سوريا حائرة بين فك عزلتها وعاصفة تطبيع تحاصرها
A man walks past destroyed buildings decorated with Palestinian flags in the Palestinian camp of Yarmuk southern Damascus on November 1, 2018. - Former residents of the Palestinian camp of Yarmuk are desperately counting on help from abroad to help raise the once-bustling neighbourhood back out of the rubble. (Photo by LOUAI BESHARA / AFP)

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن احتمال أن تلتحق سوريا بموجة التطبيع مع إسرائيل. وذهب البعض إلى حدّ الادّعاء بأن ثمّة تفاهماً أميركياً- روسياً بات يضغط على القيادة السورية من أجل دفعها إلى الانخراط في المسار التطبيعي الجديد الذي شقته مؤخراً الإمارات العربية المتحدة. ولم تكف البيانات التي صدرت عن دمشق لتبديد هذه الشائعات، بل لعبت لغتها المرنة وصياغتها الفضفاضة – غير المعتادة - في إثبات أن تغيّراً ما طرأ على الموقف السوري.

لا شكّ في أن موجة التطبيع الأخيرة التي قادتها كل من الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، قد وضعت دمشق في مأزق سياسي لا تحسد عليه، إذ من المعروف أن الإمارات والبحرين هما من أوائل الدول العربية التي انفتحت على دمشق دبلوماسياً من خلال إعادة فتح سفارتيهما في العاصمة السورية، بعد سنوات من العزلة والقطيعة جراء اندلاع الأزمة السورية عام 2011 (مؤخراً أعلنت سلطنة عمان إعادة فتح سفارتها وتعيين سفير جديد لها في دمشق). وفي الوقت ذاته، قادت الإمارات والبحرين موجة التطبيع الثالثة مع إسرائيل، بعد موجة التطبيع الأولى بقيادة مصر، والثانية بقيادة الأردن والسلطة الفلسطينية، ما يعني أن الاختراق الدبلوماسي الذي طالما انتظرته دمشق من أجل فك العزلة عنها عربيّاً، مرتبط بشكل أو بآخر بقطار التطبيع الخليجي – الاسرائيلي.

وما يزيد من تعقيد الموقف بالنسبة إلى دمشق، هو أن المحور الآخر الذي تقوده تركيا وقطر، هو محور يقوم على دعم تيارات الاسلام السياسي التي ما تزال دمشق تعاني من ويلات التصدي لها في عقر دارها، وبالتالي من المستبعد أن يحدث على المدى المنظور أيّ اختراق دبلوماسي بين دمشق وهذا المحور. وقد يقود ذلك تلقائياً إلى استخلاص أن قدر دمشق هو أن تظل حبيسة العزلة حتى إشعار آخر، ريثما تتغير موازين القوى وتتبدل المعادلات الاقليمية والدولية المحيطة بها.

لكن دمشق الساعية إلى شق مسار إعادة الإعمار لنفض غبار حرب لم تصل إلى خواتيمها بعد، لا تملك الوقت ولا ترف الانتظار، وهي بحاجة ماسّة إلى تحريك مجالها السياسي والدبلوماسي من أجل خلق قنوات تواصل تتيح لها الحصول على “المدد” الذي من دونه لن يكتب لعربة إعادة الإعمار أن تغادر محطتها الأولى.

ولم يكن محض صدفة أن تنتظر وزارة الخارجية السورية أسابيع ثلاثة قبل أن تصدر بياناً تعرب فيه عن موقف دمشق الرسمي من اتفاقات التطبيع بين الامارات والبحرين من جهة وإسرائيل من جهة ثانية. وفيما ذهب البعض – وهو محق نسبياً – إلى أن بيان الخارجية جاء للردّ على سيل الشائعات الذي أوحى بأن التطبيع السوري بات قاب قوسين أو أدنى، وأن الخارجية السورية عبر هذا البيان المتأخر كانت غايتها نفي هذه الإشاعات أكثر من اتخاذ موقف إزاء موجة التطبيع، ذهب آخرون إلى القول بأن بيان الخارجية من حيث الشكل والتوقيت اللذين صدر بهما، والأهم من حيث اللغة التي استخدمها والمصطلحات الفضفاضة التي اتكأ عليها، سلّط الضوء على نقطة في غاية الأهمية وهي أنه مع التسليم بموقف دمشق المبدئي من قضية الصراع مع العدو الاسرائيلي، وموقفها الثابت من موضوع التطبيع، إلا أنه من السهل على قارئ البيان أن يكتشف أن تغيراَ ما حدث في الموقف السوري، ولو كان هذا التغير على صعيد التعبير فقط، ولا ينسحب إلى صعيد الاعتقاد والوعي المتعلقين بركيزة الثوابت الوطنية والقومية.

قد يكون أسرع تفسير للتغيير الذي دفع وزارة الخارجية السورية إلى تبني موقف يمكن وصفه بالهادئ والبراغماتي من موجة التطبيع الإماراتي البحريني مع إسرائيل، هو أن دمشق لا تودّ أن تتسرع في قطع ما بُني من جسور تواصل بينها وبين هاتين الدولتين، وبالتالي تخسر النافذة الوحيدة التي فتحت أمامها لكسر حالة العزلة التي أبعدتها عن الحضن العربي سنوات طويلة.

وانطلاقاً من ذلك جاء بيان الخارجية السوية خالياً من لغة التنديد والإدانة القاسيتين، واكتفى بالتوضيح وبأسلوب براغماتي أن هذه الاتفاقات “لا تخدم القضية الفلسطينية ولا تؤدي إلى استرجاع الحقوق والأراضي”، مشدداً على أن موقف دمشق الثابت هو ضد التنازلات والاتفاقات المنفردة، وأن التطبيع والتوقيع على معاهدات واتفاقيات مع هذا العدو “لم يزده إلا صلافة وتعنتاً، ولم يزد العرب إلا ضعفاً وتشرذماً”.

لا يمكن فهم الموقف السوري من دون الأخذ بالاعتبار التطورات الجذرية التي ضربت الواقع السوري خلال السنوات الماضية وأفضت من حيث النتيجة إلى وجود احتلالَين أجنبيين لأراض سورية، هما الاحتلال الأميركي والاحتلال التركي، فضلاً عن وجود أراض أخرى ما تزال مستباحة من قبل جماعات مسلحة مثل هيئة تحرير الشام في إدلب وقوات سوريا الديموقراطية في شرق الفرات وتنظيم داعش في أجزاء من البادية السورية.

هذا الواقع الاحتلالي الجديد من الطبيعي أن يؤثر على الثوابت التي تبنتها السياسة السورية من قضية الصراع العربي الاسرائيلي، ولكن التأثير يتعلق فقط بإعادة ترتيب الأولويات من دون تغيير مضمونها الفعلي. ولكي نكون أكثر دقة نقول أن الثوابت السورية ظلت كما هي لكن تطورات الواقع فرضت تغيير سلم الأولويات. ولا ينافي ذلك أن دمشق تتبنى مفهوم دمج الأولويات من خلال تركيزها على أن المعركة في الداخل ضد الجماعات المسلحة هي جزء من المعركة ضد العدو الصهيوني، إذ أن كلا الأمرين يقودان إلى نتيجة واحدة وهي أن “تحرير الداخل” بات يحتل رأس الأولويات في السياسة السورية.

أما بالنسبة للصراع مع إسرائيل، فهو ما زال قائماً برغم موجات التطبيع العربية، وسوف يستمر، غير أن اشكاله وأدواته ونطاقه سوف تخضع لتعديلات جوهرية بحكم الواقع التطبيعي الجديد وليس لأن دمشق ترغب في ذلك.

وبما أن تقييد اليد السورية من خلال إشغالها بأزمتها الداخلية، وهرولة بعض الدول الخليجية للتطبيع مع إسرائيل تمهيداً لتطويب إيران في مكانة العدو المشترك، من شأنهما إحداث تغيير دراماتيكي في خارطة التحالفات في المنطقة، ويمسان بشكل جوهري بمفهوم الأمن القومي العربي الذي بات منقسماً بين عداوات استراتيجية شتّى، فإنه من السذاجة الاعتقاد أن مثل هذه التطورات يمكن أن تمر من دون أن تترك تأثيراً في السياسة السورية التي لا تستطيع – وإن حاولت – الانفصال عن الواقع.

ومن أجل الحفاظ على ثنائية “الثوابت والواقع” ومنع الواقع من التغلب على الثوابت، تبدو الخيارات أمام دمشق قليلة إن لم تكن معدومة. وقد يكون للمفارقة أهم خيار متاح أمامها من أجل التمسك بثوابتها هو تأخير هذه الثوابت درجةً على سلم الأولويات لصالح التركيز على الواقع الجديد الذي من خلال تناقضاته وتقاطعاته المعقدة قد يمنح دمشق هامشاً للمناورة واستعادة التوازن.. في هذا السياق، يمكن وضع العبارة التي قالها الرئيس السوري بشار الأسد لوكالة “سبوتنيك” بأن سوريا “يمكن أن نقيم علاقات طبيعية مع إسرائيل فقط عندما نستعيد أرضنا.. المسألة بسيطة جدا”.

لذلك، تبدو المعادلة التي تواجه وجه دمشق معقدة على نحو كبير، إذ أن الإمارات دشنت مسار التحالف مع إسرائيل لمواجهة إيران، وهي في الوقت ذاته أعادت علاقاتها مع دمشق من أجل مواجهة تركيا. فكلاً من إيران وتركيا عدوين لدولة الإمارات، في حين أن إسرائيل هي عدو سوريا الأول، بينما إيران هي حليف رئيسي، وهي – أي الإمارات – إلى جانب هذا وذاك تتعاون مع الاحتلال الأميركي في شرق الفرات وتدعم قسد نكاية بتركيا، في حين أن دمشق تنظر بارتياب إلى اي تعاون مع الأميركيين في تلك المنطقة وتشعر أنه يستهدف سيادتها ووحدة أراضيها.

تبدو المعادلة في وجه دمشق معقدة على نحو كبير، إذ أن الإمارات دشنت مسار التحالف مع إسرائيل لمواجهة إيران، وهي في الوقت ذاته أعادت علاقاتها مع دمشق من أجل مواجهة تركيا

وقد يكون الحل الأنسب وربما الوحيد لدى دمشق من أجل حل هذه المعضلة هو التركيز على تركيا باعتبارها العدو المشترك الوحيد بينها وبين الإمارات، وأن تعمل على إقناع الأخيرة بإمكانية التنسيق المتبادل بينهما من أجل التصدي لمخاطر التوسع التركي الذي وصل إلى ليبيا وأذربيجان ويمكن في أي لحظة أن يصل إلى عقر دار الخليج عبر بوابة اليمن.

بيد أن هذا الحل دونه عقبات وعراقيل شتى أهمها الموقف الأميركي الذي يضع مواجهة إيران نصب عينيه ويعتبرها أولويته القصوى في المنطقة وليس تركيا، كما أن إيران قد تكون لديها مآخذ على هذا التنسيق السوري الإماراتي المفترض، لأن إيجاد تل أبيب موطىء قدم لها على ضفة الخليج المقابلة لها خلق هواجس أمنية كبيرة لدى طهران، وهي لا تستطيع التغاضي عما يشكله ذلك من خطر على أمنها القومي.

لذلك، يصبح تعامل دمشق مع موجة التطبيع الجديدة من أعقد المهمات التي تتصدى لها الدبلوماسية السورية، ولا سيما أننا أمام تطبيع يغادر مربع “الأرض مقابل السلام”، وبالتالي لا يمكن الحكم على موقف دمشق من خلال بيان يصدر من هنا أو موقف يصدر من هناك، لأن الموقف النهائي مرهون بإتضاح صورة التحالفات الجديدة في المنطقة، وقبل أن ترتسم خارطة العلاقات بين دول المنطقة ما بعد الانتخابات الأميركية التي يمكن لاسم الفائز فيها أن يكون له تأثير كبير على طبيعة المواقف واحتمالاتها السياسية.

عبدالله سليمان علي

كاتب وصحافي سوري، وباحث في شؤون الجماعات الإسلامية

Download Best WordPress Themes Free Download
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
download udemy paid course for free