نار الإسلام الأمريكي في فرنسا.. حماية للعولمة!

لا يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ما أسماه "الإسلام الإنعزالي" بل يواجه أحد أوجه العولمة. في هذا التقرير نعرض للدور الأمريكي في فرنسا من أجل خلق ثقافة ومنابر ومجموعات تؤدي وظيفة حماية العولمة.

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن حكومته ستعرض في 9 كانون الأول/ديسمبر 2020 على البرلمان مشروع قانون يهدف إلى مكافحة “النزعة الانفصالية الإسلامية” وترسيخ المبادئ الجمهورية “بعد 115 سنة من المصادقة النهائية على قانون 1905”. وقال “ثمة في تلك النزعة الإسلامية الراديكالية (…) عزم معلن على إحلال هيكلية منهجية للالتفاف على قوانين الجمهورية وإقامة نظام موازٍ يقوم على قيم مغايرة، وتطوير تنظيم مختلف للمجتمع”. بيد أن ماكرون اعتبر أن السلطات تتحمل قسمًا من المسؤولية في تطوير ظاهرة “تحول الأحياء إلى غيتوات”، مشددًا أن (الإسلاميين) “بنوا مشروعهم على تراجعنا وتخاذلنا”.[i]

يُنظر لخطاب ماكرون حول الإسلام بأنه “عنصري” على حسب وصف الأزهر الشريف – مصر[ii]، لكن لماذا يصدر هذا الخطاب عن فرنسا، وحدها الآن. هل فقط لكونها تضم أقلية إسلامية كبيرة، معظمها نشأت من مستعمراتها السابقة في شمال أفريقيا، أم بسبب ما يصطلح عليه “الإسلام السياسي”.

لفهم القلق الفرنسي، يجب علينا العودة لقراءة المنهجية الامريكية في التعامل مع الإسلام. حيث يلعب المدافعون عن العولمة وصانعو السياسة في الولايات المتحدة لعبة مزدوجة في ما يتعلق بالإسلام: يتم عرض ما يسمى بـ”الجهاديين” و”الإسلاميين” حسب الحاجة[iii]، الأسم الأول يقدم أن المسلمين هم البعبع العالمي الذين يبرر غزو وإحتلال البلدان في إطار ما يُسمى “الحرب العالمية على الإرهاب”، والإسم الثاني برز أكثر مع ما أطلق عليه “الربيع العربي – مجموعة أخرى من الثورات الملونة إنطلقت عام 2011”.

من ناحية أخرى، دعمت المنظمات والوكالات العالمية التابعة للحكومة الأمريكية “الإسلاميين” لطرد الروس من أفغانستان، ومنظمات مماثلة في ليبيا، والألبان في صربيا. نفس المنطق الآن في سوريا وفي دول أخرى. يمكن تسمية هؤلاء “الإسلاميين” بـ”الإرهابيين” أو “المناضلين من أجل الحرية” كما تملي المتطلبات. تم تصنيف جيش تحرير كوسوفو في الأصل من قبل وزارة الخارجية الأمريكية على أنه إرهابي مكون مِن عصابات، ولكن عند الحاجة، تم تسليحهم للإطاحة بالدولة اليوغوسلافية. لعب دعاة العولمة نفس اللعبة في دعم الإرهاب الإسلامي ضد روسيا في الشيشان.[iv]

خطاب حقوق الإنسان

إن هؤلاء “الإسلاميين” اليوم هم نتاج سياسة الولايات المتحدة في الحرب الباردة ضد روسيا. يمكن إعتبار جراهام فولر، نائب مدير المجلس الوطني للاستخبارات التابع لوكالة المخابرات المركزية سابقًا، بأنه أبو المجاهدين خلال الثمانينيات، حيث قام بتجنيد المسلمين الأصوليين للتدريب في حرب العصابات ضد القوات السوفيتية في أفغانستان. كان أسامة بن لادن أحد هؤلاء المتدربين. كانت “القاعدة” هي المنتج. تُقرأ أفكار فولر في البنتاغون، كما في مؤسسة أبحاث عالمية هي RAND. استشهد الصحفي والكاتب السويسري ريتشارد لابيفير بمذكرة من فولر – 1999  كأساس لسياسة الولايات المتحدة جاء فيها: “لقد نجحت سياسة توجيه تطور الإسلام ومساعدة الإسلاميين في مواجهة أعدائنا بشكل رائع في أفغانستان ضد [الروس]. لا يزال من الممكن استخدام نفس المذاهب لزعزعة استقرار ما تبقى من القوة الروسية، ولمواجهة الصينيين، وأي نفوذ آخر في آسيا الوسطى”.[v]

تمت فبركة “الإسلاميين الجهاديين” من قبل العولمة عبر وكلائهم الأمريكيين، لإنتاج أزمات دورية تُعرف بـ”الحرب على الإرهاب” لتبرير تدخل العولمة في الدول التي تعتبر “رافضة” لها

تلعب الولايات المتحدة بالأسلمة والعلمنة لعبة كر وفر للحفاظ على مصالحها، فحيث يمر خط الأنابيب الرئيسي لروسيا من حوض بحر قزوين عبر الشيشان وداغستان. إندلعت حرب الشيشان 1994-1996، التي حرضت عليها حركات تمرد إسلامية ضد موسكو، في رغبة لتقويض مؤسسات الدولة العلمانية. إن اعتماد الشريعة الإسلامية في المجتمعات العلمانية إلى حد كبير في الاتحاد السوفيتي السابق يخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة في المنطقة، وتبقى وسيلة لزعزعة الاستقرار. في مكان آخر، على العكس من ذلك، تنتهج سياسة الولايات المتحدة العلمنة ضد الإسلام وجميع الأديان التقليدية الأخرى، حيث تعكف على تمويل الحركات والأفراد ضد المبادئ الثقافية والعرقية والوطنية التقليدية، ويتم الترويج لما يعرف بالتعددية الثقافية متبوعة بخطاب “حقوق الإنسان” وعدد لا يحصى من المنظمات غير الحكومية ومراكز الفكر والصناديق وما إلى ذلك، مِن أجل استهداف أي نظام “رافض”، من الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، إلى صربيا ميلوسوفيتش، إلى سوريا ومنها إلى روسيا. عندما تعيق دولة أو رجل دولة هدفًا من أهداف العولمة، تنطلق صرخة مفاجئة حول “حقوق الإنسان”. الصيغة لا تتغير. والغرض من ذلك هو تقويض السياسة عبر إنشاء جمهوريات متعددة الأعراق بغطاء مناشدات “حقوق الإنسان” و”المجتمع المدني” و”الديمقراطية”.[vi]

يتلاعب دعاة العولمة بالإسلام بوسائل مختلفة ومتناقضة من عدة جوانب. أي أنهم ينتهجون استراتيجية جدلية[vii].

كما رأينا، تمت فبركة “الإسلاميين الجهاديين” من قبل العولمة عبر وكلائهم الأمريكيين، لإنتاج أزمات دورية تُعرف بـ”الحرب على الإرهاب” لتبرير تدخل العولمة في الدول التي تعتبر “رافضة” لها مثل إيران والعراق وليبيا وسوريا وكوريا الشمالية وحتى الإتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية سابقًا. وعلى العكس من ذلك، “المهاجرون المسلمون” خاصة إلى أوروبا يتم استخدامهم لإنشاء جيوب عرقية وتحطيم أي بقايا من الثقافة الأوروبية، مع تبرير إجراءات – تعد قمعية – متزايدة ضد السكان الأوروبيين من خلال قوانين “حقوق الإنسان” وإعادة التربية الجماعية للشباب للتخلص من “كراهية الأجانب” وخصّوا كبار السن، كما على الجميع أن يتبنى “التعددية الثقافية” باعتبارها الموجة الجديدة والمناسبة للمستقبل.

بعد النظر في النقطتين الأوليين، سنوجه انتباهنا الآن إلى مثال محدد لخطة العولمة لتدمير الهوية الثقافية والقومية الأوروبية من خلال دفع التعددية الثقافية في فرنسا من خلال استخدام المهاجرين المسلمين[viii].

الإسلام الأمريكي في فرنسا

خلال الفترة من 19 إلى 22 أكتوبر/تشرين الأول 2010 ، دعا تشارلز ريفكين، سفير الولايات المتحدة في فرنسا، وفدًا مؤلفًا من 29 عضوًا من معهد المحيط الهادي للسياسة الدولية (PCIP) إلى مؤتمر في فرنسا، كان الهدف المعلن منه مناقشة وضع المسلمين في البلد. كان الاجتماع جزءًا من سياسة بعيدة المدى لتغيير تركز على استغلال طاقات الشباب المسلم في فرنسا في استراتيجية تلاعب نموذجية وراء واجهة “حقوق الإنسان” و”المساواة”.[ix] وبعدها مباشرة بدأت موجة الربيع العربي في العالم الإسلامي وبدء هجرة جهادية كبيرة من فرنسا وبلجيكا وعدة بلدان أوروبية كإرهابيين في ساحات الحرب الشرق أوسطية خصوصًا سوريا، قد تكون صدفة، لنكمل.

ركز اللقاء على ثلاثة مواضيع رئيسية. أولاً، بحثت المجموعة القضايا الفرنسية الإسلامية في فرنسا من خلال التبادل الزيارات بين المسجد الكبير في باريس ولقاء مع مدير اللاهوت ورئيس الجامعة هناك. ثانيًا، سلطت الاجتماعات مع السيد جان نويل بويرير، نائب رئيس الشؤون الخارجية في AREVA (شركة طاقة فرنسية)، ومع السيد بريس لالوند، مفاوض المناخ ووزير البيئة السابق، الضوء على قضايا الطاقة والسياسة النووية والخلافات بين السياسات الأمريكية والفرنسية في هذه المجالات. وأخيرا، الهدف الأساسي كان حول مسائل ذات طبيعة متعددة الثقافات، بما في ذلك ليس فقط العلاقات العربية والإسلامية بل تعزيز التعددية الثقافية على النمط الأمريكي بين ضواحي الأقليات في فرنسا.[x] كطريق المستقبل. ولكن الأهم من ذلك، مناقشة تأثير “ثقافة” هوليود على الفرنسيين ؛ أي جزء كبير من الأثر الثقافي الذي وصفه رالف بيترز بأنه العنصر الأكثر انتشارًا وتخريبًا في العولمة. ويذكر أن أوباما قد قام بتعيين ريفكين بسبب دوره في جمع التبرعات للرئيس. كانت حياته المهنية في مجال الأعمال، حيث أصبح رئيسًا لشركتين ترفيهيتين واكتسب “أصدقاء أقوياء” في هوليوود.[xi]

لماذا فرنسا؟

بالعودة إلى التاريخ سنجد إضطرابات في العلاقة بين كُل من الولايات المتحدة وعصرها الذي عُرف بـ(Pax Americana). أي “عصر السلام الأمريكي” الذي تحكم فيه العالم كإمبراطورية ضامنة للسلام، والأمن، والاستقرار، ومقابل ذلك تطبع عملتها بناء على مجهودات هذا العالم كثمن يقدمه لبقاء هذا السلام والرخاء وفائض الربح المتحقق من هذه العملية يعاد تدويره كدولارات جديدة لصالح أقطاب المال، لم تكن فرنسا في جانب العولمة الأمريكية بسبب التزامها المتكرر (وإن لم يكن ثابتًا) بالمصالح الفرنسية حول العالم، بدلاً من مصالح “المجتمع العالمي” المصنَّع أمريكيًا. لقد اتبعت فرنسا مقولة الرئيس شارل ديغول القائلة “ليس لدينا أصدقاء، ولكن لدينا مصالح فقط”.[xii] فرنسا هي واحدة من الدول القليلة المتبقية في أوروبا الغربية التي بقى لديها وعي قومي. لذلك فهي تعتبر دولة “كارهة للأجانب” وبحاجة إلى التغيير، وأفضل طريقة لتدمير أي شعور من هذا القبيل هي إضعاف الوعي الإثنو قومي والهوية عن طريق “التعددية الثقافية”، ولم تكن مصادفة أن أحداث شغب عام 1968 حدثت في وقت كانت فيه وكالة المخابرات المركزية نشطة جدًا في تمويل مجموعات الأفكار حول العالم، وخصوصًا الفلاسفة الفرنسيين الذين سيصبحون لاحقاً البناء الأساسي لمدرسة ما بعد الحداثة التي تعصف بُكل البنى الوطنية والقومية والدينية والفكرية.[xiii]

تجيز “النخبة” الأمريكية لنفسها حق إعادة تشكيل الثقافة والوعي الجماعي لشعب آخر، من أجل إعادة تشكيل فرنسا معولمة

بالنظر لمَن إستهدفته أحداث الشغب 1968 نجد أن الرئيس شارل ديغول كان على رأسهم، وكان ديغول يسبب الكثير من المتاعب للولايات المتحدة، حيث لم يفعل ديغول الكثير للتوافق مع الخطط الأمريكية لما بعد الحرب العالمية الثانية. فقد سحب فرنسا من القيادة العسكرية لحلف شمال الأطلسي. حتى أثناء الحرب العالمية الثانية كزعيم للفرنسيين الأحرار، لم تكن الولايات المتحدة تثق به.[xiv] ربما كان من دواعي القلق بشكل خاص دعوة ديغول إلى أوروبا موحدة لمواجهة الهيمنة الأمريكية،[xv] خاصة وأن رؤية ديغول لأوروبا الموحدة شملت بلدان الاتحاد السوفيتي. في عام 1959 صرح في ستراسبورغ: “نعم ، أوروبا ، من المحيط الأطلسي إلى جبال الأورال، أوروبا كلها هي التي تقرر مصير العالم”. وفي عام 1967 أعلن حظر الأسلحة على إسرائيل والعالم العربي. هذا هو نوع الحنكة السياسية الذي يخشاه أنصار العولمة. دولة كهذه يمكن مع التوتر المستمر بين الشباب المسلم الساخط، أن تحدث ردود فعل عنيفة إلى وصول نظام مناهض للعولمة إلى السلطة، مثل نظام الجبهة الوطنية التي دائمًا ما يتهم جمهورها بالعنصرية، ولسخريات القدر أنها نافست حتى اللحظة الأخيرة على مقعد ماكرون الحالي.

إستراتيجية إشراك الأقليات

بالعودة إلى السيد ريفكين السفير الأمريكي في فرنسا كان يحمل الخطوط العريضة لبرنامج عولمة فرنسا الذي يتضمن استخدام الأقليات المسلمة وتلقين الشباب الفرنسي للتعددية الثقافية. كان الشعار الذي تم الاستشهاد به هو الالتزام المشترك بين فرنسا وأمريكا تاريخيًا بـ”المساواة”. أصدرت ويكيليكس وثيقة عن ما يسمى برنامج ريفكين “السري”، وهو بعنوان “استراتيجية إشراك الأقليات”. [xvi]هنا، يحدد ريفكين برنامجًا يمثل تدخلاً بعيد المدى في الشؤون الداخلية لدولة ذات سيادة، ويسعى بشكل أكثر عمقًا إلى تغيير مواقف أجيال من الشباب المسلم الفرنسي حتى يتم دمجهم في توليفة عالمية جديدة؛ أو ما يمكن أن نطلق عليه إنسانية جديدة، أو ما يسميه الصحفي المالي جي باسكال زاكاري “الذات المعولمة”[xvii]. يبدأ ريفكين بالقول: “سنعمل على استهداف القادة المؤثرين في الجمهور الفرنسي بشكل أساسي، وتقييم كل من المؤشرات الملموسة وغير الملموسة لنجاح استراتيجيتنا” .[xviii]

يكمل ريفكين: “أن تاريخ فرنسا في الليبرالية الإيديولوجية سيخدمنا جيدًا كي ننفذ الاستراتيجية الموضحة هنا.. الذي نضغط بها على فرنسا.” نمط أمريكا المعولم مرتبط في ذهنية ريفكين أنه مخطط لتحويل فرنسا إلى “نظام سياسي فرنسي مزدهر وشامل [والذي] سيساعد في تعزيز مصالحنا – مصالح أمريكا – في توسيع الديمقراطية وزيادة الاستقرار في جميع أنحاء العالم”. وسيركز البرنامج على الجاليات الفرنسية المسلمة، وسيشمل أيضًا حملة دعائية ضخمة موجهة إلى “عامة السكان”، مع التركيز على الشباب.

يتضمن البرنامج إعادة تعريف التاريخ الفرنسي في المناهج الدراسية لإيلاء الاهتمام لدور الأقليات غير الفرنسية في التاريخ الفرنسي. هذا يعني أن مجموعة مِن الأكاديميين الأمريكيين سيعملون على صياغة تعريفات جديدة للثقافة الفرنسية وإعادة كتابة التاريخ الفرنسي ليتوافق مع العولمة الأمريكية. وتحقيقًا لهذه الغاية، يشير  ريفكين: “سنواصل ونكثف عملنا مع المتاحف والمُعلمين الفرنسيين لإصلاح مناهج التاريخ التي تدرس في المدارس الفرنسية. تجيز “النخبة” الأمريكية لنفسها حق إعادة تشكيل الثقافة والوعي الجماعي لشعب آخر، من أجل إعادة تشكيل فرنسا معولمة. تم بالفعل فرض هذه المراجعة للتاريخ والثقافة لتتماشى مع أجندة متعددة الثقافات ومعادية للقومية داخل الولايات المتحدة نفسها منذ عقود ، لضمان القضاء على الوعي الأوروبي الأمريكي، لصالح “بوتقة الانصهار” الأمريكية، في حين تم الترويج على العكس من “الهوية السوداء” و”الكبرياء اللاتيني” على أنهما كبشا فداء البيض الأمريكيين. في نهاية المطاف، صار المجتمع الأمريكي كتلة غامضة تسمى “الأمريكيين”.

في تقرير لصحيفة كريستيان ساينس مونيتور، كتبت أنيتا إيلاش أن “السفارة الأمريكية في فرنسا أصبحت داعماً رئيسياً لحقوق المسلمين والأقليات كجزء من إستراتيجية طويلة الأمد للتخفيف من تهديد الإرهاب”

إستكمالًا لبنك الأهداف الأمريكية في فرنسا، سيتم إطلاق برامج للدبلوماسية العامة الموسعة وتطوير وسائل إضافية إبداعية للتأثير على شباب فرنسا باستخدام وسائل الإعلام الجديدة، والشراكات مع الشركات المعولمة لرعايا هذه الفاعليات على الصعيد الوطني، وإستضافة الخبراء والمتدربين اللازمين لهذه الفاعليات من كل أنحاء العالم ولا سيما مِن الولايات المتحدة.[xix]

البرنامج الموجه إلى الشباب في فرنسا في العام 2010 مشابه للبرنامج الموجهة إلى الشباب الذين شكلوا طليعة “الثورات المخملية” من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط. حيث سيتم تجنيد القادة المحتملين من قبل وزارة الخارجية الأمريكية في فرنسا ويتم تربيتهم للعب دور في فرنسا المُتأمركة في المستقبل، ستطور أمريكا أيضًا أدوات جديدة لتحديد القادة الفرنسيين المستقبليين والتعليمهم والتأثير عليهم. بينما تقوم بتوسيع التدريب وتبادل الفرص لشباب فرنسا العاديين، ستواصل التأكد تمامًا من أن التبادلات الفكرية والمعرفية التي تدعمها بشكل شامل الشركات العابرة للقارات تصل لكل شبكات الشباب الموجودة في فرنسا، وتتوسع شبكات أمريكية جديدة في الفضاء السيبراني لربط قادة المستقبل في فرنسا ببعضهم البعض مشكلة نادي نخبة بقيم معولمة واحدة.[xx]

الأسلمة وتغيير النظام

كان أحد المشاريع المثيرة للقلق بشكل خاص والذي تم الكشف عنه في فرنسا هو دعم الولايات المتحدة للوبي المهاجرين. وهذه الرعاية الأمريكية للمنظمات غير الحكومية من خلال الصندوق الوطني للديمقراطية، وفريدوم هاوس، الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية وموجهة بشكل عام إلى الدول المطلوب “تغيير النظام” فيها، مثل ليبيا وسوريا والعراق.. إلخ. ومنذ عام 2011، ظهر العشرات من نشطاء  حقوق الإنسان المسلمين الفرنسيين التابعين لتيار الإسلام السياسي وتوسعوا في إنشاء مراكز أبحاث بدعوى إيجاد طرق جديدة لمحاربة التمييز العرقي والديني في فرنسا، بدعم من وزارة الخارجية الأمريكية”.[xxi]

تشير The Globe & Mail إلى الدعم الذي تقدمه الولايات المتحدة للجماعات كجزء من برنامج ريفكين، وتوضح الآتي:”قال مسؤول بالسفارة الأمريكية في باريس إن البرنامج ركز على بناء علاقات مع القادة المحتملين في الجماعات الإسلامية والأقليات الأخرى، وذلك بشكل أساسي من خلال دعوة الشباب الوافدين للمشاركة في برنامج الزائر الدولي للقيادة الذي ترعاه الولايات المتحدة. أرسل البرنامج تقليديًا أعضاء من النخبة الفرنسية في زيارات تعليمية إلى الولايات المتحدة. في العام الماضي، كان نحو ثلث المشاركين الفرنسيين ينتمون إلى الأقليات، ومعظمهم من المسلمين”.[xxii]

ويبدو أيضًا أن الدبلوماسيين الأمريكيين يشجعون في الواقع الاستياء ويشرعون التمرد من داخل الجيوب الإسلامية في فرنسا من خلال زيارة “ضواحي المهاجرين المضطربة” ودعوة الشباب إلى وظائف السفارة الأمريكية. قد يُسأل جيدًا عما إذا كانت السفارة الأمريكية تقوم بتجنيد قادة شباب مسلمين متطرفين للتوجيه ككوادر ضد فرنسا ، تمامًا كما تم اختيار وتمويل الشباب في صربيا وأوكرانيا وجورجيا ومصر والمغرب وتونس وليبيا وما إلى ذلك. وأشارت وسائل الإعلام الأمريكية إلى وزارة الخارجية الأمريكية باعتبارها من العوامل المؤثرة الرئيسية في دفع ثقافة التعددية في فرنسا. في تقرير لصحيفة كريستيان ساينس مونيتور، كتبت أنيتا إيلاش أن “السفارة الأمريكية في فرنسا أصبحت داعماً رئيسياً لحقوق المسلمين والأقليات كجزء من إستراتيجية طويلة الأمد للتخفيف من تهديد الإرهاب” [xxiii].كما رأينا من مذكرة ريفكين، فإن إستراتيجية الولايات المتحدة تذهب إلى ما هو أبعد من الشعار العالمي المتمثل في إبعاد التطرف الإسلامي، والذي، كما رأينا، تم دعمه من قبل الولايات المتحدة في صربيا، وأفغانستان، والشيشان، وليبيا، وسوريا. والآن يستخدم التطرف الإسلامي بشكل مُعدل لخدمة العولمة في فرنسا.

صرح إيفان ريوفول، من صحيفة” لوفيغارو” أن “التحليل الأمريكي، الذي يبدو أنه يقول إن فرنسا المستقبل ستكون فرنسا ضواحي المهاجرين، هو تحقير شديد للشعب الفرنسي الأصلي

الأسلمة والصهيونية

قد يعتقد المرء أن الصهاينة الأوروبيين والفرنسيين تحديدًا سوف يردون بقلق على “أسلمة” أوروبا المتزايدة. ولكن هذا ليس هو الحال. تعمل الصهيونية بشكل ديالكتيكي، مثل العولمة الأمريكية. ترى الصهيونية أسلمة أوروبا جزءاً أوسع من فكرة متعددة الثقافات لفرض دول تعددية على الغرب، باسم “الديمقراطية” و”حقوق الإنسان”،[xxiv] لأن هذا يضمن لهم أن المصالح اليهودية ستكن أكثر أمانًا ولا سيما في الدول التي ليس لها أي هوية وطنية. في مثل هذه الدول، يعتقد الصهاينة وغيرهم من الاستراتيجيين اليهود، أن اليهود يعتبرون مجرد مجتمع واحد من بين العديد، وفي هذه الحالة، كمجتمع ديني غير ضار، مثل المعمدانيين والكاثوليك والمورمون.. وأخيرًا المسلمين.

من ناحية أخرى، تظل المجتمعات اليهودية في حالة دائمة من التحفيز من قبل قادتها الصهاينة كوسيلة أساسية للحفاظ على الالتزام اليهودي تجاه إسرائيل والصهيونية. خصوصًا بالربط الدائم بين حركات الأسلمة ومعاداة السامية، والتي تقدم دائمًا كمبرر لوجود الصهيونية، فعندما يعبر المسلمون مِن أمام معبد يهودي من فرنسا إلى جبال الإنديز اللاتينية، يمكن للقادة الصهاينة تذكير اليهود المحليين داخل هذه المجتمعات أن “معاداة السامية” في ازدياد مستمر، والطريقة الوحيدة لضمان الحماية هي دعم الصهيونية وإسرائيل، والتي تظل بوليصة التأمين ليهود الشتات.[xxv]

قالت باربرا ليرنر سبكتر، “المدير المؤسس” لمنظمة Paideia (المعهد الأوروبي للدراسات اليهودية)، حول دور اليهود المنظمين في دفع ثقافة التعددية في أوروبا: أعتقد أن هناك عودة إلى معاداة السامية لأنه بعد كُل هذا الوقت لم تتعلم أوروبا بعد كيف تكون متعددة الثقافات. وأعتقد أننا يجب أن نكون جزءًا من مخاض هذا التحول الذي يجب أن يحدث. لا يجب أن تصبح أوروبا مجتمعات متجانسة كما كانت في القرن الماضي. سيكون اليهود في قلب ذلك، إن تحولا ضخما يجب أن تقوم به أوروبا. إنهم يتجهون الآن إلى نمط متعدد الثقافات وبدون هذا التحول، لن تنجو أوروبا.[xxvi]

يمكن رؤية الثنائية الصهيونية والأسلمة بشكل صارخ من خلال أحاديث وأفكار سبيكتر، فعلى العكس من العداء السياسي الواضح بين المسلمين واليهود، فالصهيونية بحاجة دائمة إلى جالية يهودية وأخرى إسلامية في أوروبا. إسرائيل بحاجة إلى يهود ومسلمين في أوروبا. لا يمكن لإسرائيل أن توجد اقتصاديًا وسياسيًا بدون أوروبا. إن الصراع بين المسلمين واليهود ضروري للقضايا الصهيونية[xxvii].

ومن هنا فإن وجود أوروبا متعددة الأعراق والجنسيات والأديان بالنسبة للصهيونية له معنى فقط بقدر ما يخدم إسرائيل و”المجتمع اليهودي”. في الوقت نفسه ، يتوخى القادة اليهود الحذر لضمان عدم رد فعل يهودي أوروبي على أسلمة الغرب من خلال الانضمام إلى منظمات اليمين القومي التي تقاوم هذه الأسلمة بدلاً من دعم الصهيونية والتعددية الثقافية. ومع ذلك ، فإن النتيجة الجانبية الضارة لهذه التقلبات والمنعطفات في السياسة الصهيونية هي أن المنظمات اليمينية نفسها التي وصفها اليهود بأنها “نازية جديدة” تستجيب بشكل متزايد لهجرة المسلمين لرفع هذه التهمة عن نفسها لتصبح مؤيدة للصهيونية[xxviii].

على سبيل الخاتمة

كتبت المدونة كريستين تاسين على الموقع الإلكتروني لـ The Republican Resistance، وهي جماعة غير حزبية تأسست العام الماضي، “إنهم ينتقدوننا لأننا لسنا الولايات المتحدة، أو بشكل أكثر دقة، لأننا لا نشبههم”.. “[إنها] خطة إستراتيجية لجعل فرنسا تفعل ما تريده الولايات المتحدة”، كما صرح إيفان ريوفول، من صحيفة” لوفيغارو” أن “التحليل الأمريكي، الذي يبدو أنه يقول إن فرنسا المستقبل ستكون فرنسا ضواحي المهاجرين، هو تحقير شديد للشعب الفرنسي الأصلي”[xxix]

صار الهجوم على الجبهة الوطنية الفرنسية، والأحزاب الأخرى المناهضة للعولمة، بإتهامات مبالغ فيها كثيرًا حول “العنصرية” و”الكراهية” وظيفته الابتعاد عن القلق الحقيقي، وهو معارضة العولمة. والكارثة أن المناضلين اليساريين الذين يحملون شعارات مثل “الحدود المفتوحة” في الواقع لا يجب أن يُنسبوا لأنفسهم صفة أنهم ضد النيوليبرالية، عندما يقبلون أساسيات أيديولوجية العولمة،[xxx] بل يمكن إعتبارهم لاعبيين رئيسيين لبرنامج ريفكين التدخلي البعيد المدى لإستغلال المسلمين في المجتمع الفرنسي، والذي من شأنه أيضًا أن يؤدي إلى وضع الوعي الفرنسي في قالب كوزموبوليتاني أكثر شمولاً.

لا يواجه إيمانويل ماكرون ما أسماه بالإسلام الإنعزالي بل يواجه أحد أوجه العولمة، ولننتظر لنرى ونراقب من يفوز في معركة المال والهوية.

[i] https://www.bbc.com/arabic/world-54396655

[ii] https://www.france24.com/ar/20201004-الأزهر-يعتبر-تصريحات-ماكرون-عن-الإسلام-عنصرية-و-داعمة-لخطاب-الكراهية

[iii] Zionism, Islam and the West. by Kerry Bolton

[iv] Zionism, Islam and the West. by Kerry Bolton

[v] Richard Labévière, Dollars for Terror: The United States and Islam (New York: Algora Publishing, 2000)

[vi] Zionism, Islam and the West. by Kerry Bolton

[vii] Zionism, Islam and the West. by Kerry Bolton

[viii] Zionism, Islam and the West. by Kerry Bolton

[ix] http://www.pacificcouncil.org/page.aspx?pid=583

[x] France’s ghettoised Third World ethnics

[xi] Nicholas Kralev, ‘Being good at raising money doesn’t make you a good diplomat,’ The Atlantic, 19 March 2013, http://www.theatlantic.com/international/archive/2013/03/being-good-at-raising-money-doesnt-make-you-a-good-diplomat/274148/.

[xii] Zionism, Islam and the West. by Kerry Bolton

[xiii] كتاب “من الذي دفع للزمار- الحرب الباردة الثقافيّة”. للكاتبة البريطانيّة ف.اس.سوندرز.

[xiv] Simon Berthon, Allies at War (London: Collins, 2001)

[xv] Aidan Crawley, De Gaulle: A Biography (London: The Literary Guild, 1969)

[xvi] http://www.wikileaks.fi/cable/2010/01/10PARIS58.html

[xvii] Zionism, Islam and the West. by Kerry Bolton

[xviii] http://www.wikileaks.fi/cable/2010/01/10PARIS58.html

[xix] C. Rivkin, ‘Minority Engagement Report,’ U.S. Embassy, Paris.

[xx] C. Rivkin, ‘Minority Engagement Report,’ U.S. Embassy, Paris.

[xxi] Anita Elash, ‘U.S. accused of meddling in France’s immigration policies,’ Globe & Mail, 17 February 2011, http://m.theglobeandmail.com/news/world/europe/us-accused-of-meddling-in-frances-immigrant-policies/article1910663/?service=mobile.

[xxii] Anita Elash, ‘U.S. accused of meddling in France’s immigration policies,’ Globe & Mail, 17 February 2011, http://m.theglobeandmail.com/news/world/europe/us-accused-of-meddling-in-frances-immigrant-policies/article1910663/?service=mobile.

[xxiii] Anita Elash, ‘In France, U.S. advocacy for Muslim rights raises more than a few hackles,’ Christian Science Monitor, 17 February 2011, http://www.csmonitor.com/World/Europe/2011/0217/In-France-US-advocacy-for-Muslim-rights-raises-more-than-a-few-hackles?nav=topic-tag_topic_page-storyList.

[xxiv] Zionism, Islam and the West. by Kerry Bolton

[xxv] Anita Elash, ‘In France, U.S. advocacy for Muslim rights raises more than a few hackles,’ Christian Science Monitor, 17 February 2011, http://www.csmonitor.com/World/Europe/2011/0217/In-France-US-advocacy-for-Muslim-rights-raises-more-than-a-few-hackles?nav=topic-tag_topic_page-storyList.

[xxvi] Barbara Lerner Spectre, ‘Jewish Peoplehood and Identity’, The Peoplehood Papers, New York: United Jewish Communities, 2007), 15, http://www.bh.org.il/Data/Uploads/Peoplehood%20Papers%201-%20November%202007.pdf

[xxvii] Zionism, Islam and the West. by Kerry Bolton

[xxviii] Zionism, Islam and the West. by Kerry Bolton

[xxix] Anita Elash, ‘U.S. accused of meddling in France’s immigration policies,’ Globe & Mail, 17 February 2011, http://m.theglobeandmail.com/news/world/europe/us-accused-of-meddling-in-frances-immigrant-policies/article1910663/?service=mobile.

[xxx] Zionism, Islam and the West. by Kerry Bolton

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download