فرنسا والإمارات.. صفقات وسجون سرية في اليمن

Avatar18010/09/2020
كتبت الصحافية الفرنسية إيفا تييبو تحقيقا في موقع "أوريان 21" حول العلاقات الدافئة بين فرنسا والإمارات العربية المتحدة، كشفت فيه ظروف صمت الحكومة الفرنسية منذ إفشاء استعمال الإمارات لمصنع تصدير الغاز اليمني ببلحاف كقاعدة عسكرية وسجن سري، في 2019، حيث تملك شركة توتال الفرنسية 40% من أسهم المصنع المذكور! 

“إننا نتحدث عن التعذيب، وهذا أمر خطير للغاية”. هكذا عبرت النائبة كليمونتين أوتان عن حزب فرنسا المتمردة عن صدمتها أمام تحفظ الحكومة الفرنسية، وقد تطرقت للموضوع أكثر من مرة في البرلمان. إذ يخفي مصنع تصدير الغاز في بلحاف باليمن – والتي تمثل شركة توتال الفرنسية شريكه الأساسي بامتلاكها 40% من الأسهم – قاعدة عسكرية وسجنا سريا للإمارات العربية المتحدة.

من بين شبكة السجون الإماراتية في اليمن، اهتمت منظمة الأمم المتحدة بسجن بلحاف في سبتمبر/أيلول 2019. بعدها بشهرين، نشر كل من “مرصد التسلح” – وهي جمعية تناضل من أجل شفافية أكبر في سياسة الدفاع وبيع الأسلحة الفرنسية- و“سوم أوف أس” (SumOfUs) و“أصدقاء الأرض” (Les Amis de la terre) تقريرا يتضمن شهادات أشخاص سجنوا في هذا الموقع. وتندد هذه المنظمات غير الحكومية بـ“معاملات غير إنسانية ومهينة (حرمان من العلاج وتعذيب) قام بها جنود إماراتيون”.

أعلنت كذلك المنظمة غير الحكومية السويسرية “مجموعة حقوق شمال أفريقيا والشرق الأوسط” (Mena Rights Group) أن لديها شهادة شخص سجن في بلحاف، كما أطلقت في يونيو/حزيران 2020 إجراء بالقرب من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وفي يوليو/تموز 2020، كشفت وكالة الأنباء الفرنسية أنه تم فتح قضية في أكتوبر/تشرين الأول 2019 في باريس ضد ولي العهد الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان حول إمكانية مشاركته في أعمال تعذيب بمراكز الاعتقال. وقد قدمت الشكوى “باسم ستة يمنيين مروا من هذه السجون”، وفق محاميهما الفرنسيين جوزيف بريهام ولورانس غريغ.

سهو غريب من لودريان

وبينما كانت صيحات الإنذار تتوالى من قبل المجتمع المدني، حاول النائبان كليمونتين أوتان وألان دافيد (الحزب الاشتراكي الفرنسي) لفت انتباه الحكومة الفرنسية. وقد كان وزير الخارجية جان إيف لودريان يجيبهم في نوفمبر/تشرين الثاني 2019: “لقد قرأت مثلكم المقال حول ملف بلحاف في اليمن، وأنا بصدد العمل على تحقيق لفهم ما يمكن أن يكون وقع هناك”. لكن عندما طرح عليه السؤال مجددا في يوليو/تموز 2020، أساء الوزير نطق اسم الموقع وأعاد حرفيا أو يكاد البيان الذي نشرته شركة توتال. “لقد تم التكليف الرسمي للحكومة [اليمنية] القائمة زمن الحرب”. ثم أضاف: “لقد قررت الفرق الموجودة على صعيد محلي تقسيم المكان إلى موقعين. وقد بنوا جدارا بين هذا المعمل […] وفي الجهة المقابلة، يوجد جزء من الموقع تحت رقابة التحالف [العربي] وهو خارج الرقابة الفعلية للتحالف.”

 لكن جان إيف لودريان نسي هنا عاملا مهما، إذ ليست الحكومة الرسمية هي الموجودة في المصنع الذي عُلّق اليوم إنتاجه، بل أحد حلفائه ضد الحوثيين، أي الإمارات العربية المتحدة. بل إن بعض الشخصيات اليمنية الرسمية لا تستحسن الحضور الإماراتي، مثل محمد صالح بن عديو، والي المنطقة التي توجد فيها بلحاف. أما الحجة الثانية التي قدمها الوزير، فهي لا تقنع أحدا، فكيف يعقل أن يوقف مجرد جدار تحقيقات فرنسا في موقع تتمتع فيه شركة توتال بـ40% من الأسهم وفيه أحد أهم حلفاء فرنسا؟ وقد تقدم موقع أوريان 21 بهذه الأسئلة إلى وزير الخارجية الذي لم يجب عليها.

مصالح مشتركة في مجال الدفاع

لكن الموضوع يستحق الاهتمام، فعلى مدى السنوات الأخيرة، أصبحت الإمارات العربية المتحدة شريكا أساسيا لفرنسا. يقول النائب سيبستيان نادو عن “حركة التقدميين”: “برغم صغر الإمارات وسرية عملها، فهي تلعب دورا مهما في استراتيجية فرنسا الدولية”.

يحلّل جلال حرشاوي – وهو باحث في معهد العلاقات الدولية بكلينغندال في هولندا- الموقف قائلا: “هناك علاقة خاصة بين فرنسا وأبو ظبي منذ أول تقارب عسكري وأوّل مبيعات للأسلحة سنة 1977. هناك شيء شبه طبيعي بينهما، فكلاهما بلد ذو شخصية قوية لكنه صغير نسبيا”.

من جهة، نجد اتحادا غنيا للغاية يمتلك صناديق سيادة مزدهرة ويستهلك كثيرا المواد العسكرية. ومن الجهة الأخرى، يوجد بلد يتمتع بخبرة تقنية في مجال التسليح والمحروقات، ولديه كذلك مقعد عضو دائم في مجلس الأمن، كما يتمتع باستقلالية سياسية نسبية عن الولايات المتحدة الأمريكية.

انطلقت هذه الصداقة الجديدة على أسس جيدة، وتعززت في السنوات اللاحقة وخاصة في التسعينات، بعد اجتياح العراق للكويت. “وقتئذ، بقيت المملكة العربية السعودية عاجزة. وكغيرها من بلدان الخليج، اكتشفت الإمارات أنها لا تستطيع التعويل على جارها الأكبر لضمان دفاعها”، وفق إيما سوريييه، الباحثة في معهد دول الخليج العربي في واشنطن. لذا، ستعمل أبو ظبي على تنويع شراكاتها، لا سيما شراكتها مع فرنسا. ففي 1995، تم توقيع اتفاق جديد “يسمح للجيش الفرنسي بالتدخل في حال عدوان [خارجي]”1. وبالموازاة مع هذه الشراكة، تواصل الإمارات تطوير جيشها الخاص واقتناء أسلحة من فرنسا.

قاعدة في أبو ظبي

احتفل بالزواج بين البلدين وبطريقة رسمية سنة 2009، عند تدشين أول قاعدة فرنسية للجيوش الثلاثة في الشرق الأوسط بأبو ظبي. تعد هذه القاعدة اليوم حوالي 700 عسكري، وتضم قاعدة جوية وبحرية قادرة على استقبال حاملة طائرات فرنسية وفرقة من الجيش الأرضي. ويمثل ذلك ثورة صغيرة في السياسة الخارجية الفرنسية التي كانت تهتم تاريخيا بالقارة الإفريقية. ويقول مارك بيكالا، نائب رئيس بعثة السفارة الأمريكية في باريس آنذاك، وهو يعلق على مراسلة ديبلوماسية: “أصبحت الإمارات بالنسبة لفرنسا أولوية جديدة”. وتضيف الباحثة إيما سوربييه: “حضور فرنسا في الإمارات استراتيجي ويمكن من التدخل بسهولة لا سيما للوقاية من اضطرابات محتملة في ولوجها لنفط الخليج”(…).

أعمال تعذيب

تضيف الباحثة إيما سوربييه أن “الإمارات تطور استراتيجيا تأثير وقوة إقليمية، من خلال خلق موانئ تجارية وعسكرية من قرن إفريقيا حتى البحر الأبيض المتوسط”. وعندما تدخلت الإمارات مع السعودية في اليمن للدفاع عن الحكومة الشرعية ضد المتمردين الحوثيين، اغتنمت كذلك الفرصة لتطوير استراتيجيا الموانئ ومحاولة الاستيلاء على موانئ والبنى التحتية في الجنوب، ومن بينها بلحاف (…).

يقول دوني بوشار، وهو مستشار للشرق الأوسط في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية (IFRI)، إن “مبدأ آخر يقود السياسة الدولية للإمارات، وهو كرهها التاريخي لقطر التي تساند تنظيم الإخوان المسلمين”. وفي ظل حرب التأثير، يدرج بوشار مساندة أبو ظبي للمشير خليفة حفتر في ليبيا ضد الحكومة المعترف بها دوليا لفايز السراج. وطبعا، تشمل هذه المساندة الدولية فرنسا التي تساند برغم ذلك حفتر بدورها. ووفق مقال نشرته جريدة “نيويورك تايمز” في يوليو/تموز 2019، “منحت فرنسا حفتر صواريخ مضادة للدبابات، مخالفة الحصار على الأسلحة”. ويعترف بوشار قائلا:”دورنا في ليبيا مبهم“. أما جلال حرشاوي فيؤكد أن”فرنسا اتبعت في سياستها مع ليبيا نفس السياسة الإماراتية”.

حوار استراتيجي

في جميع الأحوال، تواصل الشركات الفرنسية بيعها للأسلحة لأبو ظبي – لكن من دون أي إشهار. لن ينشر مثلا صانع سفن الحرب “نافال غروب” (Naval Group) بيانا صحافيا ولن يذكر بالتفاصيل في تقرير نشاطاته لسنة 2019 العقد الذي وقعه مع الإمارات لبيع سفينتي corvettes و Gowind في 2019.

يواصل الفرنسيون بتحفظ استراتيجيا الدفاع وبيع الأسلحة، لكنهم يقومون بالأشياء أمام الملأ في مجالات أخرى. إذ قبلت فرنسا أن تقتسم مع الإمارات رمزين لها، وهما جامعة السوربون ومتحف اللوفر (افتتح في أبو ظبي سنة 2017). لكن الأمر لا يتوقف على الثقافة. ففي يونيو/حزيران 2020، وبمناسبة الدورة الثانية عشرة للحوار الاستراتيجي، أعلن البلدان “خارطة طريق طموحة للسنوات العشر المقبلة”(…).

وسط كل هذه الروابط بين البلدين، بات صمت جان إيف لودريان حول التجاوزات الإماراتية في بلحاف ثقيلا جدا (…).

هل تخشى فرنسا غضب حليفها لو تطرقت إلى ملف حقوق الإنسان بشكل عام وإلى ملف بلحاف بشكل خاص؟ هذا هو رأي جلال حرشاوي الذي يقول: “عموما، لا تستحسن باريس أي نشاز قد يعكر صفو صداقتها مع أبو ظبي، وهي متأكدة أن هذه العلاقة الحميمية ستقودها دائما إلى النجاح في السنوات المقبلة”.

بين المستنقع اليمني والتعقيد الليبي، ناهيك عن السجون السرية والتعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان، يبدو هذا “النجاح” وكأنه إخفاق.

(*) لقراءة المقال كاملاً: orientxxi.info/magazine/article4131

Avatar

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Nulled WordPress Themes
udemy paid course free download