“حرب” فرنسا ضد “الظلام الكوروني” و”الظلامية الاسلامية”
Flowers, a candle and a message are seen in front of the Bois d'Aulne college after the attack in the Paris suburb of Conflans St Honorine, France, October 17, 2020. Placard reads "I am teacher". REUTERS/Charles Platiau

كيف عاشت فرنسا دخولها في "الموجة الثانية" من انتشار وباء كورونا وتزامنها مع تصاعد الحملة ضد "التطرف الاسلامي" مع جريمة ذبح المدرس في احدى ضواحي باريس ؟ وما هي تفاعلات هذين الحدثين داخل المجتمع الفرنسي ؟

نهاية اسبوع “كئيبة ومظلمة” عرفتها فرنسا بفعل حدثين متسارعين أربكا الحياة السياسية وأثقلا الأجهزة الأمنية وشغلا الأوساط الاعلامية وتركا أثراً بالغاً لدى الأوساط الشعبيية.

بدأت مع اطلاق الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون صفارة الانذار من مخاطر دخول بلاده في الموجة الثانية من انتشار وباء كورونا مع تجاوز اعداد المصابين اليومي ال 32 الف وصولا الى 33 الف يوم السبت الماضي.

وشهدت تطوراً دراماتيكياً مع اقدام مواطن من اصل شيشاني على ذبح وقطع رأس مدرس احتجاجاً على عرض الأخير رسوماً كاريكاتورية للنبي محمد خلال تدريسه مادة التاريخ والتربية المدنية وحرية التعبير في صف المدرسة الكائنة في احدى البلدات التي تبعد حوالى الخمسين كيلومترا عن العاصمة الفرنسية.

اللافت ان ردود الفعل على هذين الحدثين تميزت بحدتها واستعانت بمفردات من قاموس “الحرب” مستخدمة العبارات نفسها في تلك الحالتين وقد استدعى لكل منهما انعقاد “مجلس دفاع” برئاسة رئيس الجمهورية لمعالجة التداعيات.

ففي “الحرب” التي اطلقها الرئيس ماكرون من اجل “التصدي” لوباء الكورونا و “احتواء” هذا “العدو الخفي” أعلن فرض “حظر التجول” في ثماني مناطق فرنسية اضافة الى العاصمة وضواحيها.

وقد بدت باريس “عاصمة النور” و”مدينة الأضواء” منذ ليلة السبت مدينة معتمة، كئيبة، لا حركة فيها ولا تجول…حماية من العدو وانقضاضه على صحة سكانها وزائريها. أما رجال الأمن فكانوا في “جهوزية تامة” للسهر على تطبيق تدابير “حالة الطوارىء” الصحية.

ردود الفعل على الحدثين الفرنسيين تميزت بحدتها واستعانت بمفردات من قاموس “الحرب” مستخدمة العبارات نفسها في تلك الحالتين وقد استدعى لكل منهما انعقاد “مجلس دفاع” برئاسة رئيس الجمهورية لمعالجة التداعيات

كان ذلك تزامن مع تحقيقات قضائية تناولت دهم وتفتيش مكاتب ومقرات اقامة رئيس الوزراء السابق ووزيري الصحة السابق والحالي بعد تقديم اكثر من دعوى ضد الحكومة واتهامها بالتقصير في معالجة تداعيات الموجة الاولى لانتشار الوباء.

الحدث الثاني تفاعل وقعه بشكل تدريجي ويبدو ان الصدمة ستفعل فعلها بشكل متصاعد في الأيام المقبلة وذلك لاعتبارات عديدة، ابرزها:

أولاً، بشاعة جريمة القتل زادت في حدتها طريقة تنفيذها حيث “همجية” ذبح وقطع رأس الضحية صدمت الرأي العام الفرنسي واستفزت مشاعره الانسانية.

ثانياً، كون الضحية مدرس خلق جوا من التعاطف في أوساط أهالي الطلاب وداخل الاسرة التعليمية التي رفعت شعاراً موحداً استنكاراً وشجباً وهو “أنا مدرس”. وترافق ذلك مع  موجة من التضامن الوطني.

ثالثاً، تزامن حادث الاعتداء، الذي ارتكبه شاب باسم الدفاع عن الاسلام، مع النقاشات السياسية والأجواء الاعلامية التي رافقت اطلاق حملة الرئيس ماكرون لمواجهة ما سماها “الانفصالية الاسلامية”.

رابعاً، سلطت الاضواء على تصرفات وتجاوزات في عدد من المدارس والجمعيات والبلدات والضواحي حيث غالبية السكان من اصول مهاجرة ومسلمة تتعارض مع “العلمنة” التي تنادي بها الجمهورية الفرنسية منها: رفض بعض الاطفال والطلاب الذكور مصافحة رفاقهم الاناث في المدرسة، امتناع بعض الأهالي من ارسال اولادهم لمتابعة دروس الموسيقى، احتجاج عدد من الطلاب على القاء المدرسين دروسا في بعض مواد التاريخ، المطالبة في تخصيص اوقات مختلفة في احواض السباحة لكل من الذكور والاناث، رغبة بعض الفتيات والنساء ارتداء البوركيني في احواض السباحة العامة، فرض لائحة طعام تتناسب والمقتضيات الاسلامية في المطاعم المدرسية….

خامساً، التخبط داخل الحكومة حول كيفية معالجة موضوع التعامل مع “التطرف الاسلامي” في كل جوانبه ومظاهره. حتى ان التسمية اختلفت في أكثر من مرة، فمن مواجهة “الانفصاليات” الى “الانفصالية الاسلامية” وصولا الى فرض احترام “مبادىء العلمنة”.

“No Pasaran”… “Ils ne passeront pas”

“لن يمروا”…! ردد الرئيس ماكرون هذه العبارة الشهيرة مرتين في رده الاولي على الجريمة، وهي استخدمت مرة اولى في معركة فردان في الحرب العالمية الاولى ثم استعملها المناضلون الوطنيون الاسبان في معركتهم ضد الجنرال فرنكو خلال الحرب الاهلية الاسبانية، و بذلك رفع الرئيس الفرنسي سقف المواجهة ووضع الموضوع في مصاف القضايا الوجودية.

ردة فعله هذه، أتبعها الرئيس ماكرون بكلام لا يقل قسوة وخطورة اذ تحدث عن “محاولات القضاء على الجمهورية وقيمها” وواصفا هذه “الأفعال الارهابية الاسلامية” ب”الهمجية والظلامية”، من هنا جاءت دعوته الفرنسيين الى “الوحدة والتضامن ومنع الانقسام”.

والملاحظ ان ردود الفعل السياسية التي توالت في الساعات الاخيرة، من اليمين  كما من اليسار، جاءت في السياق نفسه لا بل ذهبت أبعد من ذلك مطالبة الدولة والحكومة ب”الضرب بقوة وبسرعة” وذلك “قبل فوات الأوان”.

والكلام عن “الحرب”، اصبحت الكلمة على كل شفة ولسان، بات المادة التي يلتقي عليها الكثير من الاحزاب السياسية وممثلي المجتمع المدني، حتى ان بعض المعتدلين  يطلق شعاراً “إما نحن إما هم !”، ويطالب بادخال تعديلات على الدستور تكرس مبادىء العلمنة داخل الجمهورية وتشديد القوانين لفرض احترامها.

واللافت ان الاصوات الداعية الى “تفهم” الاوضاع التي اوصلت البلاد الى هذه الحالة والتعامل ب”هدوء وحكمة وعقلانية” للنظر في كيفية مواجهتها يتم التصدي لها كما حدث خلال مداخلة لاحدى الشخصيات السياسية التي انتقدت بشدة احد الصحافيين المشاركين في الندوة التلفزيونية الذي كان يدعو الى دراسة كل الظروف المحيطة التي أدت الى وقوع الحادث.

يبقى ان هذين الموضوعين “الكوروني والاسلامي” لم يدخلا فقط في سوق المزايدة السياسية بل فرضا وجودهما في طليعة مواضيع الحملة الانتخابية الرئاسية التي يبدو انها بدأت باكراً قبل موعدها المحدد في الأشهر الأولى من عام 2022.

باريس ـ بشارة غانم البون

صحافي وكاتب لبناني مقيم في باريس

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
download udemy paid course for free