العنبر رقم 12: هُنا تبدأ ثورة القضاء اللبناني

قبل كارثة مرفأ بيروت وبعدها، استشعر المواطن اللبناني، بمطلب بديهي جامع، هو أهمية السلطة القضائية في دولة القانون، لكن القضاء اللبناني نفسه لم يستشعر أن له دوراً في إنقاذ وطن يحتضر.

أمام أزمات الفساد المتتالية والمتمادية، تداولت الصحافة اللبنانية ملفات قضائية مختلفة متعلقة بمسارات قضائية، منها ملف حجز السفينة المحملة بنترات الأمونيوم في مرفأ بيروت، وطلبات قدمت أمام قضاة العجلة في بيروت حول مصير البضائع الخطرة الموضبة في العنبر رقم 12، وتقارير أمن الدولة التي أرسلت إلى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية وإلى مدعي عام التمييز القاضي المستقل افتراضاً، ولم يحركوا ساكناً (قبل تعيين مدع عدلي في القضية) برغم علمهم بطبيعتها وخطورتها. يضاف إلى ذلك إغفال النيابة العامة عن تحريك الدعوى عفواً على أثر الانفجار، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل حول طبيعة عمل القضاء وكيفية إدارته لملفاته وتحسسه للمسؤولية التي يتضمنها، وفعالية دوره، وبالتالي أهمية هذه السلطة في التكوين السياسي والاجتماعي للدولة، في مرحلة تسيطر فيها المصالح الخاصة على القرار السياسي، مع تعميم ثقافة الفساد، وتحول المواطن إلى رقم في حسابات أرباح الشركات القابضة على المصالح المفصلية، بعيدا عن أية رقابة ومن أي نوع كانت.

يعتبر القضاء أحد الاركان الثلاثة في الدولة الحديثة إلى جانب السلطتين التشريعية والتنفيذية وأحد أهم ضمانات الديمقراطية. ومع التطورات الاجتماعية والتفاعلات التي حصلت منذ تأسيس الدولة الحديثة، بقيت المؤسسة القضائية الضمانة الاساسية للاستقرار الاجتماعي والمعيار الاساسي للتوازن بين مؤسسات الدولة، من الدولة البوليسية إلى دولة الرعاية إلى المرحلة النيوليبرالية حيث لم تستطع الدولة تحديد هوية واضحة لها ولدورها في المجتمع.

بقي القضاء العنصر الثابت الوحيد الضامن للتوازن الاجتماعي مع مختلف التطورات التي طرأت على المجتمعات، لا بل دخلت في أدواره عناصر ذات طبيعة اجتماعية واضحة لم يكن معترفاً بها عند وضع أسس القضاء في الدولة على خلفية نظريات عصر الأنوار في فرنسا.

أصبح دور المؤسسة القضائية مع التحولات التي نتجت عن النيوليبرالية ترتبط بمفهوم الحوكمة وتفعيل حكم القانون حيث يصبح القرار داخل القطاعات المختلفة تشاركياً بين من هو الممثل التقليدي لمكونات المجتمع ومن هو الممثل في المفهوم الحديث. لذلك، أصبح الانتخاب شكلا من أشكال اختيار القاضي – الانتخاب من المواطنين أو من جمعية عمومية للقضاة. وأصبح الحراك النقابي داخل القضاء، أو تأسيس أندية للقضاة مطلباً ديمقراطياً حديثاً بعدما كانت ترفضه السلطة القضائية التقليدية. وبات التركيز على أخلاقيات عمل القاضي جزءاً أساسياً من دوره مع ابتعاد القانون الوضعي عن مواكبة حاجة المجتمع.

هذه التحولات فرضت نفسها في الدول التي واكبت أنظمتها معظم التغيرات التي عاشتها مجتمعاتها. ففي الدولة التي عاشت تطوراً طبيعياً لتكوين السلطات واحترام الشرعية والديمقراطية وحافظت على دور مؤسساتها القوية، فقدت الدولة بمفهومها الحديث أدوراً أساسية كانت تضطلع بها أمام التداخل في الأدوار الذي فرضه النظام النيوليبرالي بين مشاريع الاستثمار الدولية والمؤسسات الرسمية المحلية. لذلك فرضت القواعد الحديثة شرطاً أساسياً لضمان فعالية مؤسسات الدولة ألا وهو عدم تضارب المصالح بين المسؤولين أصحاب القرار والمصالح الاقتصادية التي تخضع لقواعد حرية التجارة.

غرق القضاء في لعبة الانحراف نحو مصالحه الخاصة، وهو الفخ الأساسي في النظام النيوليبرالي. فإما أن تنفصل المصالح عن أصحاب القرار وإما أن تنزلق السلطة إلى الدولة الفاشلة، وهذا ما حصل

دخلت جريمة الفساد في صلب المنظومة الجنائية الدولية الحديثة. فالدولة هي المؤسسة التي نشأت لإدارة شؤون المجتمعات والمحافظة على استقرارها، وتوجهت الأنظار إلى دور أساسي وجذري للمؤسسة القضائية لضمان الرقابة وتفعيل حكم القانون، باعتباره المؤسسة الرسمية الوحيدة المعنية بضمان العدالة الاجتماعية. لذلك، تم التركيز على معيار استقلالية السلطة القضائية ليس فقط عن السلطة السياسية وإنما أيضاً عن كل المصالح الاقتصادية المعنية بالمصلحة العامة.

أما في الدول التي فشلت في الانتقال بمجتمعاتها إلى ما بعد الحداثة، كما هو الواقع اللبناني، فقد خرجت أهداف السياسة عن غاية وجود الدولة وأصبح القضاء عاطلاً عن تحقيق مبتغاه سواء الكرامة او محبة الحياة، وهي الحجج التي يتنازع من خلالها الأطراف السياسيون.

فقد فضحت الازمة المصرفية والمالية تقاطع المصالح بين سلطة المصارف وبين ما قُدّم من تفضيلات إستثنائية إلى القضاة من خلال قروض تتخطى شروط القروض القانونية العادية. فكانت المخالفة القانونية الاولى من قبل من هو مؤتمن على رقابة تطبيق القانون وملاحقة المخالفات. تدريجياً، غرق القضاء في لعبة الانحراف نحو مصالحه الخاصة، وهو الفخ الأساسي في النظام النيوليبرالي. فإما أن تنفصل المصالح عن أصحاب القرار وإما أن تنزلق السلطة إلى الدولة الفاشلة، وهذا ما حصل في نموذجنا اللبناني.

استجدى الناس في مظاهراتهم القضاء المستقل وبقيت المؤسسة المعنية بعيداً عن السمع. وعند العودة إلى مضمون الشرعة العالمية لحقوق الإنسان، يشكل القضاء العادل والنزيه والمستقل القضاء المنشود الضامن للدولة. واستقلالية القضاء ليست منفصلة عن نزاهته من حيث المبدأ، إذ أن النزاهة الأخلاقية معيار مرتبط بفصل مصالحه الخاصة عن دوره الاجتماعي.

فالعدالة هي الهدف المنشود اجتماعياً من تطبيق القانون الوضعي الصادر عن السلطة المنتخبة، وهو المعيار الذي يجعل من القضاء الميزان الأساسي للاستقرار الاجتماعي، والاداة الرابطة بين السلطة السياسية والمواطن. بهدف تحقيق هذا الدور، تحكم هذه السلطة باسم الشعب وتعتبر ركناً للديمقراطية.

ومن حيث الاستقلال عن السلطة السياسية، نكاد نحسم انتفاء هذه الصفة عن كل قاض دخل السلك منذ مرحلة اتفاق الطائف – مرحلة اعادة تكوين الدولة المفترضة – وإن كانت كفاءته العلمية والأخلاقية كافية لتولي هذا المركز أو ذاك. إذ إن آلية تعيين القاضي وانتقاله وترقيته بذاتها جديرة بقوة دفعه إلى أبواب سياسيين أو أزلامهم الموكلين متابعة ملف القضاء.

أي رهان على الإصلاح والتغيير سيبقى مستحيلاً إذا لم نضع يدنا على الجرح الكبير: للقضاء كمؤسسة دستورية أساسية، دوره المركزي والتأسيسي في إعادة تكوين الدولة

يبقى أن انتفاء صفة الاستقلالية في دويلة فاشلة لا تنفي عن القاضي صفة استقلاله عن المصالح الاقتصادية والنزاهة، فهذه الصفة تبقى معلقة إلى حين إثباتها من خلال أدائه المهني. وهذا ما يفسر موقفاً تكرر حول إيمان المواطنين ببعض القضاة وليس بالسلطة القضائية لأن استيلاء السلطة السياسية بفاسديها على أداء السلطة القضائية يضع نزاهة النزيهين من القضاة على المحك.

فكيف لقاض نزيه أن يقبل بإصدار أحكام بناء على تعليمات سلطة سياسية؟ وكيف له أن يرتضي هذه السمعة؟ وكيف له أن يصدر حكماً ويجده مرمياً في سلة مهملات زعيم ساقط؟ وكيف له أن يقبل بأن يكون حرفاً ناقصاً في كتاب ملوث؟ كيف يرتضي قاضي عجلة يصل إليه ملف يكشف عن وجود هذه الكمية من المواد الخطرة في المرفأ ولا يطلب إحالتها إلى النيابة العامة؟ وكيف له أن يتكرر أمامه طلب مستعجل لسنوات عدة ولا يحرك دعوى فساد إداري؟ وكيف لنا أن نقبل بسلطة لم يظهر منها محقق على مسرح الجريمة المشهودة؟ ألا يعتبر انتفاض القاضي جزءاً من أخلاقيات عمله وإن كان القانون الوضعي لا يسمح له بذلك؟

لقد تأمل الناس ببعض الكتب التي صدرت عن نادي قضاة “مستقلين”، وهم الذين ربطوا استقلال سلطتهم بحفنة دنانير من بلاط جائر، وأعلنوا شكرهم انحناء. كما أنهم “دوزنوا” أداءهم مع سلطات فاسدة ومسؤولين قضائيين موكلين من سلطات طائفية، على نغمات أنين شعب ثائر، واستفادوا من لائحة تشكيلات مواقع مركزية جُلّ طموحهم هو الوصول إليها.

حدد المواطن مطالبه.. فصم القضاء آذانه وصد الطرقات إليه وأقفل أبوابه ونوافذه على كل إحتمالات الحق.

أمام هذه النكبة الكبرى في بيروت، لا تنفع تحقيقات ولن ينفع تدويل أو تحقيق محلي شبه مُدوّل. فالكل مرتبط بالمصالح نفسها – بين الديني والطائفي – وبين المحاور الاقليمية والسياسة الدولية، وبين المصالح المالية وصفقات الفساد التي تعتري مشاريع العديد من المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، عداكم عن المحلية منها.

أمام هذا الواقع، لن تنفع فقط المحاكمة العلنية وأن يبقى التحقيق سرياً لاستعادة ثقة المواطن بأداء قضائي.

التحقيقات يجب أن تكون علنية والمحاكمات شعبية. دون ذلك، ستستطيع هذه السلطة بالتعاون مع المصالح الدولية من الرقص مجدداً على أشلاء الضحايا، وأن تحلق سكرى فرحاً على غيمة فطرية، مستغلة مساعدات دولية أتت أيضاً – كالقضاء – باسم الشعب اللبناني.

لقد شكّل انفجار بيروت نقطة تحول في المسار السياسي والاجتماعي للدولة اللبنانية، وحمل تغيرات على مستوى النظرة الاقليمية والدولية إزاء لبنان، إلا أنه لم يؤثر في خلق خطاب سياسي ومؤسساتي، لا سيما في جسم القضاء اللبناني. أي رهان على الإصلاح والتغيير سيبقى مستحيلاً إذا لم نضع يدنا على الجرح الكبير: للقضاء كمؤسسة دستورية أساسية، دوره المركزي والتأسيسي في إعادة تكوين الدولة، ولذلك، شروط عديدة، لكن من هنا البداية.. والنهاية.

 

Avatar

دكتوراه في القانون/أستاذة في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية

Free Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course