قبل أن تبدأ مفاوضات الناقورة

تبدأ يوم الاربعاء 14 تشرين الاول/أكتوبر مفاوضات غير مباشرة بين وفد لبناني ووفد من العدو الاسرائيلي في مقر الامم المتحدة في الناقورة بحضور ممثل عن الامم المتحدة وتحت علمها بحضور وسيط اميركي. جاء ذلك تنفيذا لاتفاق اطار Frame work agreement تم التوصل اليه بين لبنان واسرائيل والامم المتحدة والولايات المتحدة واعلنه رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري في 1 تشرين الأول/أكتوبر الحالي.

بعد اعلان اتفاق الاطار، توالت ردود الفعل اللبنانية بين غالبية مؤيدة للاتفاق لانه يلبي الشروط اللبنانية ولا يتضمن اي مس بالسيادة الوطنية او بحقوق لبنان في ارضه ومياهه وخصوصا في المنطقة الاقتصادية الخالصة، وبين أقلية لم تكن معارضة بالمطلق لكنها طرحت تساؤلات حول توقيت اعلان الاتفاق وشكل التفاوض مع العدو الاسرائيلي ومضمون المناقشات واقحام موضوع مزارع شبعا وهواجس التطبيع وطبيعة دور الولايات المتحدة والامم المتحدة والسلوك المتبع للوفد اللبناني في حال مخالفة احكام اتفاق الاطار من قبل فريق العدو الاسرائيلي او فريق الولايات المتحدة والامم المتحدة .

قبل ان تبدأ مفاوضات الناقورة، لا بد من الاشارة الى النقاط الآتية:

أولاً، في توقيت اعلان الاتفاق:

بدأت المفاوضات بين رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري والمبعوث الاميركي فريدريك هوف عام ٢٠١١ وتتابعت مع المبعوثين اموس هولكشتاين وديفيد ساترفيلد وصولا إلى ديفيد شينكر. هوف طرح تقسيم ما اسماها المنطقة المتنازع عليها في المسطح المائي بين لبنان واسرائيل باعطاء ٥٠٠ كلم2 للبنان و٣٥٠ كلم2 مربع لإسرائيل. رفض الرئيس بري هذا العرض الذي عرف بـ”خط هوف” واصر على كامل حقوق لبنان. اما هولكشتاين الذي جاء بعد هوف، فقد اقترح إبقاء النزاع حول المسطح المائي على حاله وتكليف شركة مختصة بالتنقيب عن النفط والغاز واستثماره ووضع العائدات في صندوق يوزع على الطرفين. ايضا رفض الرئيس بري اي تعاون مع العدو في استثمار الغاز والنفط  وتمسك بحقوق لبنان بمياهه كاملة.

اما المبعوث ساترفيلد فقد اقترح فصل ترسيم الحدود البرية عن الحدود البحرية، فرفض الرئيس بري واصر على تلازم الترسيم برا وبحرا. ساترفيلد طرح مفاوضات مباشرة لبنانية اسرائيلية فرفض الرئيس بري واصر على مفاوضات غير مباشرة برعاية الامم المتحدة.

لو كان الوسيط الاميركي والعدو الاسرائيلي قد وافقا على الشروط اللبنانية في وقت سابق مثلا في عام ٢٠١٥ لوافق لبنان في ذلك الحين. هذا يعني ان التوقيت جاء نتيجة الموافقة الاميركية وليس نتيجة اعتبارات لبنانية كما ظن البعض

كان التوقيت رهنا باستجابة الوسيط الاميركي والعدو الاسرائيلي للشروط السيادية التي تمسك بها لبنان، ولما وافق الوسيط الاميركي، تمت الموافقة على اتفاق الاطار. ولو كان الوسيط الاميركي والعدو الاسرائيلي قد وافقا على الشروط اللبنانية في وقت سابق مثلا في عام ٢٠١٥ لوافق لبنان في ذلك الحين. هذا يعني ان التوقيت جاء نتيجة الموافقة الاميركية وليس نتيجة اعتبارات لبنانية كما ظن البعض.

ثانياً، شكل التفاوض مع العدو الاسرائيلي:

تضمن اتفاق الاطار ان المفاوضات تجري في مقر الامم المتحدة في الناقورة وتحت علمها وبحضور الوسيط الاميركي. هناك قواعد للمفاوضات غير المباشرة وهي ان كل فريق يتحدث مع الوسيط الدولي او الاميركي ولا يجري اي حديث مباشر بين الوفدين اللبناني والاسرائيلي . ومن المعروف ان الضباط اللبنانيين دقيقون في المفاوضات غير المباشرة وخصوصا في تفادي اي استدراج مثل تشكيل لجان فرعية تحمل في طياتها خروجا عن اتفاق الاطار او إجراءات شكلية مثل التقاط الصور المشتركة او التذكارية خصوصا بالهواتف النقالة او تبادل الهدايا او تناول القهوة مع وفد العدو او تناول الطعام وخلافه من الشكليات التي قد يلجأ اليها العدو لتحقيق ما يعتبره تقدما في شكل المفاوضات.

ثالثاً، مضمون المناقشات:

نص اتفاق الاطار ان موضوع المناقشات ينحصر بترسيم الحدود البرية والبحرية ولا شيء خلاف ذلك. قد يعمد العدو الى الخروج عن نص الاتفاق والاستطراد في حديثه عن الحدود الى الكلام عن الثروة الغازية او النفطية ومكامن الغاز وغيرها خصوصا انه علم ان من بين اعضاء الوفد موظفون كبار في وزارة الطاقة الاسرائيلية. كما قد يعمد العدو الى محاولة البحث في قضايا امنية على الحدود او مسائل اقتصادية او تلوث البيئة البحرية او مكافحة الحرائق او التهريب او حتى صيد السمك وكل ذلك وما شابه يعتبر خروجا واضحا عن مضمون اتفاق الاطار ولا يلزم المفاوض اللبناني ببحثه. لذلك، ثمة تعويل على دقة الوفد اللبناني في منع العدو او اي وسيط من الخروج عن اتفاق الاطار.

رابعاً، مزارع شبعا:

طرحت اوساط اعلامية وسياسية النزاع بين لبنان واسرائيل حول مزارع شبعا، لذلك ينبغي الحذر من محاولة العدو طرح هذه المسألة لانها اولا من خارج اتفاق الاطار، وهي تتعلق بالحدود اللبنانية السورية لا اللبنانية الاسرائيلية.

يمضي الوفد اللبناني الى المفاوضات بمهنية عالية وثقة كبيرة، متسلحاً بدعم القيادة السياسية اللبنانية والشعب اللبناني وقوة المقاومة الكفيلة بردع العدو عن اي عمل يمس السيادة اللبنانية في المنطقة الاقتصادية الخالصة

خامساً، هواجس التطبيع:

لمن يهجس بالتطبيع مع العدو، نذكر ان المفاوض اللبناني رفض لقاء لبنانياً اسرائيلياً مباشراً لانه يعتبره مظهرا تطبيعياً، واصر على مفاوضات غير مباشرة برعاية الامم المتحدة وتحت علمها وهذا يؤكد ان لا تطبيع مع العدو  في هذه المفاوضات. ومهما كانت طبيعة وفد العدو الاسرائيلي المفاوض من مستشارين سياسيين او اقتصاديين او خلافه، فان اتفاق الاطار حصر التفاوض بترسيم الحدود فقط وتاليا لن تكون للعراضة الاسرائيلية السياسية الاعلامية اية قيمة في اضفاء التطبيع على المفاوضات.

سادساً، دور الراعي الدولي والوسيط الاميركي:

بالنسبة للوفد اللبناني المفاوض واستنادا إلى اتفاق الاطار، فانه معني بتوجيه الاسئلة والتعليقات للوسيط الاميركي والراعي الدولي وتلقي الاجوبة والاسئلة والاستفسارات منهما  بشرط ان تكون جميعها متعلقة بترسيم الحدود البرية والبحرية لا غير. والوفدان الدولي والاميركي معنيان بنقل الكلام اللبناني الى الوفد الاسرائيلي وتلقي الاجوبة والعكس. اذا انحرف الراعي والوسيط عن اتفاق الاطار او اظهرا تناغما مع العدو فالوفد اللبناني معني بالتنبيه من الخروج عن الاطار المتفق عليه وتاليا عدم متابعة النقاش.

بالطبع يكون الوفد اللبناني، على عادة الوفود العسكرية من الجيش اللبناني التي شاركت في مفاوضات عديدة، وراكمت خبرة مؤسساتية منذ مفاوضات الهدنة عام ١٩٤٩ مرورا باعمال لجنة الهدنة ولجنة تفاهم نيسان لغاية اليوم، وعلى درجة عالية من اليقظة في كل جوانب المفاوضات.

خاتمة:

يمضي الوفد اللبناني الى المفاوضات بمهنية عالية وثقة كبيرة، متسلحاً بدعم القيادة السياسية اللبنانية والشعب اللبناني وقوة المقاومة الكفيلة بردع العدو عن اي عمل يمس السيادة اللبنانية في المنطقة الاقتصادية الخالصة، كما بموقف المؤسسة العسكرية الذي عبر عنه بيان قيادة الجيش الاخير حول اجتماع قائد الجيش بالوفد العسكري المفاوض، وتضمن إشارة إلى أن التفاوض يهدف “إلى ترسيم الحدود البحرية على اساس الخط الذي ينطلق من نقطة رأس الناقورة براً والممتد بحراً تبعاً لتقنية خط الوسط دون احتساب اي تأثير للجزر الساحلية التابعة لفلسطين المحتلة. وذلك استنادا الى دراسة اعدتها قيادة الجيش وفقا للقوانين الدولية.”

هكذا يخوض الوفد العسكري اللبناني المفاوضات بأمل التوصل الى نيل الحقوق اللبنانية كاملة وغير مجتزأة وتحقيق نتائج مشرفة ومنع العدو من استغلال المفاوضات لمارب مضرة بلبنان ومصالحه الوطنية.

إلياس فرحات

عميد ركن متقاعد

Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course