حفتر على خطى القذافي.. إكمال مسيرة التطبيع

قبل نشأتها في نهاية الأربعينيات، كان العالم العربي مساحة واسعة لإسرائيل، أطلقت فيها عملاءها وجواسيسها يرتعون ويجوبون أرجاءه لأهداف ترسيخ كيانهم الوليد. ليس هناك بلد عربي واحد لم يسجل فيه الموساد خطواته وبصماته، من المحيط إلى الخليج. غالبا ما كان يتم استقطاب أكثر من حاكم وضمان تجاوبه، أو تجنيد عدد من الأفراد النافذين في بلدانهم للعمل مع "الموساد". وتظل حقائق هذا الاختراق في الكتمان ولا يتم تسريب أسرارها إلا بمقدار ما ترغب فيه إدارة الكيان الصهيوني وفق ما يخدم برامجها ومقاصدها على المديين القريب والبعيد.

بالنسبة إلى المغرب العربي، رأت إسرائيل دائماً في هذه المنطقة ذاك الامتداد الطبيعي لأصول جزء هام من مواطنيها الشرقيين “السفرديم”، وتعاطت معها كعمق استراتيجي في حسابات المحافظة على كيانها واستمرارها الوجودي. تستند في ذلك إلى روابط الانتماء اليهودي لجزء هام من الساكنة المغاربيين. فمن كل البلدان المغاربية تزودت إسرائيل مباشرة بعد العام 1948 بمعمرين ومستوطنين للأرض التي استباحتها واحتلتها من أهلها الفلسطينيين. حدث ذلك بكل طرق ووسائل الترغيب والترهيب. وفي هذا النطاق، لعب جهاز “الموساد” الصهيوني أدواراً شنيعة في اختطاف اليهود المغاربة، بل قام بدور النخاسة ودفع مقابلا بالدولار لشحنهم إلى أرض الميعاد في السفن والبواخر كرؤوس أغنام.

وإذا كنا نتوفر اليوم على كم هائل من المعلومات والحقائق والمعطيات عبر الكتابات والوثائق والشهادات المتصلة بالوجود اليهودي، بعضها مستمر حتى اليوم، في كل من المغرب والجزائر وتونس وليبيا، فإن حقيقة هذا الوجود غير مؤكدة في موريتانيا، إلا من خلال نتف نادرة جدا حول صلة ما لبعض التجار اليهود المغاربة، من وصلوا بتجارتهم إلى الصحراء الكبرى، وضمنها موريتانيا قبل أن تظهر كدولة مستقلة في الستينيات من القرن الماضي. بالرغم من ذلك، لم تفلت الدولة الموريتانية من ابتزاز الكيان الصهيوني، حين طالبت إسرائيل من موريتانيا دفع تعويضات تصل إلى 300 مليار دولار أميركي، طبقا لآخر تعداد سكاني خاص بالتواجد اليهودي في العالم سنة 1948. والغريب أن إسرائيل زعمت وجود جالية يهودية في موريتانيا إلى حدود أربعينيات القرن الماضي، من دون دليل وبرهان قوي على مزاعمها. وأنه كانت لليهود في موريتانيا ممتلكات ما زالت موجودة، ملمحة إلى أن عددا من أفراد تلك الجالية “ربما” ما زالوا يقيمون في موريتانيا برغم عدم إبراز هوياتهم!

 الوطن القومي البديل

 لن نتطرق هنا إلى الحديث عن كل البلاد المغاربية، وسنكتفي بـ”فتوحات” الوجود الصهيوني في ليبيا، ليس فقط  أنها تواجدت بها طائفة يهودية، بل لأن ليبيا كانت في البداية مشروعا لتحقيق فكرة “الوطن القومي لليهود”، كما اقترح ذلك الكاتب الكوميدي يسرائيل زانغويل، قبل أن ينطق بعبارة “فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. وقد تبنت رأيه “منظمة الأراضي اليهودية” في لندن. وقد شرح اقتراحه في مؤلف سماه بـ”الكتاب الأزرق”. والمعروف أن الحركة الصهيونية جندت أعدادا من الكتاب والسياسيين لكى تختلق شرعية لوجودها.

وطرح دعاة صهاينة آخرين أسماء أكثر من منطقة عبر العالم لاحتضان فكرة “الوطن القومي لليهود”، منها الأرجنتين واليابان وكندا وأوغندا وكينيا وسيناء وليبيا.

لما اقترحت ليبيا في العام 1898 للاستيطان الصهيوني، كانت تحت حكم الخلافة العثمانية، ولم يعترض السلطان عبد الحميد على ذلك. في الوقت الذي رفض فيه ملك إيطاليا فيكتور الثالث تحقيق أطماع تيودور هرتزل حينما تقدم إليه بالفكرة في بداية القرن العشرين.

في عام 1948، كانت تقطن ليبيا طائفة يهودية يقدر عددها بحوالى أربعين ألفاً، وفي حدود 1965 بقي منهم حوالي سبعمائة نسمة. وما بين سنتي 1948 و1967 هاجرت أعداد كبيرة منهم إلى إيطاليا ومنها إلى إسرئيل. وعندما أطلت الألفية الثالثة لم يبق في بلد عمر المختار أي ليبي يهودي مع وفاة آخر يهودي معروف، وكان اسمه: اسميرالدا مغناجي (توفي في سنة 2002 ).

مخطط الوطن اليهودي في ليبيا عرف الفشل لما أصر زعماء المنظمات الصهيونية على استعمار فلسطين، وأسفر وصول الاستعمار الإيطالي إلى ليبيا (1911) بالطي النهائي لصفحات “الكتاب الأزرق”، لتمر الأعوام ونصل سنة 1969 وانقلاب العقيد معمر القذافي على الملكية، ليفتح كتاباً بلون جديد هو “الكتاب الأخضر” (1975).

الأكثر فلسطينية من الفلسطينيين

 في بداية حكمه، عمل العقيد الليبي معمر القذافي على إظهار دعمه للقضية الفلسطينية. لم يكتف بذلك فقد أدخل أنفه ورجليه في صراعات الفصائل والمنظمات الفلسطينية. وفتش عن بديل لحركة “فتح”، وسلّح بعض التنظيمات في لبنان، وحاول الإمساك بالقرار الفلسطيني، وأنشأ مراكز لتدريب المتطوعين لمقاتلة العدو الصهيوني، وموّل صحفا ومجلات لبنانية للدفاع عن مواقفه وهاجم عبرها كل الدول العربية التي تسعى لعلاقات مع إسرائيل.

في مستهل عقد التسعينيات من القرن الماضي، سيفاجئ القذافي العالم بشكل مثير، بإرساله وفدا من مائتي ليبي إلى “حج بيت المقدس” (أيار/مايو سنة 1993)، متحديا الحصار الجوي الدولي المفروض على بلاده. وذكر مصدر إسرائيلي أيامها أن “القذافي يعتزم المجيء والاعتراف بدولة اسرائيل قبل نهاية هذا العام”.

لم تكن سوى إشارة لجس نبض دول الغرب والتعبير لها عن استعداده للتطبيع مع إسرائيل، مقابل رفع الحصار والعقوبات المترتبة ضد ليبيا عقب حادث طائرة “لوكيربي”. لكن مبادرة الأخ قائد الجماهيرية العظمى آلت إلى عدم النجاح.

وانتظر القذافي إلى سنة 2003، ليخرج على الناس بصفته “خبيرا في الشؤون الفلسطينية للفلسطينيين”، حيث انبثق تصوره الخيالي لحل سهل للقضية الفلسطينية، في “الكتاب الأبيض”، وسمى لنا دولة باسم “إسراطين”.

احتوى الكتيب الجديد لـ”زعيم ثورة الفاتح” (36 صفحة بأحرف من الحجم الكبير)، على الحلول والمقترحات التي يراها الأخ قائد الجماهيرية بمثابة حل للصراع العربي ـ الإسرائيلي. وتضمن “الكتاب الأبيض” عبارات مقعرة وجملا متفلسفة، مع وقائع تاريخية، وصفها مستشرق ألماني بأنها “خالية من الحقائق”. والجمل المفيدة في الكتيب هي اعتراف القذافي الضمني بإسرائيل، وتكذيب تهجير إسرائيل للفلسطينيين ونفي مذبحة دير ياسين.

الجمل المفيدة في “الكتاب الأبيض” هي اعتراف القذافي الضمني بإسرائيل، وتكذيب تهجير إسرائيل للفلسطينيين

حفتر يكمل مسيرة التطبيع

بعد زوال الجماهيرية ومقتل مؤسسها بسنة، سيصل قادما من ولاية فيرجينيا أحد ضباط القذافي الفارين، العقيد خليفة بلقاسم حفتر، الذي تم تعيينه فور وصوله قائدا للجيش الليبي الموالي للبرلمان. كان حفتر أحد رفاق الدكتاتور الليبي الذين دبروا الانقلاب على الملكية في الفاتح من أيلول/سبتمبر عام 1969.

في سنة 1987 أرسل القذافي الكولونيل خليفة بلقاسم حفتر على رأس الكتائب الليبية المقاتلة في تشاد، لكنه سيهزم ويتم أسره مع حوالي سبعمائة عسكري ليبي من طرف قوات الرئيس التشادي حسين هبري، ما أنهى طموحات القذافي في الدولة المتاخمة لحدود ليبيا الجنوبية. بعد ثلاث سنوات من الأسر، تدخلت الولايات المتحدة لإطلاق سراح الضابط حفتر، وتبين أن وراء ذلك صفقة، إذ سافر حفتر وعدد من عساكره إلى إحدى مدن ولاية فرجينيا في أمريكا، وتعاون مع المخابرات المركزية الأمريكية بدل العودة إلى ليبيا حيث كان ينتظره عقاب القذافي بالسجن إن لم يكن الإعدام.

 ظل حفتر في أرض العم سام قرابة عشرين سنة، وانضم إلى الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا المعارضة والمدعومة من الأمريكيين، ثم قام بتشكيل ميليشيا مسلحة تابعة للجبهة باسم “الجيش الوطني الليبي”. وبعد انهيار نظام معمر القذافي، عاد حفتر ووضع على صدره نياشين ملونة من رتبة ماريشال. وسرعان ما تحول إلى أبرز أمراء الحرب الأهلية في ليبيا ما بعد القذافي.

والمعروف عن خليفة حفتر مشاركته ضمن الكتيبة الليبية التي خاضت حرب يوم الغفران (1973) ضدّ إسرائيل، وأنه كان علمانيا وناصريا، تلقى تدريبه العسكري في الاتحاد السوفياتي، وأنه سمى أحد أبنائه الخمسة “صدام”، تيمناً باسم الرئيس العراقي السابق صدام حسين. وبرغم قتاله ضد جماعات الإسلام السياسي والإخوان المسلمين وأنصار الشريعة، فإنه يتعاون مع الجماعات السلفية ويقبل بانضمامها إلى قواته.

يحظى حفتر بدعم مباشر من دولة الإمارات العربية المتحدة ومصر، فيما أفادت مصادر غربية أن القوات الجوية البريطانية والفرنسية والأمريكية والإماراتية ساعدت قوات حفتر في تحليلِ تسجيلات مراقبة الحركة الجوية. لكنه يتم دائما التكتم عن الأدوار العسكرية الإسرائيلية، برغم أنها لم تعد اليوم سراً.

سِجِّلٌ سري قديم

 من أجل توطيد دعائمه وتحكمه في ليبيا، لم يتردد اللواء المتقاعد، الذي يسعى لوراثة نظام الرئيس المخلوع، في مد يده إلى إسرائيل وتوثيق علاقته بها لمساعدته في القضاء على حكومة الوفاق برئاسة فايز السراج والتي تحظى باعتراف أممي.

وبرغم مسارعة دعاية اللواء المتقاعد وداعميه للنفي والتعتيم على علاقاته مع الكيان الصهيوني، فقد نشرت عدة صحف عبرية وبريطانية وفرنسية أخبارا وتقاريرَ عن سجل العلاقات السرية التي تربط حفتر بالموساد، كما غرد على التويتر يوسي ميلمان محلل الشؤون الاستخبارية الإسرائيلية، مؤكدا أن “حفتر على علاقة بجهاز الاستخبارات الإسرائيلي”. (آب/اغسطس 2019).

وفي صيف 2018، كشفت تقارير إعلامية متعددة أن حفتر عقد لقاء مطولا مع ضابط استخبارات إسرائيلي في العاصمة الأردنية عمان. قبل ذلك نشر موقع صحيفة “الغارديان” البريطانية، في نيسان/أبريل 2017، مقالا عن الحرب في ليبيا، وصف فيه الماريشال خليفة حفتر بـ”المتعاون” مع إسرائيل، وأشار إلى علاقته بـ”عميل مخابراتي إسرائيلي مقيم في كندا يدعى آري بن ميناشي”.

أين السر إذا كان حفتر عمل في السابق تحت إشراف “سي أي إيه” وصار اليوم ينسق مباشرة مع “الموساد”؟

ليس مفاجئا أن ينسج حفتر علاقة سرية مع تل أبيب، فعمالته لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية منذ بداية تسعينيات القرن الماضي ليست جديدة، فأين السر إذا كان حفتر عمل في السابق تحت إشراف “سي آي إيه” وصار اليوم ينسق مباشرة مع “الموساد”؟

وحسب صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية فإن حفتر هو “سيسي ليبيا”. نعم، لقد تحول حفتر إلى “فاعل صاعد في ليبيا بفضل هذه العلاقات التي بناها في الأعوام الماضية”، حسب أحد الخبراء. يقول تقرير إسرائيلي إن الدعم الإسرائيلي لحفتر “يجعل إسرائيل في تحالف أكبر بحكم الواقع مع الدول العربية السنية التي كانت تدعم حفتر”. وأن دعم إسرائيل لخليفة حفتر يمكن تل أبيب من “تعزيز دورها في هذه الكتلة الناشئة من الدول السنية الإقليمية، والتي تشارك إسرائيل في تصورها لتهديد كل من إيران والمليشيات التي تدعمها إيران، ومن ضمن ذلك جماعة الإخوان المسلمين”، بحسب الموقع الأمريكي “ميدل إيست مونيتور”.

 لكن تورط إسرائيل في الصراع الليبي وأطماعها في الحصول على “مراكز آمنة” في صحراء ليبيا، كما وعدها بذلك حفتر، يمكن أن تجني من ورائه مخاطر سلبية عديدة، كما تحذر أوساط إسرائيلية. فمن شأن المعطيات المتسارعة والمتقلبة في الفترة الأخيرة أن تعصف بكل آمال تل أبيب في اختراق المنطقة وبالتالي تعقد حساباتها المريحة، التي لا تساهم إلا في زرع مزيد من البلبلة وعدم الاستقرار في منطقة المغرب العربي، شأنها في ذلك شأن تدخل تركيا وفرنسا وروسيا وأميركا، وباقي المتورطين في النزاع الليبي المسلح، الذين يساهمون في الصراع في حرائق ليبيا، حتى “بات يشبه الصراع السوري بشكل متزايد”، يؤكد مسؤول بوزارة الخارجية الأمريكية.

لقد أصبحت ليبيا “ملاذاً للمرتزقة من عدد كبير من البلدان، والعناصر الإرهابية”، كما وصفها الدبلوماسي الروسي ديمتري بيسكوف.

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
free download udemy paid course