مؤتمر “المستقبل”: الحريري يستنسخ التجربة الأردوغانية (3/3)

ينعقد المؤتمر الثالث لـ"تيار المستقبل" يوم السبت المقبل في الخامس والعشرين من الشهر الجاري برئاسة النائب أحمد فتفت وبحضور ما بين 800 إلى 900 مدعو، بينهم 200 قرر رئيس التيار سعد الحريري تسميتهم أعضاء في المؤتمر. مؤتمر سيكرّس "بمن حضر" إنضمام "التيار الأزرق" إلى النادي الحزبي التقليدي في لبنان، حيث يكون الزعيم الأوحد هو الآمر والناهي.. والبقية تصفق له!

مع اندلاع شرارة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019، لم ترتبك أية جهة سياسية في لبنان كما ارتبك “التيار الأزرق”. لم يعرف “المستقبل” كيف يتعامل معها تأييداً او اعتراضاً، اذ ان بعض محازبيه والكثير من جمهوره التحق بالثورة. جمهور كان مُستفزاً من التسوية التي أتت بميشال عون رئيساً للجمهورية، ومُستفزاً أيضاً من تخلي زعيمه عن الصلاحيات الدستورية التي أرساها إتفاق الطائف، لمصلحة محاصصة كانت الغلبة فيها للتيار البرتقالي ولم يظفر “الازرق” منها بشيء. القانون الانتخابي الأرثوذكسي المضمر بالصوت التفضيلي الواحد ادى الى اضعاف سعد الحريري، وربما كان الهدف هو اضعاف تمثيل الطائفة السنية امام باقي الطوائف.

لم تتسن للحريري حتى فرصة الإستفادة من وهج مظلومية تولدت عند جمهوره لا بل عند الجمهور اللبناني عامة، إثر قرار سعودي كبير بإعتقاله وإجباره على الإستقالة في خريف العام 2017.. الأخطر، أن قرار الإفراج عنه فُرضَ فرضاً على السعوديين، ولم تنجح بعد ذلك كل محاولات ترميم علاقة سعد الحريري بالقيادة السعودية الجديدة. ترافق كل ذلك مع توغل وتغول الازمة المالية داخل التيار، ما أدى إلى شل حركة التيار في المنسقيات والقطاعات. وبدا ان الصورة تجاوزت التآكل الى التفكك.

قرر سعد الحريري أن يتكل على معادلات السياسة الداخلية وفي صلبها الإنفتاح على حزب الله. لم يعد “التيار الأزرق” يشكل رافعة له، بل صار يمثل عبئاً في ظل الضمور الخدماتي وإقفال حنفية المال السياسي.

في هذا السياق، اختار احمد الحريري الإنكفاء وانعكس ذلك على مجمل التيار. خلت المكاتب من عناصر التيار وجمهوره وقطاعاته واهمها الشباب. وذهب التيار الى اقفال مكاتبه احياناً.. ولفترات طويلة. وبقي الأمر كذلك حتى استقال الحريري من رئاسة الحكومة في 29 تشرين الأول/أكتوبر 2019. حاول سعد إستثمار الإستقالة بإطلاق خطاب أراده أن يتماهى وإنتفاضة 17 تشرين/أكتوبر، غير أن تزكيته المبطنة لحسان دياب رئيساً للحكومة ثم مجيء جائحة كورونا، جعلا الأمور تنحى بإتجاه مختلف، حيث تبين ان السلطة بمختلف مكوناتها وبخطابها المذهبي على مر اكثر من عقد من الزمن اقوى من رياح التغيير.

أرسل الحريري وفداً الى انقرة لإستنساخ التجربة الاردوغانية. غاب عن ذهنه ان رجب طيب اردوغان هو مشروع ديكتاتور وان حزب “العدالة والتنمية” لا يختلف عن غيره من الأحزاب الشمولية، وان كانت هذه الاحزاب بشموليتها تترك فسحة من الديمقراطية داخل اطرها التنظيمية

خاطب سعد الحريري جمهوره بإرادة المحاسبة للمنتفعين والخائنين ولكل الذين الغوا ارادة الحياة في “تيار المستقبل”، ثم دعا الى مؤتمر عام للتيار “سيشهد تغييرات جذرية”، كما وعد، وكما كان يرتجي المحازبون.

في خلفية هذه الدعوة الحريرية صورٌ متناثرة لمحطات عبرت، منها ما يتصل بتنامي ظواهر أشرف ريفي ونهاد المشنوق ومعين المرعبي، ومنها ما يتصل بصور ارتفعت في المناطق تضيف شركاء وتلغي أحادية الزعيم او فرادة القائد. هكذا قرر سعد ان يمسك بكل أوراق اللعبة منفرداً، وان يذهب الى حيث كان يتهم الآخرين: تكريس حزب شمولي ورئاسي. لهذه الغاية، أرسل الحريري وفداً الى انقرة لإستنساخ التجربة الاردوغانية. غاب عن ذهنه ان رجب طيب اردوغان هو مشروع ديكتاتور وان حزب “العدالة والتنمية” لا يختلف عن غيره من الأحزاب الشمولية، وان كانت هذه الاحزاب بشموليتها تترك فسحة من الديمقراطية داخل اطرها التنظيمية. لعبة الديكتاتورية خطرة اذ تلغي كل مفاعيل العقل الابداعي في العمل السياسي.

أما النظام الداخلي الجديد والذي سيقر بمادة واحدة ووحيدة كالعادة، فسيلغي المكتب السياسي والامانة العامة وسيتم توسيع مكتب الرئيس ليضمه وثمانية عشر عضواً بينهم خمسة نواب للرئيس بعضهم بمهمات وآخرون بدونها. وسيوزع المهام على باقي الاعضاء على ان ينشئ كل واحد منهم فريق عمل له ضمن اختصاصه. كما سينص النظام الداخلي الجديد على مجلس مركزي مشترك (استشاري) قد يصل تعداده الى 150 شخصاً يضم كل الذين خرجوا من مواقعهم التنظيمية ويجتمع كل اربعة اشهر. وفي الغالب، فانه لن يجتمع، وهو موقع شرفي اكثر منه عملياً، لا بل ربما يصبح مجرد مستودع يركن فيه كل من إنتهت صلاحيته.

ما يظهر جلياً هو ان عدداً من مهمات الامانة العامة التي استفرد بها احمد الحريري سابقاً ستُسحب منه وتتبع للمكتب الرئاسي مباشرة. في هذا السياق، مرّر احمد الحريري بعض الاسماء عبر اللجنة التنظيمية التي كانت تجتمع بسعد الحريري اثناء شرحها للنظام الداخلي، وذلك قبل ان يبادر لاحقا إلى طرح الاسماء بنفسه على رئيس التيار، مستفيداً في لحظة سياسية وتنظيمية من ثقة عالية بنفسه استردها بفعل اطلالة بهاء الحريري عبر “المنتديات” وحركتها في العاصمة والشمال والبقاع، والتي تقلق سعد الحريري كثيراً وتؤرقه في هذه الأيام، برغم إجماع العارفين على أنها “حركة بلا بركة”!

استعاض سعد الحريري عن استعادة الجمهور بالعمل على تغيير كادر الصورة، كأنه حريص على التراث وليس ضنيناً بالمستقبل وتياره

كما أن النظام الداخلي الجديد ردّ الهيكلية التنظيمية كما كانت في المؤتمر الاول. لكنه أناط بمسؤولية الوحدة، وهي اصغر مرتبة تنظيمية الى مسؤول القلم الانتخابي، ما يعني حُكماً ان سعد الحريري قرر أخيراً الذهاب إلى الخيار القديم لنهاد المشنوق بان يكون التيار عبارة عن ماكينة انتخابية اكثر منه حزباً سياسياً وان ما يحتاجه الحزب من قرارات يبقى حصرياً بيد الرئيس.

تركت اللقاءات التي عقدها احمد الحريري، في الأيام الماضية، مع المنسقيات والقطاعات، من أجل تسويق النظام الداخلي انطباعات سلبية، وكان جوابه ان التيار في نظامه الداخلي الجديد يلبي مزاج سعد وإرادته ويلبس بدلة “على قياس رئيسه”. خرج البعض ينعى التيار ويقرأ الفاتحة على روح المستقبل.

الأرجح أن هذا المؤتمر لن يخرج بحزب سياسي راكم تجربة على مدى 13 عاماً. على العكس من ذلك، ثمة إستنساخ لتجارب الآخرين من دون وعي للاختلاف في الظروف او فهم لطبائع التكوين والنشأة او انتباه للحواضن الاجتماعية، ما يطبع “المؤتمر الوداعي الاخير” للتيار إعلاء صورة الزعيم المهزوزة أساساً والتي ستهتز حكماً مع كل محطة سياسية، ومع كل موقف وكل تسوية، من دون مراعاة لمصلحة الناس. سيبقى سعد الحريري واحدا من أعضاء نادي رؤساء الحكومات السابقين أو المرشحين. لكن التيار الذي بدأ بالافول قد يشهد غروبه بقرار من زعيمه.

تحضرني صورة لمشهدية 14 شباط/فبراير او 14 آذار/مارس 2005 كان المشهد عظيماً وآسراً. اخذ سعد الصورة ووضع لها اطاراً مذهبياً زيَن به صدر البيت. الآن تآكلت الصورة وتضاءلت المشهدية. لكن سعد استعاض عن استعادة الجمهور بالعمل على تغيير كادر الصورة، كأنه حريص على التراث وليس ضنيناً بالمستقبل وتياره.

عندما يُنتخب سعد الحريري ملكاً على “التيار الأزرق”، سيصبح وحيداً في حلبة الملاكمة يتلقى الضربات من الداخل والخارج. لن يعود بمقدور أحمد الحريري وغيره، تلقي الضربات بالنيابة عن زعيمهم الذي قرر وبقرار واعٍ أن ينتزع منهم حتى القفازات التي كانوا يرتدونها للمشاركة في الدفاع عن المؤسسة الحزبية ورئيسها وخياراتها. كان يقال سابقاً حتى عند الجمهور “الأزرق” أن سعد الحريري آدمي والبقية كلهم “زعران”. بعد المؤتمر الثالث، سيكون كلام آخر.. وتيار آخر.

(*) الحلقة الأولى، تيار المستقبل: ارتجال التأسيس واختبار المِحن

https://180post.com/archives/11776

(*) الحلقة الثانية، الثنائي الحريري: العودة الصعبة والتيار المفخخ

https://180post.com/archives/11792

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy course