“الثنائي الحريري”: العودة الصعبة والتيار المفخخ (3/2)

على أبواب المؤتمر الثالث لـ"تيار المستقبل" يوم السبت المقبل، لا تزال سمة الجمود السياسي تطبع "التيار". جمود كان بدأ مع مغادرة الرئيس سعد الحريري الى الخارج بعد فرض إستقالة حكومته في مطلع العام 2011 وإستمر أكثر من ثلاث سنوات. كان اللافت للإنتباه أن انخراط "الحريري الثاني" في الحياة السياسية لم يكن من موقعه كرئيس للتيار، بل بصفته السياسية كوريث للحريرية وكزعيم للطائفة السنية وأحد أركان الطبقة السياسية.

مع عودة سعد الحريري إلى بيروت، في صيف العام 2015، بعد غياب إستمر لأكثر من ثلاث سنوات، أعقب تطيير حكومته الأولى، برز الى السطح حديث عن حاجة “التيار الأزرق” الضرورية لمؤتمر عام تأخر لاكثر من سنة عن موعده، وعن وجوب اعادة استنهاضه.

بعد أشهر من تلك العودة، كان لا بد من مواجهة إستحقاق الانتخابات البلدية والإختيارية 2016. مناسبة أبرزت سقوط “تيار المستقبل” مع حلفائه (خصوم الامس) بشكل مدوٍ امام أشرف ريفي في طرابلس. وكادت بيروت تفلت من الأيدي أمام تجربة شابة ووليدة هي لائحة “بيروت مدينتي”، لولا أن “حزب الله” والتيار العوني قررا الإئتلاف مع الحريري، كونه يشكّل حاجة لهما، بمواجهة عصبية سنية ناشئة اتسمت بالتهور السياسي وبالخطاب الشعبوي الغريب عن بيروت وأهلها.. وتأسيساً للتفاهم الرئاسي الذي حصل بعد أشهر قليلة.

كانت الانتخابات البلدية ونتائجها إنذاراً شديد اللهجة في المعقلين البيروتي والطرابلسي للحريري. كان الخصوم هذه المرة جيل من الشباب خاض معركته الانتخابية الاولى بخطاب متمرد على السلطة ومتمرس في استخدام وسائل  التواصل الاجتماعي. تحت وطأة هذه العوامل وغيرها، اختار الحريري مؤتمره الثاني لكي يحدث التغيير إعتماداً على كوتا للمرأة واخرى للشباب من دون ادراك منه ان تياره قد افسدته المحسوبيات ولم يراكم لعناصره ثقافة حزبية او سياسية كافية للتحصين والمناعة، وان شباباً افسدته صفات التزلف والتبعية والاقصاء لا يمكنه مواجهة من تمرد على سلطة تستمد قوتها من الانقسام المذهبي الذي وصل بنا اليوم الى ما نحن فيه.

وفي محاولة لارضاء جمهوره، قرر سعد الحريري ان يعتمد مبدأ الانتخاب على مستوى القيادة الوسطى من دون إقامة اي اعتبار لمعايير التراكم والترقي.. والاخطر من دون أية معايير لمسألة العضوية. هكذا باتت اللعبة بيد من يدفع بطلبات إنتساب لا قيمة لها إلا في صندوقة الاقتراع.

وقد استفاد احمد الحريري من قرارات سعد الحريري، إذ باشر بالاستناد إلى قاعدته الاساسية في قطاع الشباب حشد الطلبات كيفما كان لترسيخ غلبة تمكّنه من التحكم بلعبة الانتخابات في المناطق كما في المكتب السياسي، منتهزاً فرصة ان المكتب السياسي الاول تحمل وزر غياب سعد منفرداً وان الساحة قد تكون له وحده هذه المرة. هكذا حصل تواطؤ غير معلن بين الحريريين (سعد وأحمد). كان الهم منصباً على التنظيم مع غياب فاضح للسياسة. وهذا ما يحصل الآن ومجدداً في ظل تركيز على استدعاء المنسقيات والمكاتب لشرح النظام الداخلي من دون تقديم وثائق سياسية جدية للنقاش. وهذا يحصل في ظل غياب روزنامة سياسية حافلة بدءاً من 7 آب/اغسطس 2020 تاريخ صدور قرار المحكمة الخاصة بلبنان في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري مروراً بالنقاش حول قضية حياد لبنان الذي صار ساحة لكباش اقليمي ـ دولي بين إيران والولايات المتحدة.

إنعقد المؤتمر الثاني للتيار في تشرين الثاني/نوفمبر 2016 وانتهى في اللحظة التي صعد فيها سعد الى منبر “البيال”. ما يريده سعد من نجومية متجددة تحقق بفعل الصورة التي ضمت ما يقارب 2500 عضو في المؤتمر نصفهم لا علاقة له عضوية او بنيوية بالتيار.

في ذلك المؤتمر الثاني، غاب المؤسسون الاوائل، وانتخب، الى  جانب الرئيس سعد الحريري، اعضاء المكتب السياسي الذي اطاح بكل القديم تقريباً آنذاك. والمؤسف ان سعد الحريري عمد الى توسعة عديد المكتب السياسي من دون الإلتزام بالنظام الداخلي، لا بل فعل ذلك عن طريق التعيين (33 عضواً بينهم 20 بالإنتخاب و13 بالتعيين بقرار من رئيس التيار).

بذلك، تجاوز سعد الحريري النظام الداخلي وكل القوانين والاعراف. زاد بكلمة واحدة عدد اعضاء المكتب السياسي. كان المؤتمر اقرب الى مهرجان أسهم نارية. كل واحد يلعب بما يشتهي من الألعاب، لكن ما يجمعهم ضوضاء المدينة واضواؤها. فتم تعديل النظام الداخلي. وأُلغيت بشكل درامي واوبرالي مراتب تنظيمية دنيا، بمعنى تقليص الترقي العامودي في التيار. كان هذا إيذاناً بتغييب مساحة الديموقراطية التي تبدّت ملامحها في المؤتمر الاول. هكذا انتخب المؤتمر ايضاً وبالتزكية رئيس هيئة الاشراف والرقابة محمد المراد ونجح احمد الحريري في تغليب فئة الشباب المطواعين في المكتب السياسي.

هذا الأمر إن دلّ على شيء، إنما على وجود إرادة سياسية حريرية بجعل “التيار الأزرق” على شاكلة كل الأحزاب السياسية التقليدية في لبنان، أي مجرد حزب رئاسي، يعقد مؤتمره بصورة موسمية ولا يخضع رئيسه وباقي الهيئات القيادية للمحاسبة والمساءلة

بعد تعديل النظام الداخلي، بات ممكنا الذهاب الى مؤتمرات فرعية بقرار رجعي. وانتخبت “جحافل المستقبل” الجديدة قياداتها الوسطية مع احتفاظ الامانة العامة بحق توزيع المهام، بحيث تمكن احمد الحريري من تعيين المنسقين العامين للمنسقيات تبعاً للولاء سواء له أو لبعض “أزلامه”، لكن الانتخابات النيابية في العام 2018 خالفت طموحاته وسقطت رهاناته على البعض، فما كان من سعد الحريري إلا أن أطاح بالانتخابات الداخلية ونتائجها، فأصدر قراراً حل بموجبه اربع منسقيات مناطقية ومنسقية الانتخابات المركزية وضرب بعرض الحائط النظام الداخلي متسلحاً بتفويض من المكتب السياسي لصلاحيات لا يملكها الاخير، لكن التيار خضع من دون اي صوت اعتراضي.

وبرغم التحقيقات التي أجرتها هيئة الإشراف والرقابة رداً على إعتراض بعض المنسقيات التي تم حلها، إلا أنه لم يصدر أي تقرير سواء بالمصادقة على ما إتخذ من قرارات أو بنقضها والعودة عنها، الأمر الذي يشي بأن المساءلة والمحاسبة لن تجدا مطرحاً لهما في صلب مناقشات المؤتمر الثالث، وهذا الأمر إن دلّ على شيء، إنما على وجود إرادة سياسية حريرية بجعل “التيار الأزرق” على شاكلة كل الأحزاب السياسية التقليدية في لبنان (حركة أمل وحزب الله والتيار الوطني الحر والحزب التقدمي الإشتراكي والقوات اللبنانية)، أي مجرد حزب رئاسي، يعقد مؤتمره بصورة موسمية ولا يخضع رئيسه وباقي الهيئات القيادية للمحاسبة والمساءلة.

ما حصل من تجريف وتجويف للتيار في المؤتمر الثاني، سيزداد حجمه، غداة المؤتمر. لا صوت يعلو على صوت الرئيس. لا ارادة فوق ارادته. كل شيء يهون مقابل ابتسامته خصوصاً أمام “سلفيات” وشاشات الهواتف الذكية. وقتذاك، تغيّرت الامانة العامة مجدداً أو عدلت وبات لأحمد الحريري أمانة عامة مطواعة لكنه، في الوقت نفسه، ومع الاجراءات التأديبية التي اتخذها سعد الحريري بحق مدير مكتبه وابن عمته نادر الحريري، وما سبقها من “قرارات تعسفية” على مستوى التيار، جعل احمد الحريري يتحسس اشارات غير مريحة، وأثبتت الوقائع اللاحقة أن تقديراته كانت في محلها.

لم تضف لا الأمانة العامة ولا المكتب التنفيذي أية قيمة لحركة الامين العام. غالبية مساعدي الأمين العام لا يتجاوزون حدود الصورة الجامعة. لم يقدموا قيمة مضافة لا في الشأن التنظيمي ولا التثقيفي، ناهيك عن اللاشيء في السياسة. غاب التيار بكل المعايير ولم تبق سوى جولات أحمد الحريري وزياراته “المناسباتية” إلى المناطق. لكنها في لحظة ما، ربما تعدت الخطوط الحمر، إذ باتت صور الزعيم القائد تُرفع مع صور الأمين العام، ما حرّك المشاعر المضمرة ضده في بيت الوسط، وأفسح أمام من يريدون الإصطياد في الماء العكر أصلاً. إثر ذلك، تم تعيين عقاب صقر في الامانة العامة لكنه لم يصمد طويلاً، وكرت سبحة الإقالات والإستقالات وإقفال المؤسسات الإعلامية والخدماتية والصحية إلخ… إلى أن صار المؤتمر الثالث هو المخرج من واقع تنظيمي سيء نحو واقع شديد الغموض والأسئلة.

(*) الحلقة الأولى، تيار المستقبل: ارتجال التأسيس واختبار المِحن

https://180post.com/archives/11776

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course