البرلمان اللبناني وصندوق النقد: مَنْ يُقنع مَنْ بأرقامه؟

علي نورعلي نور23/06/2020
أنجزت لجنة تقصي الحقائق البرلمانية مهمتها المتعلقة بتحديد الخسائر في القطاع المالي، في ضوء الأرقام المتضاربة بين الحكومة اللبنانية من جهة ومصرف لبنان وجمعية المصارف اللبنانية من جهة أخرى. وقد سّلمت اللجنة تقديراتها وارقامها إلى كبار المسؤولين اللبنانيين، وخاضت اليوم (الثلاثاء)، نقاشاً مباشراً من مجلس النواب مع صندوق النقد الذي تمسك بأرقام خطة الحكومة اللبنانية إستناداً إلى "معطيات متينة"، حسب مصدر معني بالمفاوضات.

 منذ ثلاثة أسابيع، إنكبت لجنة تقصّي الحقائق المتفرّعة عن لجنة المال والموازنة في البرلمان اللبناني على إعادة النظر بالأرقام التي تضمّنتها خطة الإصلاح المالي التي تبنتها حكومة الرئيس حسان دياب، وبالأخص تلك المتعلّقة بحجم الخسائر المقدّرة في القطاع المالي بعد إعادة هيكلة الدين العام. منذ البداية، أثار عمل اللجنة زوبعة من الإشكاليّات المتعلّقة بمسألة الصلاحيّات، خصوصاً أن ما إندفعت لجنة تقصي الحقائق للقيام به، سبق لحكومة دياب أن أنجزته، وهو عمل لا يمكن وضعه إلا في خانة المهام التنفيذيّة التي ينبغي أن تقوم بها الحكومة ووزارة الماليّة.

في حديث مع 180 بوست، يقول النائب نقولا نحّاس الذي واكب هذا المسار منذ البداية، إنّ ما قامت به لجنة المال والموازنة هو في صلب المهام الرقابيّة والتشريعيّة التي ينبغي أن تقوم بها، ذلك أن خطّة الحكومة إنطوت على إجراءات ستُحوّل تلقائيّاً إلى مشاريع قوانين يقرها مجلس النواب في المرحلة المقبلة. أما مسألة توحيد الأرقام، فتصب في خانة المهام الرقابيّة للمجلس، في ظل التباين الشاسع بين أرقام الأطراف المختلفة المعنيّة بالخطّة (وزارة المال ومصرف لبنان وجمعية المصارف)، وخصوصاً بعد أن ظهر هذا التباين بوضوح خلال الأيام الأولى من المفاوضات مع صندوق النقد.

بعد الضغط الذي أفضى إلى إعتراف حاكم المصرف المركزي في لبنان رياض سلامة بأرقام خطّة الحكومة كمرجعيّة للتفاوض مع صندوق النقد، عادت الأمور إلى المربّع الأوّل من خلال رمي الكرة في ملعب لجنة تقصي الحقائق بغطاء رئاسي وسياسي ومصرفي وبعنوان “توحيد المقاربات والأرقام”. ومع الإلتفاف الواسع حول عمل اللجنة من رؤساء الجمهورية ومجلس النواب والحكومة وجميع الكتل النيابيّة وجمعية المصارف، يمكن الإستنتاج سريعاً أن ما خلصت إليه اللجنة أخيراً من أرقام ومقاربات لن يكون من السهل تجاوزه من جانب الحكومة خلال المرحلة المقبلة، برغم اللغم الكبير المتمثل في إعادة تأكيد صندوق النقد أن أرقامه أقرب ما تكون إلى أرقام خطة الحكومة لا إلى أرقام لجنة تقصي الحقائق!

كيف تقلّص حجم الخسائر؟

ما تسرّب من عمل اللجنة يشير إلى أنّها خفّضت حجم الخسائر المقدّرة في ميزانيّات المصارف ومصرف لبنان من نحو 241 ألف مليار ليرة إلى أقل من 81 ألف مليار ليرة دفعة واحدة. عمليّاً، تفتقر هذه التسريبات إلى الدقّة كونها تقارن الخسائر الإجماليّة في خطّة الحكومة بالخسائر الصافيّة في أرقام لجنة تقصّي الحقائق، وهو ما يؤدّي تلقائيّاً عند مقارنة الرقمين إلى تضخيم رقم خسائر خطة الحكومة مقابل تحجيم رقم خسائر لجنة تقصي الحقائق.

وبحسب مصادر مطلعة على الأرقام بدقّة في خطة لجنة تقصّي الحقائق، خفّضت اللجنة الخسائر الإجماليّة المقدّرة من نحو 241 ألف مليار ليرة إلى نحو 115 ألف مليار ليرة، أي إلى أقل من النصف بقليل. أما الخسائر الصافية، أي  بعد إحتساب الحسومات التي ستجري من رساميل المصارف ومصرف لبنان لإمتصاص جزء من الخسائر، فتقلّصت من نحو 154 ألف مليار ليرة في خطّة الحكومة إلى 81 ألف مليار ليرة في خطّة لجنة تقصّي الحقائق، أي إلى أكثر من النصف بقليل. هذا التخفيض الكبير في حجم الخسائر المقدّرة يدفع إلى التدقيق بفرضيات ومقاربات اللجنة والأسس المحاسبيّة التي إعتمدتها.

ما خلصت إليه اللجنة أخيراً من أرقام ومقاربات لن يكون من السهل تجاوزه من جانب الحكومة خلال المرحلة المقبلة، برغم اللغم الكبير المتمثل في إعادة تأكيد صندوق النقد أن أرقامه أقرب ما تكون إلى أرقام خطة الحكومة لا إلى أرقام لجنة تقصي الحقائق

كان واضحاً أن مقاربات اللجنة النيابية جاءت أقرب إلى المقاربات التي تفضّلها جمعيّة المصارف ومصرف لبنان. ففي ما يتعلّق بإلتزامات المصرف المركزي لمصلحة المصارف، قررت اللجنة الإكتفاء بإحتساب الخسائر الناتجة عن تعثّر المصرف المركزي في سداد الإلتزامات التي تستحق قبل عام 2027، بإفتراض أن المصرف المركزي سيكون قادرا بعد هذه السنة على الإيفاء بإلتزاماته المستحقّة لصالح المصارف. وفي ما يتعلّق بالمصرف المركزي أيضاً، قررت اللجنة السير بمقاربة حاكم مصرف لبنان التي تحتسب العملة المطبوعة وغير الموزّعة من ضمن الموجودات القابلة لسداد جزء من الخسائر، وهو ما أفضى إلى مزيد من تخفيض خسائر مصرف لبنان.

من ناحية المصارف التجاريّة، قررت اللجنة السير في مقاربات المصارف ومصرف لبنان من ناحيتين. الأولى، كانت بعدم اللجوء إلى حسم نسبة من قيمة سندات الدين بالليرة اللبنانيّة، بإعتبار أن هذه السندات قد شهدت أساساً إنخفاضاً كبيراً في قيمتها السوقيّة، كما خسرت جزءاً من قيمتها جراء تدهور سعر صرف الليرة اللبنانية. ومن ناحية أخرى، قررت اللجنة تخفيض قيمة الخسائر المتوقّعة نتيجة تعثّر القطاع الخاص في إيفاء القروض من نحو 44 ألف مليار ليرة إلى أقل من 14 ألف مليار ليرة. وفي هذه النقطة بالذات، سارت اللجنة بتوصية لجنة الرقابة على المصارف، التي رأت أن وجود ضمانات في مقابل معظم القروض الممنوحة يعني تلقائيّا عدم جواز إحتساب هذه القروض في مصاف القروض غير القابلة للتحصيل.

فرضيّات غير واقعيّة

في كل الحالات، يمكن القول أن بعض ما سارت به اللجنة من مقاربات منطقي، وبالتحديد في ما يتعلّق بعدم جواز تصنيف جميع الإلتزامات على المصرف المركزي كخسائر لا يمكن تحصيلها وبمعزل عن تاريخ إستحقاقها. فالإفتراض بأن المصرف المركزي سيستمر في حالة التعثّر بعد سنة 2027، وتصنيف الإلتزامات المستحقة بعد هذا التاريخ كخسائر، سيعني توقّع دخول القطاع المالي بأسره في نفق لن يخرج منه على المدى البعيد، وهو ما يناقض مسعى المعالجات نفسها وأصل خطة التصحيح المالي ووظيفتها.

لكن من ناحية أخرى، ثمة ما يشير إلى أن اللجنة لجأت إلى المبالغة في عصر أرقام الخسائر بهدف تقليص حجمها إلى أبعد حدود، ولو على حساب مصداقيّة هذه الأرقام. على سبيل المثال، ليس واقعياً تنزيل خسائر مصرف لبنان من خلال إحتساب العملة المطبوعة وغير الموزّعة، بحسب الكثير من الخبراء، خصوصاً أن الجزء الأكبر من خسائر مصرف لبنان تحقق من خلال إنفاق العملة الصعبة لتثبيت سعر صرف الليرة، وهو ما تسبب بفارق كبير بين إلتزامات وموجودات المصرف المركزي بالعملات الأجنبيّة. ولذلك، لا يمكن إحتساب الأرباح المستقبليّة من ضخ العملة المحليّة كمصدر لسداد الخسائر.

الصندوق يقارب المشكلة خلال المفاوضات من موقع الدائن المحتمل، الذي يهمّه توسيع دائرة الخسائر المعترف بها والمعالجات إلى حدودها القصوى، ولو أدّى ذلك إلى رفع كلفة التصحيح، بهدف حماية مصالحه الإئتمانيّة عند منح القرض

أما في حالة المصارف التجاريّة، فمن المعروف أن هذه المصارف لن تتمكّن من التوسّع بإستخدام الضمانات العقاريّة لسداد القروض المتعثّرة، خصوصاً أن الجزء الأكبر من هذه الضمانات يمثّل المسكن الرئيسي المرهون مقابل قروض سكنيّة، وبالتالي، فإن مصادرة هذه الضمانات ستولّد أزمة إجتماعيّة منقطعة النظير. وعملياً، سيكون على المصارف إنتظار تحسّن الظروف الإقتصاديّة لإعادة جدولة هذه القروض، لكنّ المصارف ستحتاج خلال هذه الفترة إلى تكوين مؤونات تحتسب كخسائر في ميزانيّاتها مقابل هذه القروض المتعثّرة، عملاً بالقواعد المحاسبيّة المصرفيّة المعروفة. وفي كل الحالات، وحتّى بعد تحصيل هذه القروض بعد فترة طويلة من الزمن، ستعاني المصارف من خسائر كبيرة نتيجة الفارق في سعر الصرف، وخصوصاً بالنسبة إلى القروض السكنيّة الممنوحة بالليرة. مع العلم أن الأزمة ستكون مضاعفة كون المصارف ستحصّل هذه القروض الممنوحة بالليرة اللبنانيّة، بينما تمثّل الغالبيّة الساحقة من إلتزاماتها ودائع مدولرة.

الأثر على المفاوضات مع صندوق النقد

من الواضح أن صندوق النقد يجد نفسه منسجماً مع أرقام خطّة الحكومة، لا أرقام لجنة تقصّي الحقائق، وهذا ما أكّده المتحدّث بإسم الصندوق ورئيس دائرة التواصل في تصريحه الأخير. واليوم، ثمّة من يخشى أن يؤدّي عمل لجنة تقصّي الحقائق إلى فرض أرقام لا يعتبرها صندوق النقد واقعيّة أو قابلة لتأسيس معالجة مستدامة، وهو ما يمكن أن يؤدّي في المحصّلة إلى نسف مسار التفاوض مع الصندوق نفسه. ويعزز من هذه المخاوف وجود إشارة عديدة تؤكّد عدم حماسة جمعيّة مصارف لبنان ومصرف لبنان المركزي للمضي في مسار التفاوض مع صندوق النقد، كونه سيؤدّي في نهاية المطاف إلى فرض تقديرات صريحة للخسائر، وبالتالي معالجات يمكن أن تمس رساميلهما، مع العلم أن المقاربات التي إعتمدتها لجنة تقصّي الحقائق في طريقة الإحتساب كانت أقرب إلى رؤية المصارف ومصرف لبنان من رؤية الحكومة للخسائر.

وتشير مصادر نيابيّة داخل لجنة تقصي الحقائق إلى أن التباين الكبير مع أرقام صندوق النقد مسألة طبيعيّة في هذه المرحلة، خصوصاً أن الصندوق يقارب المشكلة خلال المفاوضات من موقع الدائن المحتمل، الذي يهمّه توسيع دائرة الخسائر المعترف بها والمعالجات إلى حدودها القصوى، ولو أدّى ذلك إلى رفع كلفة التصحيح، بهدف حماية مصالحه الإئتمانيّة عند منح القرض. وفي المقابل، على لبنان التوجّه إلى المفاوضات بمنطق معاكس، عبر محاولة التخفيف من الكلفة التي سيدفعها لبنان ونظامه الإقتصادي والمالي في مرحلة التصحيح، مع التسليم مسبقاً بوجود تنازلات متبادلة خلال هذا المسار.

عمليّاً، يتخوّف كثيرون من أن يؤدّي منطق خفض قيمة الخسائر المقدّرة إلى معالجات لا توفّر حلاً مستداماً للأزمة الماليّة القائمة، خصوصاً إذا لم تشمل هذه المعالجات جوهر المشكلة القائمة في القطاع المالي اللبناني. كما تبرز إلى الواجهة مخاوف أخرى من عدم وجود بدائل أخرى لدى الحكومة، في حال أدّت ضغوط المصارف ومصرف لبنان، في ملف تقدير الخسائر، إلى التشبّث بأرقام قد تطيح بعمليّة التفاوض مع صندوق النقد، وربما يكون هذا هو الهدف الذي تريد جمعية المصارف الوصول إليه، قبل أن تشهر خطتها وتطلب من الجميع السير بها.

هل كان بمقدور الحكومة أن توحّد الأرقام قبل أن تقرها وتفاوض صندوق النقد على أساسها؟

هذا السؤال يطرح علامات إستفهام كثيرة لجهة مسؤولية فريق وزارة المال، ومعه شركة “لازار” في صياغة خطة مالية من دون أي تشاور مع مصرف لبنان وجمعية المصارف، وفي هذا السياق، يقول عضو لجنة تقصي الحقائق النائب ياسين جابر لموقع 180 بوست إن لبنان موقفه سيكون قوياً عندما تكون الأرقام موحدة.. والعكس صحيح، وهذا ما يحاول مجلس النواب إستدراكه من خلال دوره الرقابي والتشريعي.

يذكر أنّ الاجتماع الذي عقد عبر تطبيق “زووم”، اليوم (الثلثاء) كان ثلاثياً وشارك فيه من مجلس النواب في بيروت الوفد النيابي الذي يضمّ رئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم كنعان ومقرّر اللجنة النائب نقولا نحاس وعضو اللجنة النائب ياسين جابر ومن وزارة المال وزير المال غازي وزني ومن واشنطن وفد صندوق النقد المفاوض مع لبنان.

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes Free
udemy course download free