الجائزة الكبرى لقاح كورونا.. كلّ شيء مباح

أكثر من 100 لقاح تعمل البشرية عليهم حالياً لمكافحة فيروس كورونا المستجد، وسيحصل الفائز على "الجائزة الكبرى"، فيما ستدفع البشرية ثمن عودة حياتها إلى ما كانت عليه قبل كانون الأول/ديسمبر 2019، أي قبل إنفلات الوحش من عقاله.

الفيروسات هي الشكل الأبسط والأكثر تعقيدًا للحياة، فهي ترافق كلّ الكائنات الحيّة، مهما كبرت أو صغرت، بسيطة كانت أم معقدة. لا هدف للفيروس سوى التكاثر ولا يملك أية آلية لذلك. هو عبارة عن كبسولة تحتوي على مادة وراثية (DNA أو RNA أو بروتين) وعلى الكبسولة، هناك بروتينات تعمل كمفاتيح تسمح له بالولوج إلى الخلايا، وهذه المفاتيح أساسية جدًا في فهم عمل الفيروسات لأنها شديدة التخصص. فما يصيب منها الحيوانات لا ينتقل للبشر لأن المفاتيح الخاصة بنوع من الحيوانات لا يفتح الخلايا البشرية والعكس صحيح، أما المصائب الكبرى، فتقع عند تدخل البشر المباشر والشديد في الحياة الحيوانية البرية، عندها يمكن أن تحصل القفزة من جنس إلى آخر وهذا ما حصل مع الفيروس التاجي المستجد أو الكورونا (كوفيد 19).

اللقاح.. كيفية العمل؟

اللقاحات هي واحدة من أبرز اكتشافات الإنسان خلال القرن التاسع عشر، وانطلقت بشكل أساسي مع الطبيب الفرنسي لويس باستور الذي أفضت تجاربه إلى صناعة أول لقاح مضاد لداء الكلب الفيروسي الذي كان ينتقل من الكلب إلى الإنسان عن طريق العض مُتسببًا بالوفاة.

تعمل اللقاحات على تحفيز الجهاز المناعي في الجسم من أجل إنتاج أجسام مضادة لأي جسم دخيل، سواء أكان هذا الجسم فيروسًا أم بكتيريا، عن طريق تعريف الخلايا المناعية على الدخيل بطريقة مخففة تسبب فقط إنتاج ما يُعرف بخلايا الذاكرة المناعية التي تحفظ الخطر وكيفية التعامل معه كي تستعمل هذه المعرفة في أيّ لقاء لاحق، وبما أنّ بحثنا يتمحور اليوم حول الفيروسات، سنهتم فقط بطريقة عمل هذه الأخيرة التي لا تعتبر من الكائنات الحيّة بحسب التصنيف البيولوجي والكيميائي للأحياء، فهي وحدها لا تأكل؛ لا تشرب؛ ولا تتكاثر، وبالفعل تحتاج دومًا إلى مضيف تسيطر عليه وتتكاثر عبر آلياته.

لإنتاج أي لقاح خاص بالفيروس، يقوم العلماء بصناعة إما:

  1. فيروس مخفف أو دون فعالية يحقن في الجسم لتفعيل الجهاز المناعي تجاهه، وهذا ما يُعرف بالجيل الأول من اللقاحات.
  2. البروتينات الموجودة على كبسولة الفيروس التي تقوم بالتسبب بردة فعل مناعية تجاهها وبالتالي لو حصل اللقاء مع الفيروس الحقيقي ستتعامل الخلايا المناعية مباشرة مع البروتينات على الكبسولة ما يؤدي بالتالي لتحييده، وهذا ما يُعرف بالجيل الثاني من اللقاحات.
  3. المادة الوراثية الخاصة بالفيروس وحقنها بالجسم، فتقوم بعض الخلايا بتصنيع البروتينات بناءً على هذه المادة وبالتالي تحصل ردة الفعل المناعية على الفيروس وتحفظ في الذاكرة. هذه التقنية واعدة جدًا في تركيب لقاحات مضادة لبعض السرطانات وأخرى خاصة بكل أشكال فيروس الانفلونزا المعروفة وغير المعروفة، وهذا هو الجيل الثالث من اللقاحات.

خط الإنتاج

أما خط إنتاج اللقاح، فهو معقد جدًا ويتطلّب الكثير من الوقت والدراسات التي ألزم الإنسان نفسه بها عبر البروتوكولات الخاصة، فمع أي خطأ غير محسوب في اللقاح، نكون أمام مرض جديد لم نحسب له أي حساب، لذلك، يبدأ هذا المسار مع إنطلاق الدراسات الأولية وعزل جسم الفيروس أو المراد منه، ومن ثمّ تنطلق التجارب على الحيوانات للتحقق من الإستجابة المناعية والحصول على الموافقة على إجراء التجارب البشرية الأساسيّة التي تنقسم بدورها إلى ثلاث مراحل:

  1. المرحلة الأولى: تجربة على عينة بشرية صغيرة متطوعة من البالغين حصرًا وتهدف إلى التحقق من ردة الفعل المناعية البشرية الأولية.
  2. المرحلة الثانية: تجربة على عينة بشرية أكبر وتهدف إلى اختبار مدى أمان اللقاح والجرعة وطريقة إيصال المادة (حقن، بلع..).
  3. المرحلة الثالثة: تجربة على عينة بشرية كبيرة من آلاف الأشخاص متعددي الأعراق وتهدف إلى التحقق من قدرة اللقاح على منع وقوع المرض بشكل أساسي.

وبعد انتهاء هذه المراحل الثلاث بنجاح، يتوجه مطوّرو اللقاح نحو تحصيل الموافقات اللازمة، التي تختلف بين دولة وأخرى ويبقى الهدف منها واحدًا وهو الإنتاج بشكل كبير ما يحتّم بالتالي على المنتج امتلاك الوسائل اللازمة من مصانع ومختبرات وبنى تحتية وموارد بشرية ملائمة.

وفي حال وجود جائحة، كحالتنا الآن تختصر العمليات لناحية الوقت اللازم بين مرحلة وأخرى بشكل كبير وذلك لتلبية الحاجات الملحة، مثلًا روسيا وضعت لقاحًا قيد التداول قبل إتمام دراسات المرحلة الثالثة التي طلبت إجراءها خلال حملة التلقيح العام الذي يجري حالياً.

لقاح كورونا المستجد

ومع فيروسنا التاجي المستجد الثاني (كورونا)، بدأت معظم العمليات البحثية مع المرحلة الأولى دون مرحلة الدراسات التي كانت منجزة بشكل جيد خلال العام 2008 مع تفشي سلف الكوفيد 19 ونقصد به فيروس سارس حيث بدأت مراكز الدراسات فعليًا بالعمل وقتها ولكنّها عادت وتوقفت بعد اختفاء الفيروس بشكل كامل دون فهم الأسباب خلف ذلك.

أما الآن، فتعمل المراكز البحثية العالمية بشكل تنافسي محموم على إنهاء اللقاح وإطلاقه في الأسواق وقد وصل 65 منها إلى مراحل متقدمة، ولكن لم تصل كلّها إلى المرحلة الأخيرة.

وتتوزع اللقاحات على المراحل وفقًا للآتي:

ما بعد الاختراق

يتوقع المجتمع العلمي الوصول إلى النتيجة المرجوة، لكن ثمة عقبات لا يأتي الإعلام على ذكرها، مثلًا، لتحقيق المناعة المطلوبة للعودة إلى الحياة الطبيعية في الكوكب، تحتاج البشرية إلى حوالي الملياري جرعة من اللقاح وليس هناك قدرة إنتاجية تستطيع تحقيق هذه الأرقام خلال أشهر قليلة ما يدفع الدول لتنافس كبير وغير شرعي بتاتًا، فكلّ منها تريد تأمين مواطنيها في حسابات إنتخابية وسياسية تجعلك تقف مشدوهًا كيف يتاجر البعض بصحة الأمم للبقاء في سدة الحكم، وكلام الرئيس الأميركي دونالد ترامب في المناظرات وقبلها، خير دليل على ذلك، فقد عرض على شركات عالمية شراء اللقاح بمليارات الدولارات لتأمينه للشعب الأميركي أولًا.

كما بدأ عمالقة صناعة الدواء في العالم، وبرغم الكساد الاقتصادي غير المسبوق، بشراء مصانع أدوية في دول ذات يد عاملة رخيصة مثل الصين والهند تحضيرًا للمرحلة القادمة، وهي مرحلة صناعة اللقاح عالميًا، كما قامت منظمة الصحة العالمية بإنشاء منصة COVAX كوفاكس لتأمين اللقاح الحاصل على الموافقات اللازمة من المنظمة للذين يحتاجون إليه بشكل حرج، ومن أجل تأمين عدالة التوزيع بين الدول الفقيرة والغنية، دون أن تقوم الأخيرة بتفعيل قدراتها لأنها قد تمنع الأفقر من الوصول إلى اللقاح، وبالتالي ستقوم هذه المنصة بالاستثمار في مصانع الدواء للحصول على عدد جرعات أكبر وإيصاله للعدد الأكبر من المحتاجين، وهذا ما أكدت عليه وزارة الصحة اللبنانية مؤخرًا حول حجز كمية لقاحات لصالح الدولة اللبنانية على المنصة العالمية.

أخيرًا، التنافس على أشدّه بين الدول، فالفائز سيربح المليارات ويؤمن آلاف فرص العمل لمجتمعه بالإضافة للسمعة العلمية الرائدة التي ستحصّلها الشركة المصنعة والدولة الأم، ما دفع وسيدفع الكثيرين إلى التشكيك في كلّ النتائج فالبعض في العالم لا يريد إلا أن يكون هو الفائز بالدواء إن وجد أو اللقاح إن اكتشف، والدليل الأبرز على ذلك تشكيك الغرب كلّه بالنتائج الروسية والصينية. ففي روسيا والصين، بلغت اللقاحات مراحل التجربة الكبيرة (الثالثة)، بانتظار النتائج الواعدة.

(*) في الحلقة التالية: الفيروس يتغيّر، لقاح الانفلونزا الموسمي، الفيتامينات وخلطات الأدوية المنتشرة

فؤاد إبراهيم بزي

كاتب متخصص في المواضيع العلمية

Download WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
online free course