ماكرون يتوعد السياسيين: ليس لكم إلا الطحين!

ما أن غادر الموفد الفرنسي باتريك دوريل العاصمة اللبنانية عائداً إلى بلاده، حتى إنسحبت برودة الطقس على برودة السياسة، فهل يمكن القول إن المهمة الفرنسية في بيروت باءت بالفشل؟

بالمختصر والمفيد، يمكن القول إن زيارة باتريك دوريل هي الفرصة ما قبل الأخيرة. معظم السياسيين، من الإتجاهات كافة، يرددون أن المبادرة الفرنسية إنتهت. بدا كأنهم يستقبلون ضيفهم الفرنسي، من باب “رفع العتب”. الأمر نفسه ينطبق على الوافد الباريسي. أيضاً هي “زيارة رفع عتب”. ماذا حمل معه إلى القيادات اللبنانية، وماذا كانت النتيجة؟

يعتقد الفرنسيون ان الوضع الحالي في لبنان “يروق للطبقة السياسية”، فلا أحد يبدي إستعداده لتجنب إستدامة ليس فقط حكومة تصريف الأعمال، بل هذا الواقع الإقتصادي والمالي والإجتماعي الخطير. إذا كان الجميع لا يريدون تحمل مسؤولياتهم إزاء هذا الوضع، “هل يمكن أن يقال أقل من أننا نشهد حفلة جنون في لبنان لا مثيل لها في التاريخ”؟

لا يفهم الفرنسيون حتى الآن كيف فوّت اللبنانيون على أنفسهم فرصة “سيدر”. لو أسرعت حكومة سعد الحريري بتنفيذ المشاريع المطلوبة منها، في إطار مؤتمر “سيدر”، في العام 2018، لربما تأجل الإنفجار الإجتماعي حتى العام 2021 أو 2022. لكنهم فعلوا العكس. الآن نحن نقول لهم إن المطلوب منكم السير بالرزمة الإصلاحية (الورقة الفرنسية) بأسرع وقت ممكن، وإلا فإن الآتي سيكون كارثياً، فهل يمكن إستدراك ما يمكن إستدراكه؟ على الأرجح، سنقول لهم بعد فترة “لقد فات الأوان”!

لا تمديد فرنسياً للوقت. اللعبة إنتهت. فرصة “سيدر” وصندوق النقد الدولي ستنتهي حتماً لكن الأخطر أن المساعدات الإنسانية لن تأتيكم. ربما نستثني فقط الطحين. سنسمح بوصول الطحين حتى لا يجوع الشعب اللبناني!

يطرح الموقف الفرنسي إشكالية لا يلتفت إليها معظم أهل السياسة في لبنان. لقد تم تدويل الأزمة اللبنانية. هذه المرة ربما يكون لـ”التدويل” معناه الإيجابي والسلبي في آن معاً، لكن يمكن الإستفادة من الإيجابي ومحاولة تذليل أو تعطيل ما أمكن من السلبي. هذا التدويل هو نتاج لحظة تدمير عاصمة لبنان في 4 آب/أغسطس. ربما سيكون مطلوباً في العام المقبل أن يتضافر التدمير مع إغراق العاصمة أو إحراقها حتى يلتفت العالم  إلى اللبنانيين مجدداً. “فهل هذا هو مبتغى الطبقة السياسية في لبنان”، يسأل دبلوماسي غربي معني بالملف اللبناني؟

سمع الموفد الفرنسي عند معظم من إلتقاهم الكلام التقليدي المعسول ذاته. حرص وغيرة على المبادرة الفرنسية. عوّل الفرنسيون على ثلاث محطات: رئاسة الجمهورية، رئيس الحكومة المكلف، جبران باسيل.

أحال رئيس الجمهورية ضيفه على باسيل والحريري. تمنى عليه ثلاث مرات أن يجمعهما، وهو يقبل بما يتفاهمان عليه. إلتقى باتريك دوريل رئيس التيار الوطني الحر. قدم الأخير مداخلة بصفته “خبيراً أجنبياً” وراح يخاطب من إفترضه لا يمت بصلة للواقع اللبناني، لكن باتريك دوريل كان له بالمرصاد. ما قيل في هذا الجلسة سيبقى ملك الفرنسيين لفترة من الزمن. بإختصار: لا تمديد فرنسياً للوقت. اللعبة إنتهت. فرصة “سيدر” وصندوق النقد الدولي ستنتهي حتماً لكن الأخطر أن المساعدات الإنسانية لن تأتيكم. ربما نستثني فقط الطحين. سنسمح بوصول الطحين حتى لا يجوع الشعب اللبناني!

كان مضمون الرسالة الفرنسية للمسؤولين اللبنانيين قاسياً جداً. المؤتمر الدولي للمساعدات الإقتصادية والإنسانية للبنان، صار في مهب الريح. زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى بيروت قبيل إنتهاء السنة الحالية، لم تعد محسومة بل هي قيد النقاش في إتجاه من إثنين: إما أن تقتصر على تفقد الكتيبة الفرنسية العاملة ضمن قوات “اليونيفيل” في الجنوب قبيل عيد الميلاد أو أن تلغى نهائياً.

فرنسا هي الممر الإلزامي لأي تفاهم على وزراء حقائب المال والطاقة والإتصالات والأشغال العامة، أي أن أي تفاهم على تولي أي وزير أو وزيرة لأي من هذه الحقائب، سيكون مشروطاً بموافقة الفرنسيين (على الأرجح، سيقدم الفرنسيون بعض الأسماء إلى رئيسي الجمهورية والحكومة)

ماذا يمكن أن يقول الفرنسيون من كلام أقسى مما قالوه حتى الآن. الإحتياطي اللبناني من العملات الأجنبية آخذ بالنفاد. من يقول أصلاً إن مصرف لبنان المركزي يملك إحتياطياً من 17 مليار ونصف المليار دولار. هذا المبلغ موجود نظرياً لكن في ظل غياب الشفافية، لا أحد يعلم حقيقة الأمر وماذا يمتلك المصرف المركزي وماذا لا يمتلك؟ الأكيد أنه في اليوم الأول من العام 2021، سيبدأ المصرف المركزي بصرف هذا الإحتياطي إذا كان موجوداً.

أراد رئيس التيار الوطني الحر أن ينأى بنفسه عن مجريات التأليف الحكومي، عبر الجزم بأنه لا يتدخل نهائياً وأن الملف بعهدة رئيس الجمهورية، مخالفاً في قوله الرئيس ميشال عون الذي كان صريحاً بإصراره على أهمية جمع الحريري وباسيل. لم يكتف الموفد الفرنسي بتأمين إتصال هاتفي بين رئيس الحكومة المكلف ورئيس التيار الحر، بل جعل الإثنين يتفقان على لقاء قريب في دارة الحريري. فما هي حصيلة الزيارة الفرنسية؟

أولاً، ثمة أزمة ثقة عميقة بين عون وباسيل من جهة والحريري من جهة ثانية، وهذا الأمر لا يمكن تبديده بزيارة ولا بوساطة. لم يوافق حزب الله على القيام بأي دور ضاغط على حليفهم، وهم كانوا صريحين مع الحريري منذ اليوم الأول في هذه النقطة تحديداً. وعندما طلب الموفد الفرنسي من حزب الله أن يتحرك بالإتجاه نفسه، كان جواب الأخير: لن نتدخل ولن نضغط.

ثانياً، أقنع الفرنسيون الحريري بوجوب إعتماد خارطة طريق جديدة للتأليف يفترض أن يحملها هذا الأسبوع إلى رئيس الجمهورية وتقوم على إعتماد معايير جديدة للتأليف، أولها، الإصرار على حكومة إختصاصيين مستقلين تسميهم الأحزاب، ولكن ليس مسموحاً أن يكون بينهم من يشتبه بتورطه بأي ملف فساد؛ ثانيها، طي صيغة المداورة نهائياً، أي إبقاء المالية بيد الشيعة والداخلية بيد السنة والدفاع بيد الأرثوذكس والخارجية بيد الموارنة؛ ثالثها، إعتماد معيار موحد بالنسبة إلى تسمية الوزراء، فإذا قرر رئيس الحكومة أن يسمي الوزراء الـ 18 تسري القاعدة على كل الوزراء، على أن يعطي حق “الفيتو” للقوى السياسية حتى توافق على من تريد من بين الوزراء الذي إختارهم رئيس الحكومة، وإذا قرر رئيس الحكومة أن يكون رئيس الجمهورية شريكه في تسمية الوزراء، فهذا يشمل أيضاً كل الوزراء وليس فقط وزراء الطوائف المسيحية؛ رابعها، فرنسا هي الممر الإلزامي لأي تفاهم على وزراء حقائب المال والطاقة والإتصالات والأشغال العامة، أي أن أي تفاهم على تولي أي وزير أو وزيرة لأي من هذه الحقائب، سيكون مشروطاً بموافقة الفرنسيين (على الأرجح، سيقدم الفرنسيون بعض الأسماء إلى رئيسي الجمهورية والحكومة لكي يسهلوا التفاهم على الأسماء الأربعة)؛ خامساً، لا “فيتو” على أية شخصية لبنانية تنطبق عليها المواصفات العامة للتوزير (مستقل، إختصاصي، كفوء، غير متورط بأي ملف فساد إلخ..).

لن يتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود إلا في ضوء التقرير الذي سيرفعه باتريك دوريل إلى إيمانويل ماكرون، غداً (الإثنين)، وعلى ضوئه، ستجتمع الخلية الدبلوماسية (السياسية ـ الإقتصادية المعنية بالملف اللبناني) برئاسة إيمانويل بون من أجل تقديم سلسلة مقترحات

هل يمكن القول إن إعتماد خارطة الطريق الجديدة للتأليف من قبل الحريري يعني أن الحكومة ستولد في غضون ايام أو أسابيع؟

حتى الآن، لم يحسم الحريري أمره في قضية التواصل المباشر مع جبران باسيل. أما رئيس التيار الحر، فهو يتعامل مع المبادرة الفرنسية بوصفها قد أصبحت في حكم المنتهية، وبالتالي وعلينا إنتظار ما ستؤول إليه أمور الإدارة الأميركية الجديدة، أي إستخدام لعبة الوقت، كما حصل مع الأميركيين، قبل قرارهم الأخير بفرض عقوبات عليه. يشي ذلك بأن المهمة الفرنسية فشلت وأن ما بعد زيارة دوريل لا يختلف عما قبلها.

هل يملك الفرنسيون أدوات ضغط شبيهة بتلك التي مارستها واشنطن ضد باسيل وغيره من السياسيين اللبنانيين؟

لن يتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود إلا في ضوء التقرير الذي سيرفعه باتريك دوريل إلى إيمانويل ماكرون، غداً (الإثنين)، وعلى ضوئه، ستجتمع الخلية الدبلوماسية (السياسية ـ الأمنية ـ الإقتصادية المعنية بالملف اللبناني) برئاسة إيمانويل بون من أجل تقديم سلسلة مقترحات، بعضها سيصل مباشرة إلى المسؤولين اللبنانيين، وبعضها الآخر، سيسلك دربه بإتجاه المفوضية الأوروبية في بروكسيل.

ما هي هذه الخطوات التي ينوي الفرنسيون الإقدام عليها في الأسابيع المقبلة؟

لا أحد يملك الجواب إلا الفرنسيين أنفسهم!

حسين أيوب

صحافي لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy course download free