مصر وتركيا… حشود على حافة الحرب الليبية

Avatar18015/07/2020
طبول الحرب الليبية تقرع في القاهرة وانقرة... هذا ما تشي به الوقائع الميدانية والمواقف النارية العابرة لحدود ثنائية طبرق - طرابلس، والتي تبدت خلال  اليومين الماضيين في لهجة تصعيدية تركية اشترطت انسحاب قوات المشير خليفة حفتر من سرت والجفرة - الجبهتان اللتان تعتبرهما مصر خطاً أحمر - وقابلها ما يمكن اعتباره طلباً رسمياً وجهه نواب الشرق الليبي إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي للمساعدة في محاربة "الاحتلال التركي".

في تطور من شأنه أن يدفع أكثر فأكثر نحو المخاطرة بمواجهة مباشرة بين مصر تركيا، اعتبر مجلس النواب الليبي أن “الاحتلال التركي يمثل تهديداً مباشراً لبلدنا والدول المجاورة، وبخاصة مصر”، مشدداً على أن “القوات المسلحة المصرية لها الحق في التدخل في الصراع لضمان الأمن القومي لليبيا ومصر إذا ما رأت أن ثمة تهديداً وشيكاً” للبلدين. 

وجاء في البيان: “ندعو القوات المصرية الشقيقة للانضمام إلى الجيش الليبي لمواجهة الاحتلال وحماية أمن البلاد والمنطقة بأسرها”.

وأشار مجلس النواب إلى تعهد الرئيس المصري بإرسال قوات إلى ليبيا إذا حاولت قوات الأمن الوطني الاستيلاء على مدينة سرت ومنطقة الجفرة التي لا تزال حتى الآن تحت سيطرة الجيش الوطني الليبي.

يتلاقى ما صدر من برلمان طبرق مع الخطاب الرسمي الصادر من القاهرة، والذي يشدد على أن الأمن الليبي جزء من الأمن القومي المصري، وهو ما أكد عليه الرئيس عبد الفتاح السيسي في 20 حزيران / يونيو خلال تفقده القوات المصرية على الحدود مع ليبيا، محدداً بشكل واضح “الخط الأحمر” الذي لا يمكن لمصر السماح بتجاوزه – سرت والجفرة – في ما اعتبر  أوضح تحذير لحكومة الوفاق الوطني، وبطبيعة الحال تركيا.

لكن تركيا لا تزال تتجاهل هذا التحذير، فبالأمس جدد وزير الخارجية مولود جاووش اوغلو مطالبة انقرة بانسحاب قوات خليفة حفتر من سرت والجفرة كشرط للتسوية السياسية، لا بل أكد أن انقرة أبلغت موسكو بأن الاستعدادات العسكرية جارية لعملية عسكرية في سرت في حال قرر  المشير الليبي “كسب الوقت” للهجوم مرة اخرى على طرابلس.

ومع أن الجمود الميداني قد بات سيد الموقف منذ ارتسمت خطوط الاشتباك الجديدة غداة خسارة حفتر مواقعه في الغرب الليبي، إلا أن التموضعات الجديدة قد لا تدوم الى الحد الذي يسمح باستئناف مفاوضات التسوية التي تتعقد ظروفها يوماً بعد يوم، إن لأسباب متصلة بالمغامرة التركية الشرق متوسطية التي بات معها رجب طيب اردوغان على خلاف مع اطراف أوروبية عدة (آخرها فرنسا)، أو لأسباب ليبية صرفة، تتصل خصوصاً بخيارات المشير حفتر، والتي لم يعد باستطاعة أحد التنبؤ بها على الإطلاق، بدليل تلويح المتحدث العسكري باسم قواته بفتح جبهات جديدة في أية لحظة.

ومن الطبيعي أن يتلقى حفتر جرعة ثقة جديدة بعد بيان مجلس النواب الليبي الأخير، وفي ظل التناقض الحاد بين الموقفين المصري والليبي.

هذا ما يفسر على سبيل المثال إعلان شركة النفط الوطنية الليبية عن قوة قاهرة جديدة أوقفت الامدادات، بعد يومين فقط من استئنافها، في ما نظر إليه باعتباره محاولة متجددة من قبل الجيش الوطني الليبي لفرض مطلبه بتوزيع متساو لعائدات النفط، كشرط أساسي من شروط التسوية السياسية.

في العموم، لم يصدر حتى الآن من القاهرة أي تعقيب على بيان مجلس النواب الليبي الأخير، مع ذلك يمكن الافتراض بأن طلب المساعدة قد أطلق بالفعل آلية للعد التنازلي لمواجهة كبرى، لا يستطيع أحد التكهن بحجمها وآفاقها.

الفكرة ببساطة هي أن بيان النواب الليبيين استوفى ما يمكن وصفه بالإجراءات القانونية لتفويض المصريين بالتدخل العسكري المباشر لمواجهة حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، أو في الواقع لمواجهة تركيا.

إذاً، من الناحية النظرية لن يكون هناك أي مانع في أن يفي السيسي بوعده في مساعدة الليبيين، أو بمعنى أصح في أن يحرك قواته لمنع تجاوز الخطوط الحمراء المرسومة بين شرق ليبيا وغربها.

لكن السؤال الذي سيطرح نفسه في حال تطور الوضع نحو مزيد من التصعيد: هل أن الأمر سيصل إلى حد الحرب؟ وإذا ما حصل ذلك، فما حجم هذا السيناريو، وهل سيصل الى مستوى الحرب المباشرة بين جيشين إقليميين؟

قد يكون من المبكر رسم سيناريوهات حاسمة، خصوصاً أن ديناميات المواجهة الكبرى تشمل مروحة من الخيارات لدى كل من مصر وتركيا اخذاً في الحسبان موازين القوى العسكرية بين الجانبين من ناحية، والتعقيدات الدولية المتصلة بالمشهد الليبي من ناحية ثانية.

من ضمن السيناريوهات الأقل خطورة أن يكتفي الجانبان المصري والتركي بممارسة حرب الأعصاب، التي تلامس الخطوط الحمراء ولا تتجاوزها، وإلا وقع الاثنان في المحظور. 

مع ذلك، قد يحاول رجب طيب أردوغان اختبار القدرات المصرية من دون أن ينخرط في مواجهة عسكرية مباشرة، وهو يمتلك الأدوات اللازمة لخلق سيناريو عسكري يتم فيه الزج بآلاف الإرهابيين الذين تم جلبهم الى ليبيا، من سوريا وأماكن أخرى، والذين سيحركهم ضباط ومستشارون أتراك في غرف العمليات الخلفية.

في هذه الحالة سيكون من الصعب على قوات حفتر أن تواجه هجمات الإرهابيين من دون مساعدة مصر، التي ستكون في هذه الحالة أمام خيار من اثنين: اما تأمين الإسناد الجوي لقوات حفتر أو القيام بانتشار استباقي لقواتها على طول خط الجبهة بين سرت والجفرة، وهو ما سيعزز احتمالات المواجهة المباشرة مع الجيش التركي الذي من المؤكد أنه لن يقف مكتوف الأيدي أمام محاولة مصر خلق أمر واقع جديد على الأرض.

وبالرغم من أن خياري الرد المصري ممكنان نظرياً، إلا أنه من المستبعد حالياً أن يلتقي الجيشان التركي والمصري وجهاً لوجه في الميدان الليبي لا سيما أن الجانبين يدركان جيداً نقاط القوة والضعف المتبادلة.

ومع أن تركيا تنظر الى نفسها باعتبارها صاحبة أقوى الجيوش “الأطلسية” في حوض المتوسط، إلا أنها لا تستطيع إنكار حقيقة أن مواجهتها هذه المرة ستكون مع أقوى جيش في أفريقيا.

علاوة على ذلك، ثمة اعتبارات عملانية لا يمكن لأنقرة إنكارها، وتتعلق بشكل خاص بمحدودية قدرتها على نقل الإمدادات العسكرية الى ليبيا، مقارنة بمصر التي تتمتع بميزة لوجستية كبيرة في هذا المجال، ستجد تركيا صعوبة في تجاوزها، حتى وإن حاولت تنشيط طرق الإمداد عبر البحر المتوسط، حيث تتمركز ليس فقط الزوارق والغواصات المصرية، بل قطع حربية لجهات أخرى يناصبها اردوغان العداء (فرنسا على سبيل المثال).

ما سبق، يمكن أن ينطبق بشكل أو بآخر على تفاوت القدرات الجوية بين مصر وتركيا، فبالإضافة الى العامل الجغرافي، يجمع الخبراء العسكريون على أن سلاح الجو التركي يعاني من خلل كبير منذ محاولة الانقلاب الفاشلة على رجب طيب أردوغان قبل أربع سنوات، وما تلاها من حملة تطهير ركزت بشكل خاص على ضباط هذا السلاح، وهو ما جعل الأتراك يحاولون خلال الفترة الماضية تعويض هذا النقص “البشري” بتطوير الطائرات المسيرة التي أبلت بلاءً مذهلاً في الميدان الليبي خلال الأشهر الماضية.

مع ذلك، فإن حسابات حقل الحرب بالوكالة قد تختلف في بيدر الحرب المواجهة إن حصلت . هذا على الأقل ما تؤكده سلسلة أحداث مهمة شهدها الميدان الليبي في الآونة الأخيرة، أولها قيام سرب من الطائرات أقلعت من مصر بشن هجوم صاروخي، وُصف بالمذهل حتى في أنقرة، على قاعدة الوطية الجوية التي استولى عليها الأتراك في أيار/مايو، وثانيها المناورات العسكرية الكبيرة التي أجراها الجيش المصري على مقربة من الحدود مع ليبيا، والتي انطوت على رسالة واضحة قد تجعل اردوغان يفكر كثيراً في مخاطر اللعب بالنار.

Avatar

Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free