بايدن.. الداخل إلى “عالم” ترامب وألغامه

يخرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب من البيت الأبيض في 20 كانون الثاني/يناير 2020، تاركاً أميركا والعالم في فوضى عارمة.

بالكاد يستطيع الرئيس المنتخب جو بايدن، تلمس طريق الخروج من إرث ثقيل خلّفه سلفه وراءه، في الداخل والخارج، من التشكيك بشرعية الانتخابات، إلى تبعات فيروس كورونا، وإعادة إطلاق عجلة الاقتصاد الاميركي، إلى البيئة وترميم علاقات أميركا الدولية والتصالح مع المؤسسات الدولية وإصلاح العلاقات عبر ضفتي الأطلسي.

في الداخل، كانت آخر معارك ترامب هي المحكمة العليا الفيديرالية. لكن المحكمة خذلته عندما رفضت النظر في دعوى التزوير التي لا سند ملموساً لها. ومع ذلك، تحظى مزاعم ترامب بتأييد ثمانية من بين كل عشرة جمهوريين، بحسب استطلاع نشرته صحيفة “الواشنطن بوست”. وتالياً، إذا كانت دعاوى ترامب بالتزوير قد سقطت قانونياً، فإنها لم تسقط حزبياً ولا لدى الغالبية العظمى من 70 مليون ناخب صوّتوا له، ولا لدى الشريحة الكبرى من أعضاء الكونغرس وحكام الولايات المنتمين إلى الحزب الجمهوري.

سياسياً، نجح ترامب في إضفاء غلالة من الشك على رئاسة بايدن. “سرقة” الإنتخابات، هي المعادل لـ”التدخل الروسي”، الذي قضّ مضجع ترامب في العامين الأولين لرئاسته، وطارده المحقق الخاص روبرت مولر، الذي ضغط الديموقراطيين لتعيينه، إنتقاماً من خسارة هيلاري كلينتون.

لم يترك مولر حجراً إلّا وقلّبه، لكنه لم يعثر في نهاية المطاف على دليل يؤيد مزاعم الديموقراطيين بحصول تواطؤ بين حملة ترامب وموسكو. ولئن الانقسام الحزبي في الولايات المتحدة في ذروته ويتعدى ترامب نفسه، فإن اهتمام الجمهوريين ينصب الآن، على جعل بايدن “بطة عرجاء” منذ اليوم الأول لدخوله إلى البيت الأبيض.

هذا مأزق مرشح للتفاقم إذا ما احتفظ الجمهوريون بغالبيتم في مجلس الشيوخ. وطبعاً، يعتمد ذلك إلى حدّ كبير على نتائج إنتخابات جورجيا لعضوية مقعدين في المجلس أوائل كانون الثاني/يناير المقبل. وغالبية جمهورية في مجلس الشيوخ، في ظل التناحر الحزبي القائم، تعني عرقلة الكثير من الخطط التي يعتزم الرئيس الديموقراطي طرحها.

الجمهوريون سيذهبون في الاستغلال السياسي لأي اقتراح ديموقراطي إلى أبعد حدود، واضعين نصب أعينهم شلّ رئاسة بايدن

وإمعاناً في الضغط على رئاسة بايدن، قد يلجأ ترامب والجمهوريون إلى تعيين محقق خاص في “سرقة” الإنتخابات، حتى ولو كانوا موقنين سلفاً أنهم لا يملكون من الأدلة الحسية ما يؤيّد مزاعمهم.

يأمل الجمهوريون في إبقاء الضغط على بايدن، من دون الأخذ في الإعتبار أزمة كورونا وتداعياتها بشرياً واقتصادياً، ما دام هذا الضغط يلقى شعبية في أوساط اليمين المحافظ الذي يتطابق في اعتقاده مع ما يكرره ترامب من أن الديموقراطيين ينوون تحويل أميركا إلى دولة شيوعية أو إشتراكية، في وقت لا يذهب بيرني ساندرز نفسه في إقتراحاته الإجتماعية أبعد مما ذهب إليه باراك أوباما في توفير العناية الصحية المجانية لأكبر شريحة من الأميركيين الفقراء.

إلا أن الجمهوريين سيذهبون في الاستغلال السياسي لأي اقتراح ديموقراطي إلى أبعد حدود، واضعين نصب أعينهم شلّ رئاسة بايدن.

وفي السياسة الخارجية، الوضع أسوأ، إذ سيواجه بايدن وفريقه الكثير من الألغام، التي يواصل ترامب زرعها خلفه وهو يغادر البيت الأبيض.

عملياً، الولايات المتحدة هي في “حرب باردة” مع الصين بسبب التنافس الإقتصادي. والعلاقات مع روسيا هي في أدنى مستوى لها منذ الحرب العالمية الثانية. والروابط التقليدية بين ضفتي الأطلسي تكاد تتلاشى، والحلفاء التاريخيون للولايات المتحدة في أوروبا في حالة ذهول وصدمة من مواقف ترامب في السنوات الأربع الماضية، ولا يجدون تفسيراً للتجاهل الذي قابلهم به الرئيس الجمهوري ولانتقاداته المتكررة لحلف شمال الأطلسي، وتعييره دولاً مثل ألمانيا بأنها لم تدفع ما يتوجب عليها من أموال لقاء الحماية العسكرية الأميركية من روسيا. وحتى فرنسا سمعت كلاماً جارحاً مفاده أنه لولا أميركا لكان الفرنسيون يتحدثون الألمانية الآن، علماً أن ترامب غير معروف عنه ولعه بالتاريخ. لكن عندما يأتي الأمر إلى الأموال تستيقظ حواسه.

كل عمليات التطبيع التي رعاها ترامب بين دول عربية وإسرائيل، كانت تستهدف الإحتفاظ بتأييد القاعدة الإنجيلية له في الولايات المتحدة. وحتى وهو يغادر البيت الأبيض، يأخذ الرجل في الحسبان أنه سيبقى الشخصية الأقوى في الحزب الجمهوري، وأنه قد يعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2024

ويبقى الشرق الأوسط، النقطة الأكثر سخونة. وإعتراف ترامب بسيادة المغرب على الصحراء الغربية، هو أحدث الأمثلة عن الألغام التي يزرعها الرئيس الجمهوري المنصرف، في طريق خلفه الديموقراطي. الاعتراف جاء بطبيعة الحال جائزة ترضية لإقدام الرباط على معاودة العلاقات الديبلوماسية الكاملة مع إسرائيل.

وقبل المغرب، أغرى ترامب السودان بإزاحته من اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب ومساعدته اقتصادياً بعض الشيء، في حال أقدم على التطبيع مع إسرائيل.

وكل عمليات التطبيع التي رعاها ترامب بين دول عربية وإسرائيل، كانت تستهدف الإحتفاظ بتأييد القاعدة الإنجيلية له في الولايات المتحدة. وحتى وهو يغادر البيت الأبيض، يأخذ الرجل في الحسبان أنه سيبقى الشخصية الأقوى في الحزب الجمهوري، وأنه قد يعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2024، في اليوم الذي يجري فيه تنصيب بايدن رئيساً ظهر 20 كانون الثاني/يناير.

إقرأ على موقع 180  عام بعد سليماني: المبادرة المفقودة

وفي هذا السياق كان الإعتراف بسيادة إسرائيل على القدس الشرقية ومستوطنات الضفة الغربية والجولان. إنها الهدايا التي يقدمها ترامب لأنصاره من الإنجيليين المتحمسين لإقامة “إسرائيل الكبرى”، التي هي مقدمة في إعتقادهم ليوم “هرمجدون” ومجيء المسيح ثانية.

ومن التطبيع العربي مع إسرائيل، إلى سلوك ترامب الذي يوحي بأن الحرب ناشبة لا محالة في أي وقت مع إيران. من رسائل “الردع” التي تحرك القاذفات الاستراتيجية من قواعدها في الولايات المتحدة إلى محاذاة المجال الجوي الإيراني، أكثر من مرة في الأسابيع الأخيرة، إلى إطلاق يد بنيامين نتنياهو في العمليات الأمنية داخل إيران وفي توجيه ضربات متواصلة لمواقع إيرانية أو لفصائل مدعومة من طهران في سوريا، إلى العقوبات الاقتصادية التي تفرض بوتيرة يومية على إيران وعلى حلفاء إيران في المنطقة، والتي أفضت إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية والسياسية في العراق ولبنان وسوريا واليمن. إن حصيلة “الضغط الأقصى” على إيران تدفع بهذه الدول إلى كارثة إنسانية.

في ظل هذه الفوضى في الداخل الأميركي والعالم، يدخل بايدن إلى البيت الأبيض. ولا بد أن نزع ألغام ترامب سيستغرقه وقتاً لأنه يدخل عالماً لم يعد كما كان يوم كان نائباً لباراك أوباما، قبل أربعة أعوام.

هذا عالم عبث ترامب بالكثير من أسسه ومرتكزاته وأعرافه وتقاليده، وبالكاد سيستطيع بايدن التعرف إليه!

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
online free course
إقرأ على موقع 180  ما بعد شرق الفرات.. إلى إدلب در