فرنسا غاضبة من “رجال” مصارف لبنان: إنهم مجرمون!

ساد اعتقاد مؤخراً أن فرنسا راضية عن مقاربة جمعية مصارف لبنان الخاصة بانشاء صندوق سيادي قوام أصوله 1.1 مليار متر مربع من الأملاك العقارية العامة، تضع المصارف يدها عليه في جملة حلول التوافق على توزيع الخسائر التي تقدر بنحو 80 مليار دولار، على ان تتحمل المصارف خسائر في محفظة ما اقرضته مباشرة للدولة فقط، لا ما أودعته في مصرف لبنان.

ذلك الاعتقاد خاطئ، وفقاً لمصادر فرنسية معنية مباشرة بالملف الاقتصادي والمالي اللبناني، مع انتقاد للطريقة التي وصل فيها وفد جمعية المصارف الى باريس وعقد اجتماعات هناك بين 9 و11 أيلول/سبتمبر الماضي، باعتماد شركة علاقات عامة (Global Sovereign Advisory GSA) رتبت مواعيد رفيعة المستوى برغم انخفاض مصداقيتها عند الجانب الفرنسي.

والغضب الفرنسي، الذي بقي مكتوماً منذ ذلك الحين، شمل الطريقة التي سربت فيها جمعية المصارف (ضمناً أيضاً شركة العلاقات العامة) ما دار في الاجتماعات لتوحي بأن هناك قبولاً فرنسيا لما تطرحه الجمعية، من دون التركيز على ما قاله الفرنسيون لجهة ضرورة الاتفاق النهائي على أرقام الخسائر وإستعادة ثقة اللبنانيين والأسواق المالية والمجتمع الدولي، وضرورة اقناع صندوق النقد الدولي بالارقام والخطط وليس اية جهة أخرى في العالم، أي أن زيارة باريس كانت عملياً “لزوم ما لا يلزم”.

ويذهب الفرنسيون المعنيون بالملف اللبناني في وصف معظم اعضاء الوفد المصرفي اللبناني، بأنهم إما “لا يفقهون شيئاً في عالم المال والمصارف والأعمال أو أن نواياهم سيئة أو أنهم مجرمون” بكل ما يحمل ذلك التوصيف من قساوة غير معهودة باللغة الدبلوماسية.

ويجمع الفرنسيون على أن لا ولوج لحل أزمة لبنان المالية إلا من باب صندوق النقد الدولي، وخلاف ذلك كله مضيعة شنيعة للوقت الذي لم يعد فيه متسع للمناورات التي يعشقها اللبنانيون وباتت ممجوجة لا طائل تحتها البتة مهما حاولوا. هنا، يحذر الفرنسيون من أن صندوق النقد بدأ يمل من اللبنانيين وتعاملهم كالسلحفاة مع هذا الملف في الوقت الذي بدأت فيه تتراجع إحتياطات لبنان من العملة الصعبة “إلى حد النفاذ”.

وفي قضية الصندوق السيادي وملف الخصخصة وبيع أملاك الدولة، فان موقف الفرنسيين كان مفاجئاً للجميع وتعمدت جمعية المصارف عدم تظهيره للعلن: نحن لا ننصح بأي بيع أو خصخصة حالياً، لأسباب بديهية أبرزها أن أسعار الأصول اليوم في أدنى مستوياتها. وللمثال لا الحصر، لن يستطيع لبنان الحصول على سعر جيد لشركة طيران الشرق الاوسط في وقت يعاني فيه هذا القطاع عالمياً من خسائر قياسية بسبب جائحة كورونا وقيود السفر المستمرة الى أجل غير مسمى، كما أن لا مصلحة للبنان بأن يضع هذه الشركة في خانة أملاكه مخافة أن يُقدِم حملة سندات اليوروبوندز على حجز أصولها، وأيضاً لا قيمة تذكر لشركة كازينو لبنان في ظل شح السياح وعدم وضع لبنان على خارطتهم خلال سنوات مقبلة، ولا يمكن الحصول على قيمة من بيع مرفأ بيروت بعدما تدمّر الجزء الأكبر منه.. والقائمة تطول لتشمل مرافق أخرى مترهلة أو منهوبة. بإختصار، يقول الفرنسيون “المناداة ببيع هذه الأصول في ظل هذه الأوضاع ضرب من الخيال والجنون”!

يذهب الفرنسيون في وصف معظم اعضاء الوفد المصرفي اللبناني، بأنهم إما “لا يفقهون شيئاً في عالم المال والمصارف والأعمال أو أن نواياهم سيئة أو أنهم مجرمون”

والنصيحة الفرنسية البديلة هي، بالإضافة إلى اجراءات الاصلاحات التشريعية اللازمة، العمل فوراً على تحسين أداء الشركات والمرافق العامة لتستطيع زيادة ايراداتها، وبالتالي ترتفع قيمتها بانتظار اللحظة المناسبة لبيعها، او منح شركات محلية وعالمية عقود ادارة لها بعيداً من الطريقة التحاصصية والزبائنية القائمة، منذ عقود، على وضع يد السياسيين الفاسدين عليها بشكل مباشر أو غير مباشر.

ما عدا ذلك، أي إعتقاد للمصارف اللبنانية ببيع أو رهن أصول الدولة من أجل الإقتراض مجدداً وملء خزائنهم هو موقف غير أخلاقي. الصندوق السيادي يجب أن يكون في خدمة مستقبل اللبنانيين لا في خدمة حسابات الماضي أو تسوية حسابات لا أحد يملك بدقة أرقامها حتى الآن، يقول الفرنسيون.

في المقابل، لا يبدي المصرفيون خوفاً من تسريب الغضب الفرنسي، بل هم اليوم اكثر اطمئناناً من أمس، مفعمين بأمل استطاعة سعد الحريري تشكيل حكومة “صديقة” للقطاع المصرفي، تشكل نقيضاً لتلك المستقيلة التي “كشّرت عن أنيابها ضد المصارف وساهمت في شيطنة هذا القطاع حتى بات ممسوحاً بكرامته وكرامات مصرفييه في الشوارع والزواريب”، كما يقول مصرفيون من الصف الأول.

وكان القطاع تنفس الصعداء مع اختراقه البرلماني من باب التأثير على لجنة المال والموازنة النيابية التي نسفت أسس وأرقام خطة “لازارد” وخفضت تقدير الخسائر أكثر من النصف بهندسات محاسبية بالتراضي مشكوك فيها كما يعتقد بعض خبراء المال في مقابل دفاع آخرين عن صحتها. وستتمسك المصارف ومعها مصرف لبنان بما آلت إليه تلك اللجنة النيابية من أرقام وتوصيات، لتبني على الشيء مقتضاه مع الحكومة الحريرية المنتظرة.

“لكن أنت تريد وأنا أريد وصندوق النقد يفرض ما يريد”، كما يقول الفرنسيون، ولا مفر من قدر هذا الصندوق على ما يبدو من كل المعطيات حتى الآن. هنا مربط الفرس، لأن لسان حال الفرنسيين الرعاة للبنانيين بعدما انفض العالم  من حولهم، ان لا أموال من “سيدر” اذا لم يوافق صندوق النقد على الخطة الحكومية المنتظرة ونتائج التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان. واستباقاً للأحداث المؤلمة الآتية في مقبل الأيام والأشهر، تواصل حاكم مصرف لبنان رياض سلامة مع مجلس إدارة صندوق النقد قبل أيام عبر تطبيق “زووم”، وهذا يطرح أسئلة عن دوره في مستقبل المفاوضات مع الصندوق: أهو مركزي أم مساعد رديف لوزارة المال ومن ورائها الحكومة؟

وليس سراً موقف صندوق النقد الذي يتحفظ منذ سنوات طويلة على سياسات المصرف المركزي وحاكمه، ويسري ذلك على الحريري الذي يميل الى وضع حاكم مصرف لبنان في الواجهة لثلاثة اسباب. الأول، لمعرفة امكانية فكاكه من طوق التدقيق الجنائي بأسلوبه الخاص المجرب خصوصاً في لقاءاته واتفاقاته مع وزارة الخزانة الأميركية، والثاني، للحؤول دون تضارب جديد في المقاربات وتقييم الخسائر وأولويات بنود خطط الإصلاح كما حصل مع حكومة حسان دياب. والثالث متعلق ببنك البحر المتوسط المنكشف، كما معظم المصارف، على ديون الدولة.

على مُلّاك البنوك ضخ رساميل جديدة بنحو 20 مليار دولار، او الاندماج في ما بينها لينخفض العدد من 68 مصرفا الى أقل من 20. خلاف ذلك سيندثر القطاع تدريجياً ليفقد لبنان ميزة تفاضلية لطالما تغنى بها

إلى ذلك، تملك جمعية المصارف أوراقاً أخرى لا تقل أهمية مما سبق، مثل أنها ستظل تماطل في زيادة رساميلها قبل إتضاح الرؤية في مصلحتها، وتمعن في إجراءات “كابيتال كونترول” استنسابي على شرائح دون أخرى  على نحو يحمي علاقاتها مع أهل السلطة دون بقية المودعين، والأنكى هو خطاب فج يمكن ان يطل برأسه في أي لحظة حشر ممكنة. خطاب يتهم الجميع، لأن هذا “الجميع” استفاد وعليه ان يتحمل جزءاً من الخسائر. وسبق لأمين عام جمعية المصارف مكرم القول سراً وعلناً “ان الجميع استفاد من تثبيت سعر الصرف في مدى 25 عاماً”. تثبيت منح اللبنانيين قوة شرائية عززت استهلاكهم ورفعت مستوى معيشتهم، إذ تقدر كلفة سعر الصرف المصطنع لليرة منذ 1997 بنحو 25 مليار دولار صرفت في سبيل تأمين حماية قدرة اللبنانيين الشرائية!

وللتذكير ببعض الأرقام، فان الدين العام الإجمالي بلغ في حزيران/ يونيو الماضي اكثر من 93 مليار دولار توزعت كالآتي:

16.3 مليار دولار ديون للمصارف معنونة بالليرة.

34.7 مليار دولار لمصرف لبنان معنونة بالليرة.

7.6 مليار دولار للقطاع غير المصرفي معنونة بالليرة.

32.7 مليار دولار يوروبوند بالدولار.

1.4 مليار دولار باتفاقيات متعددة الأطراف.

0.9 مليار دولار باتفاقيات ثنائية الاطراف وأخرى.

وللوفاء بشرط من شروط صندوق النقد يجب شطب نحو 70 مليار دولار من تلك الديون، ليصل الدين الى ما دون 100 في المائة من الناتج الذي تدهور من 54 مليار دولار الى ما دون 20 ملياراً.

برغم كل ما سبق، ووفق السيناريوهات المختلفة ، فان المصارف لن تستطيع الهروب من إعادة الرسملة تطبيقاً لمعايير بازل 2 و3 والمعيار المحاسبي الدولي رقم 9 (آي أف آر أس ناين) اذا أرادت ان تتعامل من جديد مع النظام المالي العالمي بملاءة مقبولة وسيولة نسبية، ويعني ذلك ان على مُلّاك البنوك ضخ رساميل جديدة بنحو 20 مليار دولار، او الاندماج في ما بينها لينخفض العدد من 68 مصرفا الى أقل من 20. خلاف ذلك سيندثر القطاع تدريجياً ليفقد لبنان ميزة تفاضلية لطالما تغنى بها وباتت الآن محروقة بانتظار ذر رمادها في هوة الإفلاس السحيق!

منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy course