مصر وتركيا.. ثنائية سيناء – ليبيا مجدداً!

منذ العام 2013، لا يمكن عزل وتيرة العمليات الإرهابية في سيناء عن تطورات المشهد الليبي والعكس صحيح.

بالتوازي مع انفتاح مصر على جهود تثبيت وقف إطلاق النار في ليبيا والبدء في مسار سياسي برعاية أوروبية وأميركية، وذلك عبر سلسلة من الاتصالات بين قصر الاتحادية والبيت الأبيض والإليزيه، أتى الهجوم الأخير على كمين “رابعة” في مدينة بئرالعبد شمال في سيناء، ليشكل رداً على شروط القاهرة وحلفائها الخاصة بمستقبل الخريطة السياسية على الساحة الليبية، والتي يمكن تلخيصها في تحييد المؤثر التركي على حكومة الوفاق، وذلك عبر المليشيات المسلحة المحلية والأجنبية التي ترعاها أنقرة، والتأكيد على رفض إقامة قواعد عكسرية تركية في غرب ليبيا، وكذلك رفض تنحية كل من خليفة حفتر وعقيلة صالح من مشهد المفاوضات المستقبلية.

وتأتي هذه الاتصالات ضمن سلسلة محاولات وساطة دولية وربما إقليمية شملت عدداً من العواصم الأوروبية، بالإضافة إلى موسكو، للحيلولة دون تصاعد وتيرة التوتر في شرق وجنوب المتوسط إلى حدود الصدام العسكري المباشر، وخاصة إذا كان هذا الصدام بين جيشين بحجم وقوة كل من الجيش المصري والتركي، فضلاً عن ارتباط الطرفين بشراكات إقليمية ودولية تجعل من الصعب حصر هذا الصدام بينهما، بالنظر إلى وجود عامل محفز كالخلاف على تقاسم غاز شرق المتوسط ومن سيكون الوسيط الذي سيوصله إلى الأسواق الأوروبية.

وبالرغم من موازاة هذه الوساطة الأميركية بتصريحات رسمية اتسمت بالإيجابية من بعض المسؤولين في الجانبين، إلا أن الإجراءات التي اتخذها كل منهما على مستويات متعددة قزمت فاعلية محادثات دونالد ترامب الهاتفية؛ فمن ناحية كان تفويض البرلمان في مصر للجيش المصري باتخاذ ما يلزم من إجراءات، بما في ذلك إرسال قوات خارج الحدود، بمثابة رسالة تفيد بجدية القاهرة في الذهاب نحو اجراء عسكري من موقع دفاعي ولو بشكل منفرد؛ وفي المقابل شددت أنقرة على خطابها تجاه مسألة “حقوقها البحرية” والتمسك بدعمها لطرابلس والتأكيد على حريتها في التنقيب عن الغاز في المتوسط من دون التنسيق مع أحد، والتلميح إلى قدرة تركيا على الرد على الضربات العسكرية “المجهولة” التي طالت بشائر قواعدها العسكرية في غرب ليبيا.

وضمن سيرورة الفعل ورد الفعل، فإن التضخيم والاهتمام اللذين أولتهما وسائل إعلام قطرية وتركية للهجوم الأخير في سيناء لم يأتيا فقط في إطار التوظيف الدعائي ضمن إطار المعركة الإعلامية بين المحورين – والتي لا تعكس أجواء التهدئة وتأجيل الصدام وتثبيت وقف إطلاق النار السابق ذكره –  وإنما في سياق إلحاق ما يحدث في شبه الجزيرة المصرية بهذه السيرورة، وعدم فصلها عن نمط التصعيد المتبادل بين القاهرة وأنقرة، وفي نفس الوقت إعادة انتاج سردية أولويات مصر المتضاربة التي تفصل بين شمال سيناء وليبيا وكأنهما شأنين منفصلين، وأن تضارب هذه الأولويات يأتي بدافع من خضوع القاهرة لرؤى وأولويات شركائها وخاصة أبوظبي.

السنوات القليلة الماضية قد شهدت نمطاً للتصعيد والتهدئة يتفاعل في كل من سيناء وليبيا تحت عنوان مواجهة داعش واخواتها

يأتي ذلك على الرغم من أن السنوات القليلة الماضية قد شهدت نمطاً للتصعيد والتهدئة يتفاعل في كل من سيناء وليبيا تحت عنوان مواجهة “داعش” واخواتها، ناهيك عن العامل اللوجيستي الذي مثلت فيه الحدود مع ليبيا مصدراً للسلاح والإرهابيين الفاعلين في شمال سيناء وفي العمق المصري ككل.

وفي حين بادرت وسائل الإعلام سابقة الذكر إلى الإعلان أن ضحايا الهجوم الإرهابي بالعشرات من قتلى ومصابين بين صفوف المدنيين والجيش والشرطة، وبجانب تركيزها على أهمية الهجوم ودلالات توقيته، أتت البيانات الرسمية في القاهرة لتؤكد فشل الهجوم الإرهابي، ومقتل 18 من منفذيه واستشهاد جنديين، والتعامل معه بشكل روتيني لا يخرج عن نمط اعتياد الهجمات الإرهابية الدورية ومواجهتها في شمال سيناء، وهو الأمر الذي يشي بأن القاهرة عمدت إلى تفويت فرصة إعادة تفعيل ورقة الهجمات الإرهابية هناك بغية إحراجها على المستوى الإعلامي والشعبي، والدفع مضطرة إلى اتخاذ رد فعل مماثل لسوابق استهداف القاهرة لتمركز وبؤر الإرهاب في المدن الليبية القريبة من مصر بين العامين 2014 و2018.

وبخلاف الحرب الإعلامية، فإن ثمة محاولة مصرية لجعل القوى الإقليمية والدولية تتبنى رؤيتها تجاه خطر الجماعات المسلحة العابرة للحدود، والتي كانت آخر مفاعيلها انتقال أكثر من 16 ألف مقاتل من سوريا إلى ليبيا بإشراف تركي، ومن ثم فإن شراكة القاهرة وتل أبيب في مكافحة روافد هذا الخطر في سيناء على مدار السنوات القليلة الماضية قد تتطور إلى حث الأخيرة لإعلان موقف تجاه التصعيد التركي في ليبيا، وأن تتعمق الشراكة بين مصر وإسرائيل لما يتجاوز مسألة المخاطر الأمنية والحدودية في سيناء وشراء الغاز الإسرائيلي وبقايا الدور المصري المتعلق بالقضية الفلسطينية، إلى تبني موقف الأولى فيما يخص مجابهة التوسع التركي في جنوب المتوسط وشمال أفريقيا.

أيضاً تشكل محاولات الاستقطاب المصري-الإماراتي لإسرائيل وانضمامها بفاعلية لمعسكر المناهضين للطموحات الأردوغانية شرق وجنوب المتوسط وفي المنطقة بشكل عام، فرصة لقطع الطريق لتسوية ثنائية بين أنقرة وواشنطن في المستقبل القريب بعد الانتخابات الأميركية، أياً كان الفائز بها، وقبل ذلك بالطبع ضمان عدم تغير خطط تل أبيب الخاصة بالغاز والطاقة، وتسويتها للخلاف قي هذا الملف أو غيره مع أنقرة بشكل ثنائي بمعزل عن “شركائها” في القاهرة وأبوظبي والرياض.

وبشكل عام فإن كلاً من القاهرة وأنقرة يلتزمان حتى كتابة هذه السطور بالسقف الذي فرضته واشنطن الذي يفضل الفصل في الازمة الليبية بعد الانتخابات الرئاسية ودون الوصول إلى الصدام العسكري المباشر بين حلفائها/شركائها في المنطقة، إلا أن هذا لا ينفي أن البلدين والدول المصطفة بجانب كل منهما مستمران في التصعيد الدقيق بوتيرة ثابتة في ما هو دون السقف الأميركي، للوصول إلى مكسب ما قبيل الجلوس على مائدة مفاوضات أميركية، وتفخيخ أية مبادرة للوساطة والتهدئة تثبت الخطوط الحمراء التي أعلنتها القاهرة، أو تعطل الاستثمار الوحيد والأهم لأنقرة في جنوب المتوسط.

إسلام أبو العز

كاتب صحافي ومحلل مختص بالشؤون الإقليمية والعلاقات الدولية - مصر

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course