ليس لنا إلا الله.. و”الصندوق”
TOPSHOT - A Lebanese woman protester walks draped in a national flag along the Fuad Chehab avenue, near the Martyrs' Square, in the centre of the capital Beirut on October 29, 2019 on the 13th day of anti-government protests. - An unprecedented cross-sectarian movement has brought major cities across Lebanon to a standstill since October 17, as protesters keep up demands for a complete overhaul of the political system. (Photo by JOSEPH EID / AFP) (Photo by JOSEPH EID/AFP via Getty Images)

اثارت مقالتي الاخيرة في موقع 180 بعنوان "حزب الله الى أين" تعليقات عديدة حملتني على توضيح ما كتبت.

أبدأ بما كتبته في مقدمة المقالة عن تحالف حزب الله والتيار الوطني الحر: “شكّل تحالف حزب الله والجنرال ميشال عون قبل 14 عاماً، بالنسبة إليَّ وإلى كثيرين من أمثالي، معقد الآمال الأخير لبناء دولة توصف بالشفافية والنظافة والفعالية والازدهار والحداثة. الآن، أستطيع القول إن هذا التحالف قد خيّب الآمال”.

أتحدى ان يدّعي أحد العكس. أتحدى العقلاء في الحزب والتيار أن يقولوا إن الاوضاع الراهنة لم تخيب آمالهم. هل الاوضاع اليوم هي احسن مما كانت عليه ليلة انتخاب الجنرال عون رئيساً للبلاد؟ اعتقد ان ايّ عاقل في الحزب والتيار يعرف في اعماقه ان الاوضاع السياسية والاقتصادية والمالية وحتى الامنية، تسير من سيء الى اسوأ، وأن الانهيار الكامل والشامل آتٍ إذا لم يبادر العهد وبسرعة إلى القيام بالاصلاحات الوطنية اللازمة. هذا لا يعني ان العهد والحزب اوصلا لبنان الى هذه الحالة، انما هما فشلا في ادارة الأزمة أو منع حدوثها، وما زالت حكومتهما تجهل او بالاحرى ترفض ان تسير بطريق اصلاح اقتصادي ومالي يوقف التدهور المتسارع.

ثمة ملاحظة اخرى من المنتقدين أنني تجاهلت مسؤولية الولايات المتحدة في صناعة الازمة التي يتخبط فيها لبنان. اسارع للقول وبلا تردد. حتماً، هناك مسؤولية كبيرة على الولايات المتحدة وغيرها من قوى اقليمية وعربية واوروبية، غير أن مقالتي الأخيرة تعالج الاسباب الداخلية التي سرّعت وصول لبنان للحالة التي يتخبط فيها حالياً.

هناك عوامل كثيرة سببت الانهيار الاقتصادي والمالي وقد نشرت عدة مقالات على صفحات هذا الموقع تشرح الاسباب الداخلية التي اوصلت لبنان الى الحالة الراهنة، ومنها ان النظام المالي والاقتصادي الذي ولد في منتصف تسعينيات القرن الماضي كان لا بد ان ينفجر. بدأ خبراء صندوق النقد الدولي يتوقعون انهياره منذ ولادته، وذكروا ذلك في تقاريرهم السنوية. كانوا يطلبون من لبنان تعويم الليرة واعتماد سياسة نقدية تعيد لبنان الى عهد الازدهار الحقيقي، وتخفيض سعر الفائدة المرتفع جدا مقارنة بالمعدل الدولي، وذلك لتشجيع الاستثمار في قطاعات الزراعة والصناعة والسياحة، بالاضافة الى اعتماد ميزانية متوازنة تحققت فقط في بعض سنوات عهد الرئيس اميل لحود. وأخيراً، وليس آخراً، اصلاح قطاع الكهرباء الذي كلّف الدولة لغايته ما يزيد  عن الاربعين مليار دولار.

ترك الوزيران القطري حمد بن جاسم والتركي أحمد داود أوغلو بيروت غاضبين وحاقدين بعد امتناع حزب الله عن تأييد تكليف الحريري بتشكيل الحكومة

فشل النأي بالنفس

لا ينفي هذا التحليل أبداً وجود اسباب اقليمية ودولية سرّعت الانهيار المحتوم. لنبدأ من الإقليم، فالدول الخليجية اهملت لبنان، مساعدات واستثمارات وسياحة، منذ كانون الثاني/يناير 2011، اي منذ استقالة حكومة سعد الحريري الأولى وبدء الاستشارات النيابية الملزمة لاختيار من يكلف محله بتشكيل الحكومة الجديدة. وقتذاك، زار وزيرا خارجية تركيا وقطر بيروت واجتمعا بالقيادات اللبنانية المؤثرة في مجرى إختيار الرئيس المكلف، وانتظرا آنذاك حتى ساعة متاخرة من الليل لمعرفة قرار حزب الله، وكانا قد زارا دمشق وسمعا من الرئيس بشار الاسد ان  القرار للبنانيين وهو يثق بالسيد حسن نصرالله. ترك الوزيران القطري حمد بن جاسم والتركي أحمد داود أوغلو بيروت غاضبين وحاقدين بعد امتناع حزب الله عن تأييد تكليف الحريري بتشكيل الحكومة.

شاءت الاحوال ان تبدأ الحرب السورية بعد حوالي الشهرين من ذلك الحدث، وسارعت دول الخليج وتركيا لدعم معارضي النظام السوري وأٌقفلت الشرايين البرية بين الخليج ولبنان. حاولت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي “النأي بالنفس” والابتعاد عن الخلافات العربية لكنها فشلت بالإتجاهين. جرى إتهام تيار المستقبل ممثلاً ببعض رموزه الأمنية والسياسية باستخدام شمال لبنان لمد المعارضة السورية بالمال والسلاح الخليجي، وفي المقابل، سجل في العام 2012، إنخراط حزب الله في الحرب السورية بعد سقوط منطقة القصير الحدودية بأيدي مجموعات سورية مسلحة. تدريجياً، إنتقل الخليجيون من موقع عدم الاهتمام بلبنان الى مرحلة نأيهم بأنفسهم نهائيا لا بل اصبح موقفهم سلبيا في الوقت الراهن.

مأخذان خليجيان على عون

تاريخيا، يوجد مأخذان خليجيان على العهد وعلى فخامة الرئيس بالذات. المأخذ الاول يعود الى العام ١٩٩٠ عندما اجتاح صدام حسين الكويت. وبينما شجب رئيس حكومة الامر الواقع، الدكتور سليم الحص الاجتياح ودعا العراق الى انسحاب فوري من الكويت، ايد رئيس الحكومة الدستورية (العسكرية) الجنرال ميشال عون الاجتياح العراقي للكويت. والجدير بالذكر ان وزير خارجية الكويت وقتذاك، حاليا امير دولة الكويت الشيخ صباح احمد الصباح، كان رئيسا للجنة العربية السداسية لانهاء الحرب في لبنان (كانون الثاني/يناير – ايار/مايو ١٩٨٩) وكان داعماً قوياً للجنرال عون وحكومته، ما اغضب دمشق وقتذاك وحملها الى طلب تغيير اللجنة في اجتماع قمة عربية عقد في المغرب في ايار/مايو من السنة نفسها.

المأخذ الثاني وقع في خريف العام 2017 عندما اتهم الرئيس ميشال عون السعودية باعتقال رئيس حكومة لبنان سعد الحريري، واوفد وزير خارجيته المهندس جبران باسيل الى العواصم الاوروبية لحملها على الضغط على السعودية لاطلاق سراحه.

العقوبات الصارمة حملت سوريا الى استيراد بعض السلع الاساسية من خلال لبنان وبطريقة غير رسمية، مما فاقم بانتقال العملة الصعبة من لبنان الى الخارج لضمان استيراد تلك الحاجات

علينا ألا نغفل حقيقة وجود مشاكل لدول الخليج المعنية تاريخياً بلبنان مع ايران منذ عقود من الزمن، حتى صاروا يعتبرون لبنان، في السنوات الأخيرة، إمتداداً للنفوذ الايراني، وثمة من يجزم أن السعودية منحت سعد الحريري فرصة غير مفتوحة في العام 2016 لدعم ترشيح الجنرال عون للرئاسة ومن ثم العمل معه للتخلص من هيمنة الحزب عليه وعلى البلد، لكن الحريري فشل من وجهة نظرهم بهذه المهمة. ان مقاطعة دول الخليج للبنان ادت إلى وقف تدفق اموال الخليجيين اليه، كما انخفضت تدريجيا تحويلات لبنانيي الخليج، الأمر الذي كان من بين أسباب تراجع التحويلات بالعملة الصعبة للمصارف اللبنانية.

العقوبات الأميركية

اما بالنسبة الى الاسباب الدولية التي ساهمت في تسريع التدهور الاقتصادي والمالي المحتوم، فهناك، على الاقل، اربعة عوامل تتعلق باوروبا والولايات المتحدة: العقوبات الاميركية على كل من حزب الله وايران وسوريا، بالاضافة الى قضية النازحين السوريين في لبنان. وسأعرض كل عامل من هذه العوامل على حدة.

أولاً، اقر الكونغرس الاميركي، ومن دون معارضة تذكر، عقوبات على حزب الله عام 2015، بعد ان كان الحزب لسنوات على لائحة المنظمات الارهابية. هذه العقوبات لم تكن عملياً على حزب الله وحسب، بل طالت لبنان، برغم اصرار الاميركيين على نفي ذلك. فلقد شجعت العقوبات البعض في لبنان على تهريب اموالهم الى الخارج، كما لجمت رغبة البعض الآخر في تحويل الاموال الى لبنان. ان تنفيذ العقوبات على مراحل فاقم الضرر على اللبنانيين. ومع ان حزب الله لا يستعمل المصارف لتسيير اعماله، الا ان الضغط الاميركي على المصارف اللبنانية لوقف التعامل مع اي مؤسسة تتعامل مع الحزب، زاد منسوب الضرر على الاقتصاد اللبناني وخلق حساسية بين المصارف والحزب. في المقابل، فشلت الإدارة السياسية والنقدية اللبنانية في معالجة هذه المشكلة المصطنعة، دبلوماسيا مع واشنطن.. وعمليا في لبنان.

ثانياً، أثّرت العقوبات الاميركية على ايران سلباً على قدرة الأخيرة في تسويق بترولها. تدريجياً، راح يتدهور الاقتصاد الايراني وانهارت العملة الايرانية وشحّت العملة الصعبة، مما حمل طهران على تخفيض مساعداتها الى حلفائها في المنطقة ومنهم حزب الله. وبرغم ان لايران شبه اكتفاء ذاتي زراعيا وصناعيا، لكنها تعاني من نقص كبير لسد حاجات شعبها، خصوصاً وأنها دولة مترامية الأطراف.

ثالثاً، أثرت العقوبات الاميركية والاوروبية على سوريا ايضا سلباً على لبنان. وبرغم ان تداول العملة الصعبة بين لبنان وسوريا كان دائما لمصلحة الاخيرة بسبب وجود مئات الآلاف من العمال السوريين في لبنان، الا ان العقوبات الصارمة حملت سوريا الى استيراد بعض السلع الاساسية من خلال لبنان وبطريقة غير رسمية، مما فاقم بانتقال العملة الصعبة من لبنان الى الخارج لضمان استيراد تلك الحاجات.

رابعاً، ان الاكثرية الساحقة من السورييين النازحين الى لبنان غير مسيسين وبامكانهم العودة الى ديارهم بكرامة وامان بعد ان وصلت سوريا الى إستقرار نسبي، خاصة ان سلطة الدولة السورية تشمل منطقة ممتدة من درعا في الجنوب الى حلب في الشمال مروراً بكل وسط سوريا. حتى الآن، يرفض الاميركيون والأوروبيون عودتهم، وبالتالي، افشلوا محاولة لبنان تسهيل عودة النازحين بكرامة إلى بلادهم، برغم تخفيض المجتمع الدولي تدريجيا مساهماته الداعمة لهؤلاء النازحين. أولا، هم يعتبرون ان عودة النازحين غير آمنة ومن شأنها مساعدة النظام ورئيسه في اعادة الاعمار وهم يرفضون ذلك الى حين يقبل الرئيس بشار الاسد بدستور جديد لسوريا يرضي المعارضة. وثانيا، ان الاوروبيين بالاخص يخشون نزوح هؤلاء الى اوروبا بعد عودتهم الى سوريا في حال عادت الحرب الى مناطقهم أو بسبب تهربهم من الجندية الإلزامية.

لا العراق ولا ايران ولا حتما الصين جمعيات خيرية، فماذ يمكن ان يعطي لبنان لايران او للعراق مقابل الحصول على النفط من ايّ منهما؟ وماذا يمكن للبنان ان يعطي الصين مقابل الاستثمارات التي يمكن ان تأتي منها؟

مضيعة وقت

يمكن اضافة العديد من الأسباب الداخلية والخارجية الى ما ورد في مقالتي هذه وغيرها. لكن المسؤولية في النهاية تقع على عاتق اللبنانيين وبالاخص اهل الحكم. ان الاصلاحات المطلوبة ليست مفروضة من الخارج. لقد عدّدها مراراً اقتصاديون لبنانيون وإلتزمت بها “نظرياً” الحكومات المتعاقبة من “باريس 1” إلى “سيدر”، وهذه المطالب عرضها صندوق النقد للمفاوضين اللبنانيين في أولى جلسات المفاوضات. ان كل مندرجات ما بعد تلك الجلسة بين الصندوق والحكومة باتت مضيعة للوقت: الحكومة تُوهم اللبنانيين انها تسير على الطريق الصحيح والصندوق يساير لبنان لإدراكه بصعوبة وقف المفاوضات مع بلد عضو يملك اسهماً في رأس مال مؤسسة صندوق النقد.. ولو كانت نسبتها قليلة.

ان خيار الاتجاه شرقا ليس موجودا. صادرات لبنان من قطاعي الزراعة والصناعة صغيرة جدا ومضاعفات هذا الخيار مكلفة ولا تساعدنا في حل مشاكلنا. كذلك ليس لسوريا والعراق وايران فائض من العملات الصعبة لتساعدنا في معالجة ازمتنا. ربما تنجح ايران في كسر الطوق التي فرضته عليها واشنطن، بالتعاون والشراكة مع الصين، لكن ما يسري على إيران لا يسري علينا. بكلام اخر، لا العراق ولا ايران ولا حتما الصين جمعيات خيرية، فماذ يمكن ان يعطي لبنان لايران او للعراق مقابل الحصول على النفط من ايّ منهما؟ وماذا يمكن للبنان ان يعطي الصين مقابل الاستثمارات التي يمكن ان تأتي منها؟

ليس للبنان إلا صندوق النقد الدولي وصندوق النقد العربي وغيرهما من المؤسسات الاقليمية والدولية. مثل هذه المؤسسات وحدها مؤهلة لمساعدة دول تواجه ازمات كالتي يواجهها لبنان اليوم. هل كان ضرورياً أن يقول لنا وزير خارجية فرنسا إن صندوق النقد هو الممر الإلزامي لأموال سيدر وغيرها من الصناديق الأوروبية والدولية؟

كان الله في عوننا.

عبد الله بو حبيب

سفير لبنان الأسبق في واشنطن

Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course