ثمة رؤية لدى رياض سلامة بأن يبقى هذا الإحتياطي الإستراتيجي في خدمة تأمين القضايا الأساسية للدولة كالمحروقات والقمح والدواء. أية مجازفة بإعادة تثبيت سعر صرف الليرة ستؤدي إلى تقصير قدرة البلد على الصمود في مواجهة الأزمة، والأخطر أن ينفجر الموقف قبل التوصل إلى إتفاق مع صندوق النقد. عندها سيكون وضع لبنان في المفاوضات أضعف مما هو عليه اليوم، والذي يصح عليه قول المؤرخ الراحل كمال صليبي “بيت بمنازل كثيرة”. وفود لبنانية تفاوض صندوق النقد ولا تتفق على مقاربة موحدة، وهي تستعجل التوصل إلى نتائج، بينما الجواب في مكان آخر. الإصلاحات أولاً.

عبد الله بو حبيب

سفير لبنان الأسبق في واشنطن

Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
udemy course download free