لا مبرر لتأجيل الإنتخابات الفرعية.. والبرلمان اللبناني غير مكتمل دستورياً
سياسة من جلسة التمديد لمجلس النواب ( عباس سلمان )

بتاريخ 13 آب/أغسطس 2020 تليت في البرلمان اللبناني كتب استقالة 8 نواب هم: نديم الجميل (ماورني، بيروت)، بوليت يعقوبيان (أرمن أرثوذكس، بيروت)، سامي الجميل (ماروني، المتن)، الياس حنكش (ماروني، المتن)، ميشال معوض (ماروني، زغرتا)، نعمة افرام (ماروني، كسروان)، هنري حلو (ماروني، عاليه) ومروان حماده (درزي، الشوف).

إعتباراً من تاريخ تلاوة هذه الاستقالات أصبحت نهائية، ومنها تحتسب مهلة إجراء الانتخابات الفرعية التي حددتها المادة 41 من الدستور التي نصّت على أنه:”إذا خلا مقعد في المجلس يجب الشروع في انتخاب الخلف في خلال شهرين، ولا تتجاوز نيابة العضو الجديد أجل نيابة العضو القديم الذي يحل محله. أما إذا خلا المقعد في المجلس قبل انتهاء عهد نيابته بأقل من ستة أشهر فلا يعمد إلى انتخاب خلف”.

وتنفيذاً لهذا النص وقّع وزير الداخلية والبلديات مشروع مرسوم يرمي إلى إجراء الانتخابات الفرعية ورفعه بتاريخ 24/8/2020 إلى رئيس الحكومة، فأعادت الأمانة العامة لمجلس الوزراء مشروع المرسوم إلى وزارة الداخلية والبلديات بموجب الكتاب رقم 1942 تاريخ 10/9/2020 بسبب وجود موافقة استثنائية لكل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة على تأجيل الانتخابات النيابية الفرعية في هذه المرحلة إلى ما بعد 1/1/2020.

إن هذه الموافقة الاستثنائية قد استقرّ القول على أنها غير دستورية في ظلّ غياب النص الدستوري الذي يفوّض أو يجيز لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إقفال مؤسسة مجلس الوزراء وممارسة صلاحيات هذه المؤسسة، فالمادة 64 من الدستور واضحة، على ألا تمارس الحكومة صلاحياتها قبل نيلها الثقة ولا بعد استقالتها أو اعتبارها مستقيلة إلا بالمعنى الضيق لتصريف الأعمال. فهذه الفقرة تتحدث عن حكومة تصريف أعمال وليس عن وزير تصريف أعمال، وهذا ما سبق أن تبنته الهيئة الوطنية لحماية الدستور بموجب رأيها تاريخ 19/11/2013، حين اعتبرت ان “الموافقات الاستثنائية هي بدعة دستورية تختزل سلطة مجلس الوزراء والوزير المعني معا، شكلا ومضمونا، كما تشرك رئيس الجمهورية في السلطة التنفيذية في حين انه يتولى رئاسة الدولة”. وهذا الإلغاء لمؤسسة مجلس الوزراء إنما يمسّ بانتظام أداء المؤسسات الدستورية الذي هو اساس الانتظام العام في الدولة، وبمقتضاه فإن كل مؤسسة دستورية تقوم ودون ابطاء، بالمهام المناطة بها، ضمن الصلاحيات المعطاة لها، وفي اطار القواعد والمبادىء التي نص عليها الدستور، وفي الظروف الاستثنائية تقتضي قيام المؤسسات الدستورية بواجبها ومضاعفة نشاطها لمواجهة الظروف الاستثنائية والحفاظ على كيان الدولة ومصالحها العليا (حسب تعبير المجلس الدستوري في قراره رقم 7/2014 تاريخ 28/11/2014 الصادر بالطعن في قانون تمديد ولاية مجلس النواب).

وبمعزلٍ عن دستورية الموافقة الاستثنائية، فإنه لم يكن يدخل ضمن صلاحية السلطة التنفيذية الأصلية (مجلس الوزراء) وتالياً الجهة التي حلّت مكان السلطة الأصلية، بأن تؤجل انتخابات فرعية مكرّسة مهلها بنصّ الدستور ثم بموجب قانون انتخاب أعضاء مجلس النواب  لا سيما المادة 41 التي نصّت على أنه:”إذا شغر أي مقعد من مقاعد مجلس النواب بسبب الوفاة أو الاستقالة أو إبطال النيابة أو لأي سبب آخر، تجري الانتخابات لملء المقعد الشاغر خلال شهرين من تاريخ الشغور، أو من تاريخ نشر قرار المجلس الدستوري القاضي بإبطال النيابة، في الجريدة الرسمية.. 2- تُدعى الهيئات الناخبة بمرسوم ينشر في الجريدة الرسمية. وتكون المهلة بين تاريخ نشر هذا المرسوم واجتماع الهيئات الناخبة ثلاثين يوماً على الأقل”.

إن أي تأجيل- في حال كان مبرراً بالظروف الاستثنائية- فإنه يحتاج إلى قانون يصدر عن مجلس النواب، لأن إعلان حالة الطوارئ لا تمنع مجلس النواب عن الانعقاد والتشريع، ولهذا لا يوجد أي مبرر لمصادرة صلاحية مجلس النواب واتخاذ قرار موافقة استثنائية على تأجيل إجراء الانتخابات الفرعية

إن هذا القانون قد ألزم الحكومة بمهلة لإصدار مرسوم دعوة الهيئات الناخبة ولإجراء الانتخابات، ولهذا فإن أي تأجيل- في حال كان مبرراً بالظروف الاستثنائية- فإنه يحتاج إلى قانون يصدر عن مجلس النواب، لأن إعلان حالة الطوارئ لا تمنع مجلس النواب عن الانعقاد والتشريع، ولهذا لا يوجد أي مبرر لمصادرة صلاحية مجلس النواب واتخاذ قرار موافقة استثنائية على تأجيل إجراء الانتخابات الفرعية.

علماً أن تبرير التأجيل بإعلان حالة الطوارئ ليس حجة مقنعة، ذلك أن حالة الطوارئ معلنة في مدينة بيروت فقط، ولهذا على فرض أن حالة الطوارئ تبرر التأجيل في بيروت، إلا أنها وفق المبادئ الناظمة لحالة الظروف الاستثنائية التي أقرها الاجتهاد الإداري والدستوري، لم يكن جائزاً تمديد حالة الطوارئ خارج بيروت واتخاذ القرار بتأجيل الانتخابات الفرعية خارج النطاق المكاني لحالة الطوارئ، لأن الأخيرة ينطبق عليها القواعد التي تطبّق في حالة الظروف الاستثنائية التي تتطلب لأجل صحة التدابير المتخذة أن تتوافر أسبابا موضوعية حقيقية وظاهرة، تحول دون تأمين الانتظام العام من خلال تطبيق القوانين العادية، وهي تتحدد في المكان والزمان.

ولما كان اجراء الانتخابات النيابية دوريا هو من اركان الانتظام العام، فلا يجوز بالتالي التفريط بها بحجة الظروف الاستثنائية (مراجعة قرار المجلس الدستوري رقم 7/2014 تاريخ 28/11/2014 والصادر بالطعن في قانون تمديد ولاية مجلس النواب)، كما أن ممارسة الناخبين لحقهم في الاقتراع  ينطوي على وجوب دعوة الناخبين لممارسة حقهم في الانتخاب.(المجلس الدستوري قرار رقم 1/1997 تاريخ 12/9/1997 الصادر بالطعن بالقانون رقم654 تاريخ 24/7/1997 المتعلق بتمديد ولاية المجالس البلدية. وقرار رقم 2/1997 تاريخ 12/9/1997 الصادر بالطعن بالقانون رقم655 تاريخ24/7/1997 المتعلق بتمديد ولاية المختارين والمجالس الاختيارية).

مما تقدّم فإن إعلان حالة الطوارئ في بيروت لم تكن تبرر تطبيقها خارج نطاق بيروت والامتناع عن إجراء الانتخابات الفرعية في المتن وكسروان وعاليه والشوف وزغرتا، وكذلك لم تكن تبرر تجاوز مجلس النواب واتخاذ القرار بتأجيل الانتخابات الفرعية في بيروت بفعل حالة الطوارئ إذا ما توفرت شروطها.

أما وقد حصل تأجيل الانتخابات الفرعية لملء ثمانية مقاعدة شاغرة في مجلس النواب، فما هي مفاعيل هذا الشغور على تكوين مجلس النواب؟

إن لهذا التأجيل انعكاس على احتساب النصاب القانوني لجلسات مجلس النواب، وعلى قانونية انعقاد الجلسات.

أولاً، أثر تأجيل الانتخابات الفرعية على نصاب جلسات المجلس:

حدَّد الدستور اللبناني، النصاب القانوني لجلسات الهيئة العامة لمجلس النواب، وذلك في المادة 34: “لا يكون اجتماع المجلس قانونياً ما لم تحضره الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلفونه”. وأعادت المادة 55 من النظام الداخلي مجلس النواب التأكيد على هذه القاعدة، بنصِّها أن :”لا تفتح جلسة المجلس إلا بحضور الأغلبية من عدد أعضائه ولا يجوز التصويت إلا عند توافر النصاب في قاعة الاجتماع”. ويتحدد العدد اللازم للنصاب القانوني على ضوء قانون الانتخاب الذي يحدد عدد النواب. وفي حالة شغور مقعد او أكثر بسبب الوفاة او الاستقالة او أي سبب آخر، فكيف تفسر عبارة “الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلفون المجلس قانوناً”. لقد طرح هذا الموضوع أكثر من مرَّة في جلسات الهيئة العامة، وأبرزها في جلسة 29 أيار/مايو سنة 1980 حيث أصدر المجلس قراراً بهذا الشأن عاد وتبناه في جلسة 20 أيار/مايو 1994:عبارة الغالبية المطلقة من مجموع الاعضاء الذين يؤلفون المجلس قانونا “تعني الغالبية محسوبة على اساس عدد النواب الاحياء حاضرين او متغيبين، دون المتوفين”. في هذه الجلسة اعترض النائب حسن الرفاعي الذي رأى بأن النص الدستوري صريح بقوله: الاكثرية التي يتألف منها المجلس قانونا، وكلمة قانونا تعني الرد الى قانون الانتخاب الذي يفرض عددا محددا لاعضاء المجلس النيابي لأنه اذا اردنا اعتبار ان الوفاة تحسم من العدد لتشكل بعدها الاكثرية المطلقة، ايضا يحمل على القول اذا كان ثمة نواب مرضى وبعلة مقعدة فايضا يجب ان نحسم اصواتهم”.

لكنّ المجلس لم يأخذ باعتراض النائب حسن الرفاعي، إذ تبنى في اجتهاده ما درج المجلس منذ العام 1976 على الاخذ بالاكثرية المطلقة بعين الاعتبار ليس عدد المقاعد بل عدد النواب اي ان المقاعد الشاغرة بسبب الوفاة او بسبب الاستقالة او اي سبب من الاسباب لا يعتد بها في حساب الغالبية المطلقة، اي غالبية النصاب القانوني . ولقد أيَّد د. زهير شكر هذا الموقف بقوله أن الدستور يعتمد صيغة “الأعضاء” وليس “المقاعد” الذين يؤلفون المجلس قانوناً، والمتوفي او المستقيل او المقال لا يعد عضواً في المجلس وأصبح مقعده شاغراً قانوناً، بعكس المتغيب فهو لا يزال عضوا” في المجلس ويشغل مقعداً فيه (زهير شكر- الوسيط في القانون الدستوري اللبناني،  المجلد الأول ص 529.). أما الدكتور ادمون رباط فقد انتقد هذا الرأي لأنه لا اجتهاد في معرض النص الصريح، والمادة 34 صريحة وواضحة بنصِّها أن لا يكون اجتماع المجلس قانونياً ما لم تحضره الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلفونه، وأن أكثرية الحضور يجب أن تحتسب على أساس العدد الفعلي لأعضاء المجلس، بصرف النظر عن الشغور الذي يمكن أن يصيبه (Edmond Rabbath – La constitution libanaise- p248). وتلافياً لهذه الاحتهادات المتضاربة، تقدّم النائب حسن الرفاعي باقتراح قانون بهذا الشأن، تمّت إحالته إلى هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل التي لم توافق عليه وفق مطالعة مطوّلة جاء بخلاصتها:”أن عبارة «الاعضاء الذين يؤلفون المجلس قانونا» تعني بكل بساطة العدد الذي نص عليه قانون الانتخاب أي العدد القانوني “en droit” على عكس العدد الواقعي “en fait” وبالتالي يكون كل اجتهاد مخالف يقول بحذف الاعضاء المتوفين والمستقيلين في حساب النصاب، ومهما كان المبرر، مخالفا لنص الدستور الصريح ورغبة واضعيه الأكيدة. وان اقتراح القانون المقدم من النائب الدكتور الرفاعي لا يمكن اعتباره قانونا تفسيريا. فالنص المقترح لا يوضح نصا سابقا ملتبسا بل يستحدث حلا استثنائيا عارضا لوضع استثنائي عارض. وهو يتنافى مع أحكام الدستور ويخرق جميع النصوص الواردة فيه والمتعلقة بغالبية النصاب وغالبية التصويت وبشكل خاص المادة 24 التي أحالت على قانون الانتخاب لتحديد عدد النواب .. ان عدد النواب المحدد فيه يعتمد في تحديد غالبية النصاب والتصويت الملحوظة في مواد الدستور(هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل  – استشارة رقم 1374/ 88 تاريخ 20 /1/1988).

إن الإشكالية لا تقتصر على أثر الشغور على نصاب الجلسات والتصويت لا سيما في موضوعات حساسة كانتخاب رئيس الجمهورية وإقرار الموازنة وتعديل الدستور. إن الأمر يتجاوز ذلك ليصل إلى تكوين مجلس النواب وما إذا كان يحقّ له الاجتماع في ظلّ الامتناع غير المبرر عن ملء المراكز الشاغرة بفعل استقالة النواب

بالرغم من هذه الاستشارة السلبية فإن مجلس النواب أقرّ في جلسته تاريخ 31/7/1990قانوناً بدَّل بموجبه عدد أعضائه من 99 كما هو مقرر في قانون الانتخاب إلى 70 عضواً يحتسب على أساس هذا العدد الجديد نصاب جلساته. فجاء النص كالآتي:”بصورة استثنائية وحتى اجراء انتخابات فرعية او عامة وفقا لاحكام، قانون الانتخاب وبالنسبة الى النصاب فقط المقرر في الدستور يعتبر عدد اعضاء مجلس النواب سبعين نائباً” (محاضر مجلس النواب – الدور التشريعي السابع عشر – محضر الجلسة الثانية المنعقدة بتاريخ 31/7/1990)، ولكن صيغة القانون التي تمّ نشرها في الجريدة الرسمية كانت مغايرة لهذه الصيغة دون أن نتمكن من معرفة مصدر الاختلاف، حيث ورد في القانون المنشور ما يأتي: “بصورة استثنائية، وحتى اجراء انتخابات فرعية أو عامة وفقاً لأحكام قانون الانتخاب، وبالنسبة إلى النصاب المقرر في الدستور، يعتبر عدد أعضاء مجلس النواب الأعضاء الأحياء (قانون رقم 11 تاريخ  8/8/1990 تحديد العدد المعتمد لاحتساب النصاب).

إن هذا القانون الاستثنائي كما ورد في متنه، جاء لمعاجلة حالة مؤقتة ولم يضع قاعدة عامة كما أنه لم يشر إلى حالة الشغور بسبب الاستقالة، ما يعني أن الإشكالية حول احتساب النصاب بفعل استقالة ثمانية نواب لا زالت قائمة.

ثانياُ، أثر عدم إجراء الانتخابات الفرعية على تكوين المجلس:

مراعاةً لخصوصية المجتمع اللبناني كرّس الدستور اللبناني في المرحلة الانتقالية التي تسبق إلغاء الطائفية السياسية أن تتمثّل الطوائف في السلطتين التشريعية والتنفيذية، فأوجبت المادة 95 من الدستور أن تتمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزارة.

وأما بخصوص مجلس النواب وإلى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي، فلقد أوجبت المادة 24 من الدستور أن تتوزع المقاعد النيابية وفقاً للقواعد الآتية: بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، نسبياً بين طوائف كل من الفئتين، نسبياً بين المناطق.

ولا يوجد نص يجيز الاختلال في التوازن المذكور، إلا بخلال مهلة الشهرين لملء المراكز الشاغرة، أو بخلال الستة أشهر السابقة لانتهاء أجل ولاية مجلس النواب، ففي هاتين الفترتين الزمنيتين أجاز الدستور التحلل من قاعدة التساوي بين المسلمين والمسيحيين والنسبية بين المذاهب والمناطق. أما خارج هذه الفترة فإن الامتناع عن ملء الشواغر في مجلس النواب من أجل إعادة تكوين المجلس النيابي وفق الأسس المحددة في المادة 24 المذكور أعلاه، إنما يثير التساؤل حول أثر هذا الامتناع عن تكوين المجلس بعد أن فقد التساوي بين المسلمين والمسيحيين من خلال استقالة 7 مسيحيين (6 موارنة وواحد أرمن أرثوذكس) ومسلم (درزي).

إن هذا السؤال ليس جديداً بل سبق أن أثاره 28 نائبا بموجب عريضة رفعوها بتاريخ 26/12/2006 الى رئيس مجلس النواب متهمين فيها رئيس الجمهورية بخرق الدستور لامتناعه عن توقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة لانتخاب خلف للنائب الراحل بيار الجميل، ومن الأسباب التي استند إليها النواب أن عدم اجراء الانتخابات الفرعية يعرّض عمل مجلس النواب للخلل بسبب فقدان احد اعضائه وانعكاس ذلك على العمل فيه، لأن استشهاد هذا النائب أدى الى شغور مقعده فانخفض عدد نواب مجلس النواب من 128 نائبا موزعين مناصفة بين المسيحيين والمسلمين الى 127 يفوق فيهم عدد النواب المسلمين على عدد النواب المسيحيين اذا لم ينتخب نائب خلف للنائب الشهيد بيار الجميل. ما يخالف الفقرة “ب” من المادة 24 التي تحدد وجوب توزيع المقاعد النيابية نسبياً بين طوائف كل من الفئتين (المسيحيين والمسلمين)، كما أن شغور مقعد ماروني لدى المسيحيين يؤدي الى خلل في التوزيع النسبي بين المذاهب المسيحية، وهو يخالف أيضاً الفقرة “ج” من المادة اعلاه التي تؤكد وجوب توزيع المقاعد النيابية نسبياً بين المناطق، وان شغور مقعد في دائرة المتن من دون ملئه يؤدي الى اختلال نسبة منطقة المتن تجاه المناطق الانتخابية الأخرى.

واستطرد النواب بأن رفض رئيس الجمهورية توقيع مرسوم دعوة الهيئات الانتخابية يشكل خرقاً لأحكام المادة 34 من الدستور  التي تنصّ على أن “لا يكون اجتماع المجلس قانونياً ما لم تحضره الأكثرية من الأعضاء الذين يؤلفونه وتتخذ القرارات بغالبية الأصوات. واذا تعادلت الاصوات سقط المشروع المطروح للمناقشة”. لذا فإن الامتناع عن ملء مقعد نيابي شغر بالوفاة سيؤدي الى تغيير الاكثرية التي تتخذ القرارات، كذلك فإن رفض رئيس الجمهورية توقيع مرسوم دعوة الهيئات الانتخابية يشكل خرقاً للمواد 36 – 44 – 49 – 52 – 57 – 69 – 60 – 70 – 77 – 79 – ومن 80 الى 89 من الدستور وسيؤدي الى تعطيل آلية سير الحياة الديمقراطية والبرلمانية في لبنان والتأثير على صحة القرارات الصادرة عن مجلس النواب نتيجة تغييب احد الأعضاء الذين يتشكل منهم المجلس دستورياً وقانونياً والحؤول قصداً دون انتخاب بديل لاكتمال عدد مجلس النواب لتستقيم العملية الديموقراطية المنصوص عليها في هذه المواد.

إن هذه الحجج مثارة في ما خصّ الامتناع عن ملء مركز شاغر وحيد في مجلس النواب وقد وجد فيه 28 نائباً مساساً بأسس عمل مجلس النواب وانعقاده وجلساته والتقرير فيه، فكيف يكون موقفهم في حال كان الشغور يطال ثمانية مراكز نيابية، كما هو حاصل بسبب تأجيل الانتخابات الفرعية لثمانية مقاعد شاغرة بسبب الاستقالة من مجلس النواب؟.

إن الإشكالية لا تقتصر على أثر الشغور على نصاب الجلسات والتصويت لا سيما في موضوعات حساسة كانتخاب رئيس الجمهورية وإقرار الموازنة وتعديل الدستور. إن الأمر يتجاوز ذلك ليصل إلى تكوين مجلس النواب وما إذا كان يحقّ له الاجتماع في ظلّ الامتناع غير المبرر عن ملء المراكز الشاغرة بفعل استقالة النواب، ونستند في طرح هذه الإشكالية إلى رأي الهيئة الاستشارية القانونية في الجامعة اللبنانية (وهي هيئة قضائية) التي أفادت بموجب الرأي رقم 205/2019-2020 تاريخ 3/10/2019 والرأي رقم  29/94 تاريخ 14/2/1995 والرأي 69/2001 تاريخ 26/2/2001 أنه في ما خصّ مجلس الجامعة اللبنانية، لا يمكن اعتبار هذا المجلس قائماً وحائزاً الصفة القانونية إلا بعد اكتمال تشكيله وفقاً للأصول، وهذا ما يفرض تعيين سائر الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس قانوناً لكي تُعتبر جلساته قانونية.

وقد استندت الهيئة القضائية في رأيها إلى اجتهاد فقهي بأن الهيئات الجماعية لا تنعقد صحيحاً ما لم يكن تكوينها مكتملاً، ما يطرح السؤال حول اعتبار مجلس النواب مكتمل التكوين في ظلّ شغور ثمانية مقاعد نيابية فيه؟.

عصام نعمة إسماعيل

أستاذ مادة القانون الدستوري في الجامعة اللبنانية

Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy paid course free download