“المارونية السياسية”: زمن يتوارى.. زمن لا يأتي (5)
A poster of newly appointed Lebanese President-Elect Michel Aoun (R) and Christian Lebanese Forces Party Leader Samir Geagea is seen hanging on the wall of a building in Beirut's Martyr's square on November 2, 2016. Lebanese lawmakers ended a two-year political vacuum on October 31, 2016 by electing as president ex-army chief Aoun, who promised to protect the country from spillover from the war in neighbouring Syria. / AFP / JOSEPH EID (Photo credit should read JOSEPH EID/AFP via Getty Images)

ضمن هذا الملف، تمت مقاربة الشيعية السياسية؛ السنية السياسية؛ والأرثوذكسية السياسية. في ما يلي الجزء الخامس والأخير من سلسلة "المارونية السياسية".

التعريف السياسي لسيرة “المارونية السياسية” في سبعينيات القرن الماضي سيحرك ما هو أعتق. منذ إميل اده المتهم دوماً بتحالف خفي مع الحركة الصهيونية. ألفرد نقاش صقر فرنسا في لبنان. كميل شمعون “عروبته” ما صانته من الارتماء في احضان الولايات المتحدة في ثورة 1958. ذهب بلبنان الى حرب ليجدد ولايته. شارل مالك كان مهموما بكراهية الشيوعيين. فريد شهاب من موقعه، وخارجه لاحقاً، تطوع لقتال الشيوعيين واليساريين. سردية بشير الجميل ليست بحاجة للتكرار. فؤاد شهاب سردية أخرى عن عسكريتاريا مقنعة. المارونية رعت وحضنت اسوأ ما عند الطوائف الأخرى. ذلك كان في زمن قد مضى. زمن كان فيه للموارنة قدرة على التحكم في مقاليد السلطة و”تفريخ” بيوتات وعائلات. هو “الزمن الذهبي” للمارونية السياسية الذي إنتهى عملياً في لحظة توقيع إتفاق القاهرة. مسار أدخل لبنان في نفق حرب أهلية إنتهت بولادة “اتفاق الطائف” في العام 1989.

عملياً، يمكن القول إن الطائف هو تراكم لصيغ إصلاحية عديدة من الوثيقة الدستورية (1976) إلى الإتفاق الثلاثي (1985). تنفيذ الطائف يختلف عن صياغته. يعود الفضل إلى صدام حسين. لحظة إجتياحه للعراق في العام 1990 ولّدت ديناميات جديدة في الإقليم. طرأت تحولات نوعية، أبرزها إمساك سوريا بناصية القرار اللبناني برعاية أميركية ودولية وعربية (تحديداً سعودية). انكفأت الوجوه المسيحية “التاريخية”، خصوصاً المارونية. وعزفت عن المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية، لأسباب خارجية وداخلية متداخلة. الأسوأ حصل في مطلع تسعينيات القرن الماضي مع ابعاد ميشال عون ونفي امين الجميل وسجن سمير جعجع (قبلهما كان ريمون إده قد اختار المنفى الطوعي)، واغتيال داني شمعون، وقبله رينيه معوض. وزادت وتيرة احباطهم وهجرتهم وبيعهم ممتلكاتهم واراضيهم بشكل مسرف، خصوصا في شرق صيدا وساحل اقليم الخروب والحدث والضاحية الجنوبية لبيروت.

صحيح أن إتفاق الطائف بدّل توازنات الحكم وأعاد بلورة بعض المناصب والامتيازات من خلال التوزيع الجديد الذي أعطى أرجحية لموقع رئاسة الحكومة ولمجلس الوزراء مجتمعاً، لكن ما لم يقرأه المناهضون للتعديل الذي أصاب صيغة الحكم بعد الطائف، هو ذلك الميدان اللبناني الذي تغيّر، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وربما ديموغرافياً. أمور كثيرة يرفض مناهضو الطائف من الموارنة الاعتراف بها، ربما لو فكروا جيداً وبتمعن، لقالوا ان الطائف انقذنا من مزيد من الغرق. الإتفاق أوقف فتيل الحرب التي كانت تقصي المسيحيين وتبعدهم وتهجرهم في بلدهم وأبعد منه.

ما لم ينتبه إليه موارنة الجمهورية الأولى أن دستور الطائف مطاط للغاية. يمكن لرئيس الجمهورية أن يكون فاعلا طالما يملك التوقيع والقدرة. لنأخذ نموذج تأليف الحكومة في يومنا هذا. رئيسا الجمهورية والحكومة يؤلفان الوزارة بشراكة كاملة

ما يشهده لبنان، في هذه الأيام، يجعل المسيحيين أكثر قلقا على مستقبلهم. “الماروني القوي” أو “الماروني الأول” أنهى أربع سنوات من عهده والمحصلة أقل من عادية. للمرة الأولى منذ العام 1990، يعود شبح الحرب الأهلية. يكاد لا يكون هناك بيت لبناني إلا وهاجر أحد أفراده أو يفكر بالهجرة. الخطر وجودي. المعالجة تحتاج إلى مقاربات مختلفة.

مع الباسيلية نموذجاً، يبدو ان المناصفة نفسها صارت مأزقاً فعليا في ادارة الحكم. من جهة، يريد الرجل احتكار تمثيل المسيحيين (تفاهم معراب هو أفدح نص سياسي مكتوب في تاريخ العلاقات الداخلية اللبنانية)؛ ومن جهة ثانية، يريد تطبيق المناصفة حتى في وظائف الدرجة العاشرة، وهو غير معني بالفوارق العددية بين الطوائف ولو قال أهل الطائف “وقفنا العدّاد”. ما لم ينتبه إليه موارنة الجمهورية الأولى أن دستور الطائف مطاط للغاية. يمكن لرئيس الجمهورية أن يكون فاعلا طالما يملك التوقيع والقدرة. لنأخذ نموذج تأليف الحكومة في يومنا هذا. رئيسا الجمهورية والحكومة يؤلفان الوزارة بشراكة كاملة. يسري ذلك على أمور كثيرة.

لا ينفي ذلك أن الإدارة السورية، وبشراكة مع طيف سياسي لبناني عريض، في زمن الوصاية، أمعنت في تهميش المسيحيين وابعادهم وتقليص دورهم لصالح شخصيات تحمل من المسيحية فقط الايمان الديني على أبعد تقدير. أتى الياس الهراوي الى الرئاسة بعد اغتيال رينيه معوض الذي فجرته قنبلة كان يدرك أنها آتية حتما. قال له الأخضر الإبراهيمي ومندوب السفارة الأميركية إن محاولة لإغتيالك ستجري غداً لكن عناد معوض جعله يذهب إلى الموت بقرار واعٍ.

من بعد معوض، رسب موارنة كثر في الإمتحان السوري أبرزهم ميشال إده وبيار حلو وجان عبيد. وحده الماروني الزحلاوي إلياس الهراوي تبين أنه يحفظ الدرس السوري جيداً. ما قاله عن كيفية إقتلاع ميشال عون من بعبدا كان كافياً لفوزه بالرئاسة، وكرت السبحة من تلازم المسارات إلى شعب واحد في بلدين مرورا بالتمديد برفع الأيدي!.

إقرأ على موقع 180  إنتخاب رئيسي.. مُجدداً الأميركيون لم يتعلموا من أخطائهم!

شكل مجيء إميل لحود (1998 ـ 2007) بداية مرحلة جديدة في التعامل السوري مع الحريرية. صارت هذه الظاهرة عبئاً على سوريا مع وصول الأسد الابن الى السلطة في العام 2000. كل مسار الحقبة اللحودية كان مسار إشتباك سياسي مفتوح.. ولعل لحظة إحتلال العراق في العام 2003، هي اللحظة الأصعب في رحلة سورية لم تدم أكثر من 13 عاما في لبنان. إنتهى التفويض الدولي في تلك السنة ومع إستشهاد رفيق الحريري في العام 2005 إنتهى التفويض العربي.

قد تكون مرحلة ميشال سليمان (2008 ـ 2014) هي المرحلة التي ستذكرها كتب التاريخ بسطور قليلة. مرحلة باهتة. رمادية. لا نكهة ولون ولا رائحة لها برغم وقوعها في لحظة محلية وعربية بالغة الخطورة. نهاية حرب مخيم نهر البارد في شمال لبنان. إلتهاب الشرق الأوسط بعنوان “الربيع العربي”. الانقسام السني ـ الشيعي في لبنان. إنقسام أعاد ميشال عون إلى لبنان وأخذه إلى تفاهم مار مخايل مع حزب الله.. وصولاً إلى رئاسة الجمهورية في العام 2016. الإنقسام نفسه جعل سمير جعجع يصبح سعودياً أكثر من كل المسلمين السنة في لبنان. الإثنان يريدان الفوز بالسبق الرئاسي، لكن “الجنرال” عرف كيف يقطفها، محلياً ودولياً، وها هو جعجع يراهن اليوم على معادلة المسيحي القوي نفسها حتى يكون هو المرشح الأول في العام 2022! بالمنطق نفسه، لا أحد ينافس “الحكيم” إلا جبران باسيل الذي سجل صعوداً سريعاً الى الواجهة كوريث لعمه وكحليف مناسب لحزب الله، لولا أن أتت لحظة 17 تشرين الأول/أكتوبر 2019 ومن بعدها إنفجار مرفأ بيروت، فأصبح جلّ همه تبرئة نفسه أمام شارعه، لا أن يُنسي المسيحيين كميل شمعون وبشير الجميل، كما وعدهم ذات يوم ووعد أيضاً خصومه المسلمين.

لم تدرك الظاهرة الباسيلية او غيرها من ظواهر الموارنة الحالمين، أن “الحداثة” لم تعد ترتبط بفريق بعينه. فالطوائف كلها جالت في ميادين التعليم والقوة المالية والاغتراب. صارت للطوائف قدراتها الخاصة وما عاد لطائفة واحدة القدرة على التفرد. لكن ما يبعث على الحيرة هو بقاء رئاسة الجمهورية مرضاً يضرب الجسد الماروني السياسي الهزيل أصلاً. منذ وجدت وهي مدار صراع مرير بين الشخصيات المارونية. مع كل نهاية ولاية هناك مشكلة، او بداية أزمة. هكذا كان الأمر منذ بشارة الخوري وأزمة 1952.. وصولاً إلى يومنا هذا. هل ستجري إنتخابات العام 2022 الرئاسية أم أن الفراغ حتمي، وماذا ينتظر لبنان بعد ذلك الفراغ؟

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  55 عاماً على إعدام الجاسوس إيلي كوهين.. وسيرته لا تنطفىء