إصرخوا يا لبنانيّين.. لنعرف أنّنا ما زلنا أحياء!

"ما تطوّلي عليْنا.."، الجملة التي كان يُقفِل بها أبي كلّ مخابرةٍ هاتفيَّة بيننا. ثلاث كلماتٍ، كانت كفيلة بأن تُبكيني أسبوعاً كاملاً، قبل أن أستأنف روتين حياتي في الطاحونة الباريسيَّة. فالهاتف خبيثٌ مخادع، يضع بين المتكلِّمين قرْباً زائفاً يُشعِل عن بُعد ألَمَاً في المهاجر، تعجز التكنولوجيا عن إطفائه.

هو الألم “من غربتي” أيضاً، ذاك الذي كنتُ أسمع صداه في اتّصالاتي مع بيروت. وهو ذاك الألم، ما أعادني إلى البلد بعد طول سفر، ولا شيء غيره. لقد صغتُه دافعاً أوحد لتبرير طلب استقالتي من الإذاعة (حيث كنتُ أعمل). يومها، قلتُ لهم بالمباشر: “أريد العودة. لأنّني أريد أن أكون بالقرب من أمّي وأبي حين يفرِّق الموت بيننا”. كان يخيفني احتمال رحيلهما فجأةً وعلى غفلةٍ منّي، كلحظة الإنفجار. فالعمر لا ينتظر النهايات كي تأتي إلينا، مثلما نشتهي. قُضي الأمر، وبدأتُ أهيّئ ترتيبات العودة إلى الوطن. استقلت من عملي، وزَّعت أثاث منزلي الصغير، شحنت كتبي، وودَّعت أحبَّتي. رجعت إلى بيتي، واستعدت رويداً رويداً حياتي، ومكاناً فقدتُه في يوميّات أهلي وناسي. بعد سنواتٍ قليلة، وبتاريخ هذا اليوم التمّوزي بالتمام، واريْتُ أبي الثرى. وكم شكرتُ الربّ، أنّني ما نكثتُ له وعداً، وما أطلتُ عليه غيْبةً، كما كان يطلب منّي عبر الهاتف.

لم يستوعب أحدٌ من زملائي وأصدقائي الخطوة “المتهوِّرة” التي أقدمتُ عليها. فبنظرهم، كان مَن يأخذ قراراً طوعيَّاً بمغادرة المهجر، إنَّما هو شخصٌ غير مسؤول (عن تصرُّفاته). إذْ يجب أن يكون هناك ظرْفٌ قسريّ، يسوِّغ، منطقيَّاً، هكذا قراراً. مثلاً، ألاّ يتمكَّن المهاجر من إيجاد فرصة عمل، أو أن يُطرَد من عمله، أو أن تطرأ مشكلة في أوراق إقامته، أو علَّة في صحَّته… إلخ. عدا ذلك، من غير المفهوم ترْك كلّ التأمينات والضمانات التي “نزحنا من أجلها”! كانوا يسألونني: “ألَمْ نَذُق الأمرَّيْن حتى تأمَّن لنا ما تأمَّن”؟ بلى. كنتُ أجيبهم. ومن أجل هذه التقديمات، بالذات، غادرتُ لبنان قبل ثلاثين عاماً، ولهذه الغاية، بالذات، يفكِّر لبنانيّون كُثُر، اليوم، بالمغادرة. فعلى قدمٍ وسَاق، تُهيَّأ لهم الأسباب والموجبات للفرار إلى الأقاصي، ورمي وطنهم وراءهم. وبحماسٍ مريب، تُقدَّم لهم الدعوات والإغراءات ليشدّوا الرحال، ويهجروا بلداً اعتُبِر العنصر البشري من أبرز مقوِّماته.

وبغياب أرقامٍ رسميَّة لعدد طالبي الهجْر والهجرة، يحكون في بلادنا عن أفواجٍ وأفواج تراودهم رغبةُ الرحيل، هرباً من “العنف الاقتصادي”. مرعبةٌ هي الأرقام (التقديريَّة) التي يتمّ تداولها. لكنّ المرعب أكثر، هي الرسالة التي يبعث بها هؤلاء المهاجرون “بالنيَّة”، أو مَن هاجر منهم على المستوى الشعوري: “لقد أُسقِط في أيدينا وأُطبِق علينا. لا حلّ يبزغ في الأفق، ولا مَن يرأف بنا أو يؤخِّر هبوطنا المتسارع إلى الجحيم”. والأشدّ ترويعاً في الحكاية، هو مضمون ردِّ حُكَّامنا على رسالة المُحبَطين من اللبنانيّين: “اذهبوا ولا ترجعوا أبداً. فلا حقوق لكم عندنا. لنا الزمن ولكم الساعات. لنا الطرقات ولكم الأحذية. لنا الأعياد ولكم الأراجيح. لنا الإيمان ولكم دُور العبادة. لنا الأمن والأمان ولكم الأقفال والسجون. لنا الثورة ولكم الثوّار”. يا وجعي! هل سرقوا الثورة أيضاً؟

نجح حُكَّامنا، إلى حدٍّ بعيد، في معركة التيئيس. يجب الإقرار بذلك. لقد تفوَّقوا في محاربة الموج، لإغراق أحلام الناس في بحرنا الملوَّث. وإذا ما دقَّقنا في هويَّة المروِّجين للتهجير الجديد، وفي هذا التوقيت المتفجِّر بالويْلات، نشعر أنّ “الموضوع فيه إنّ”، كما يُقال. كيف؟

لا داعي لسرد الدوافع الموضوعيَّة لتحفيز الناس على السفر. فلقد بات يحفظها، الصغير قبل الكبير، عن ظهْر قلب. لكنّ المفيد هنا، ربّما، هو معرفة المستفيد من إبعاد اللبنانيّين عن وطنهم. مَن يهجِّر هذا الشعب المُهجَّر في بلاده أصلاً؟ هل هو العدوّ الصهيوني، مثلاً؟ أم نظام وليّ الفقيه؟ أم ملوك الخليج وأمراؤه؟ أم الأنظمة الغربيَّة التي تقذف “ضيوفها” من النوافذ؟ أم بعض الأنظمة العربيَّة التي تخطِّط لطردهم شرَّ طرْدٍ عن أراضيها؟ أم الدولة العميقة في لبنان؟ بلا ريب، إنّها هذه الدولة بشحمها ولحمها (أو ما تبقّى منهما). فهي تستسهل مداواة الأزمات المستعصية التي تنتجها لنا، عبر تصدير مواطنيها استجداءً للعملة الصعبة من تحويلات أموالهم. وهذا الاستنتاج ليس تخيُّلاً أو مجازاً أو بيتاً في قصيدة هجاء، نُهديه لعصابةٍ حاكمة لا يليق بها إلاّ الهجاء!

تصدير الموارد البشريَّة اللبنانيَّة يدرُّ على الخزينة (وبفضل التحويلات وتحريك القطاع العقاري) أكثر من سبعة مليارات دولار، سنويَّاً. فكيف لا يشجّع حُكَّامنا، والحالُ هذه، أهل لبنان على الهجرة؟ يشجِّعونهم عليها مع حبّة مسْك. وأكثر. هم يسعون جاهدين لتهجير ما أمكن تهجيره من هذا الشعب

دعونا نقرأ، قليلاً، في بعض أرقام ميزان المدفوعات في لبنان. نعرف أنّ سياسات دولتنا الاقتصاديَّة والماليَّة، تصنِّف المغتربين كأهمّ سلعةٍ للتصدير. وإذا حسبنا، أنّ مجمل الصناعات اللبنانيَّة المصدَّرة تتخطّى، بقليل، سنويَّاً، المليارين ونصف المليار دولار، فإنّ تصدير الموارد البشريَّة اللبنانيَّة يدرُّ على الخزينة (وبفضل التحويلات وتحريك القطاع العقاري) أكثر من سبعة مليارات دولار، سنويَّاً. فكيف لا يشجّع حُكَّامنا، والحالُ هذه، أهل لبنان على الهجرة؟ يشجِّعونهم عليها مع حبّة مسْك. وأكثر. هم يسعون جاهدين لتهجير ما أمكن تهجيره من هذا الشعب. لأنّهم لا يريدوننا مواطنين ننكِّد عليهم عيشهم. بل كائناتٍ بشريَّة على طريقتهم: أرقاماً في زمن الإنتخابات، ورعايا في زمن الإستقرار، ومُستعطين في زمن التوظيف، ورُعاعاً في زمن التوتّر. وطالما أنّ الزمن الحالي في لبنان، ليس زمن انتخابات ولا استقرار ولا توظيف، نراهم يهيِّئون الأجواء لموجاتٍ من التوتير والتهجير. ويجبرون شعباً أعزل أن يموت سريريَّاً، بطُرقٍ مهينة. طُرق تتكاثر كالوباء. وأفظعها، الموت وجعاً من الحياة. كثيرون في بلادي لم يعودوا يستطيعون تحمُّل هذا الوجع. في حين، يعتقد البعض منهم أنّ الترياق موجودٌ على بُعد آلاف الأميال من الوطن. واأسفاه، كم إنّهم مخطئون. لماذا؟

لأنّه لا يعرف الغربة، إلاّ مَن خَبِرها. وهذا الكلام ليس تنظيراً أو وجدانيَّات. فالمسألة أعمق من ذلك بكثير. يقول الثائر الأممي الشهير تشي غيفارا: “قد يكون من السهل نقلُ الإنسان من وطنه، لكن من الصعب نقلُ وطنه منه”. وفي قول غيفارا، هو الخبير في تغيير الأوطان، كلّ الحقيقة. عندما كان يشتدّ ألَمُ الغربة عليّي، كنتُ أردِّد في سرّي: “اربطي على قلبكِ يا فتاة حجراً، لعلَّ الحزن يهرب حين يضيق عليه المكان”. وعندها، فقط، كنتُ أستطيع النوم على ظلّي واقفةً “مثل مئذنةٍ في سريرِ الأبد. فلا أحنُّ إلى أحد أو بلد”، على حدِّ قول الشاعر محمود درويش. إنّها معاناةٌ من نوعٍ آخر، تلك التي يعانيها المهاجر يا أصدقاء. معاناة يكمن جوهرها في جدليَّة علاقة هذا المهاجر بـ”المكان”، وصراع الثنائيَّة الذي يرهقه. أي، ذاك الصراع بين المنفى داخل الوطن، والمنفى خارجه.

إذْ مهما سهُلت حياة الإنسان في الغربة، لكنّها تبقى حياةً يُمضي عمره في رتْق اهترائها. ومهما اختلفت أسباب البُعاد، إلاّ أنّ أرواح المهاجرين تظلُّ هائمةً، كمَن يبحث عن ضائعٍ غير موجود. أرواحهم تبقى تحلِّق فوق جراح بلدانهم ومآسيها. وتنزف في دواخلهم من طعنات الخناجر المغروسة في خاصرة أوطانهم. ويؤدّي هذا النزيف الداخلي إلى هُزالٍ في الجسد، ينفِّر المهاجر، عادةً، من الإلتزام ببلد الاستيطان الجديد. ومن التواصل مع أهله، والتأقلم في فضائه، ومساكنة قضاياه، والتآلف مع ثقافته. ويتفاقم هذا السقم، عندما يرفض “مجتمع الاغتراب” أولئك المهاجرين إليه، ويصعِّب عليهم اندماجهم. ولا سيّما، في المجتمعات التي تعطي المكانة الاجتماعيَّة للناس، وفق معايير تختلف عن معايير بلدانهم. فهذا الواقع، يخلق غالباً، لدى المهاجرين شعوراً بالدونيَّة. عندئذٍ، يتَّقد فيهم الشوق والحنين إلى أمكنتهم وناسهم والسياقات النفسيَّة التي ترعرعوا في كنفها. فالمهاجر غريبٌ دائم في المكان الذي يحلّ فيه. وجوده فيه مشروط، وقبوله فيه مشروط. لذا، تُشعِره الغربة بإحساس مَن ينفي ذاتَه عن ذاتِه. ما يتجلّى في أسئلةٍ مثل: لماذا أنا هنا؟ ماذا أفعل هنا؟ كيف وصلت إلى هنا؟… وهذه الأسئلة لا تلبث أن تتحوّل، بعد فترة التكيُّف الأولى، إلى هواجس حقيقيَّة تديرها أزمةٌ دفينة عنوانها “الإقصاء عن الوطن”. معظم المهاجرين يعيشون هذه الأزمة. حتى مَن ينال منهم جنسيَّة البلد الذي يقيم فيه. فهم يُدمنون العيش في سوء فهمٍ أزليّ مع وطنهم الجديد. فتغيير جواز السفر لا يعني تغيير الوطن، كما يزعم بعض الواقعيّين العقلانيّين!

وقد يكون أخطر ما في الاغتراب، أنّه يجعل المهاجر في حالة اغترابٍ دائم. فهو يتحوّل إلى مغتربٍ أبديّ عابرٍ للأوطان. ويصبح المغتربون، مع الوقت، “جماعة” تشدّهم إلى بعضهم البعض “عصبيَّة الاغتراب”. هذه الجماعة يسمِّيها البعض بالـ”placless people”، أي الأشخاص اللامُنتمين أو اللامكانيّين. ويبقى المهاجر كائناً مهدوراً، أبَدَ الدهر، يستولد عذاباتٍ مستدامة. وتتضخَّم حساسيَّته بشكلٍ مفرط. بحيث يصبح كلّ تفصيلٍ مسَّاً (تهديداً؟) بهويَّته الذاتيَّة ومفهومه لذاته.

فعندما كان يناديني أحدهم vafa (الفرنسيّون يستبدلون الـ w بـ v)، كنتُ أشعر بالقهر يعتصر قلبي. فأقول في سرّي: لماذا يبدِّلون اسمي وهو الحرف الأوّل من هويَّتي؟ وعندما يسألني سائق التاكسي، وهو ينظر في المرآة متفحِّصاً سُحنتي الشرقيَّة: من أيّ بلدٍ أنتِ؟، كانت تتملَّكني رغبة جامحة لنَهْره بجفاء: وما شأنكَ يا أنتَ بجنسيَّتي؟ وعندما كنّا نلتقي، أصدقائي وأنا، في مقهى، سرعان ما كان يتعكَّر مزاج النادل، بمجرَّد سماعنا نتحدَّث بـ”العربي”. فنسمعه يُتَمْتِم بانزعاج وهو يسجِّل “الطلبيَّة”: لماذا تأتون إلينا، طالما لا تريدون التكلُّم بلغتنا؟.. وكثيرٌ من مواقف مشابهة كنّا نعيشها، نحن المغتربين، تخفي في طيَّاتها سؤالاً إشكاليَّاً واحداً مفاده: لماذا لا تعودون إلى دياركم؟

وبعيداً عن “حياة الغربة الملتبسة”، حقيقتان دامغتان ذات صلة بـ “وَهْم الشفاء في الغربة” يجب الإشارة إليهما:

الأولى، أنّ الهجرة ليست، بالضرورة، مرادفاً للنجاح والخلاص وحلِّ الأزمات والصعاب التي نغادر الأوطان بحثاً عنها. فهناك، فقط، قلَّة قليلة من المهاجرين تنجح في بلاد الاغتراب، وتحقِّق الامتلاء الكياني في العمل والكسْب والإنجاز. ولا نتكلَّم هنا، بالطبع، عن بضعة مبدعين ممّن استطاعوا تحقيق توليفٍ كياني تجاوز الوطن والمنفى معاً، من خلال احتمائهم بالإنتاج الفكري. أمّا الحقيقة الثانية، فتخصُّ المهاجرين اللبنانيّين، حصْراً. كنتُ أسأل نفسي باستغراب: لماذا يقبل “اللبناني” لنفسه هنا في بلاد الغربة، ما لا يقبله لها هناك في لبنان؟ ولماذا ينسى “هنا” ما يتذكَّره جيّداً “هناك”، كطائفته وتزمُّته وعشقه للفساد ولمخالفة القوانين والتهرُّب من دفع الضرائب و…؟ لماذا؟ لم أحصل يوماً على جواب.

كلمة أخيرة. يتحسَّر الكاتب والخطيب الروماني الشهيرCicero  قائلاً: “لست آسفاً، إلاّ لأنّني لا أملك إلاّ حياةً واحدة أضحِّي بها في سبيل الوطن”. إقتضى أن نصرخ لندرك أنّنا ما زلنا أحياء، ولنقول إنّ الحياة في هذا الوطن ما زالت تستحقُّ التضحية.

وفاء أبو شقرا

أستاذة في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية

Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
download udemy paid course for free