إنفجار لبنان الإجتماعي.. آت لا محالة

مهما قيل في أحداث مدينة طرابلس وخلفياتها الأمنية والسياسية، فان المقبل من الأيام سيظهر قصور تلك "الأقاويل" عن الإحاطة بما يعتمل في بيوت الفقراء، على امتداد لبنان، من وجع وألم معيشيين لا يؤديان إلا الى انفجار اجتماعي.. لماذا؟

نجح سياسيون في احباط انتفاضة 17 تشرين الأول/ اكتوبر من دون علاج مسبباتها الاقتصادية والاجتماعية. لا بل زادت الأزمات سوءاً منذ ذلك الحين، على نحو تبدو معه عيشة عشية 17 تشرين 2019 حياة ترف ورفاه مقارنة بما هي اليوم من شظف وضيق وشدة.

 لقد تفاقمت البطالة الكلية أو الجزئية لتصل الى 55 في المائة في المائة من اجمالي القوى العاملة، بعدد بات يناهز المليون لبناني وفقاً لتقديرات الشركة الدولية للمعلومات. النسبة عينها (55 في المائة) تؤكدها لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الأسكوا) لتقدير نسبة الفقراء من اجمالي السكان.

تضاف الى هؤلاء نسبة كبيرة من اصحاب المداخيل المتوسطة الذين تنخفض قدراتهم الشرائية على نحو مريع بفعل هبوط قيمة العملة 80 في المائة، ويتحولون تدريجياً الى فقراء تضاف أعدادهم  إلى اصحاب المداخيل الهزيلة (ما دون المائة دولار شهرياً). إذ تؤكد احصاءات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي أن 37.5 في المائة من الأجراء المصرح بهم للضمان يعملون براتب شهري بالحد الادنى البالغ 675 ألف ليرة (75 دولاراً بأسعار السوق السوداء للعملة الأميركية). واذا كان المضمون رب أسرة فلا يحظى الفرد فيها على أكثر من 15 دولاراً شهرياً، ولا يرتفع الرقم أعلى من 66 دولاراً للفرد في أسرة يعيلها مضمون راتبه 3 ملايين ليرة، علماً بأن العاملين برواتب بين الحد الأدنى و3 ملايين ليرة يشكلون ثلاثة أرباع اجمالي المضمونين في لبنان، على الأقل!

***

إذاً، ماذا ينتظر السياسيون من نحو 75 في المائة من السكان الواقعين بين فكي الفقر بحديه الأعلى والأدنى، والفقر المدقع  حد العوز المهين للكرامة الانسانية؟ هل تكفي العصبية الحزبية وغيرة الدين الطائفية لاطعام جائع؟ الى متى يستمر الانقسام سلاحاً “خبيثاً” بيد سياسيين يستغلونه ابشع استغلال على قاعدة “فرق تسُد”؟ وهل التخوين يكفي ليعود المحتجون الفقراء المعدمون الى بيوتهم خجلين من انفسهم، صاغرين للتنمر عليهم؟ أما المندسون فلا سبيل لمواجهتهم جذرياً إلا بالتوافق الوطني العام، وهذا من شبه المستحيلات في لبنان المتشظي سياسياً اليوم، وللعصا الأمنية حدود استعمال كيلا يستدرج العنف عنفاً في حلقة جهنمية نعرف كيف تبدأ ونجهل كيف تنتهي.

***

هذا المشهد المأساوي اجتماعياً يعيش لحظات مريرة في أطره الهشة الضابطة لايقاعه الحذر الخائف من فوضى عارمة بتبعات أمنية لم تعد تخيف الكثير من اللبنانيين غير العابئين من كورونا أيضاَ حتى لو هدّدت حياتهم.

***

أما السياسيون، فيخرجون من قبعاتهم أرانب اقتصادية ومالية جديدة بشراكتهم مع حاكم المصرف المركزي، مثل استخدام الدولارات المتبقية في مصرف لبنان لدعم اسعار المحروقات والأدوية والخبز وبعض السلع الغذائية الأساسية. بيد أن تلك الدولارات ناضبة، واستخدامها اجهاز كامل على ما تبقى من حقوق للمودعين. فبعدما شفطوا 85 في المائة من تلك الودائع الدولارية الحقيقية، اعينهم شاخصة اليوم على الـ 15 في المائة الباقية في ما يشبه لعبة القمار في “الصولد” الأخير.

 ***

الأنكى هو ما يحلو للمنظرين السياسيين من ألاعيب عبثية يومية في تقاذف المسؤوليات لتشتيت الانتباه عن الحائط المسدود أمام الجميع. ويُمني بعضهم النفس بحلول سحرية لا تمت لواقع الحال بصلة. فتارة يذكرون المساعدات السخية الآتية على صهوة حصان أبيض من أحصنة  المجتمع الدولي، وطوراً يحلمون بأن الدولة غير مفلسة بل منهوبة فقط، اذ يكفي استرداد المنهوب لنعيش “بتبات ونبات ونخلف صبيان وبنات”. وبينهم من يتحدث عن أصول للبيع في أوكازيون كبير يغنينا لولد الولد. والدهاة الدهاقنة بينهم ينتظرون نتيجة التفاوض الأميركي الإيراني لعل لبنان يكون بنداً تسووياً تتمخض عنه دولارات لهذا النظام المتعود على التقوت على فتات موائد الدول. وآخرون يوظفون ولاءاتهم لدول الخليج أو غيرها في الشرق والغرب، للقول أنهم اذا تقلدوا الحكم  سيغدقون على اللبنانيين دولارات يمنون بها علينا من أسيادهم. فضلاً عمن لا يرى في الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون إلا بابا نويل بكيس هدايا على ظهره برغم امعانه في إهانة النظام ورموزه كلما سنحت له الفرصة، الى جانب تكنوقراط يعوّلون على صندوق النقد الدولي من دون إلتفات إلى شروطه الضاغطة على الفقراء أكثر من غيرهم، او من دون فهم عميق لآليات عمل تلك الجهة التمويلية الدولية المتحركة بخيوط سياسية غربية.

***

أي حل من تلك الحلول المتخيلة او المشتهاة ليس نهائياً. وبعضه كارثي، أو ارتهاني، أو ترميم طفيف لنظام يتداعى، أو هدر للوقت ريثما تتغير معادلات إقليمية أو دولية لا يعرف أحد من منتظريها والمراهنين عليها  كيف ستنعكس محلياً.

***

وما مشروع موازنة 2021 الا التعبير الفاقع عن العجز الذي وقع فيه جميع اللبنانين وليس وزارة المالية وحدها. فارقامها وفذلكتها لا تستدعي تحليلات هجومية كما لو كانت بيد وزير المال غازي وزني عصا سحرية ولا يستخدمها. واذا كان لا بد من ملاحظة على تلك الموازنة، فهي بجانب النفقات التي تتجاوز الايرادات بحوالى 4000 الى 5500 مليار ليرة اذا اخذت السلفة لكهرباء لبنان بالحسبان. فذلك العجز ليس حقيقياً بغياب حساب 6 مليارات دولار تذهب لدعم استيراد السلع الأساسية. وتلك المليارات، من مصرف لبنان، هي انفاق عام شئنا أم أبينا، وتضاف إلى أرقام النفقات ليرتفع العجز الحقيقي الى 55 أو 60 ألف مليار، بما يعادل أكثر من 10 اضعاف المقدر في الموازنة، وتلك معادلة سلبية فريدة من نوعها عالمياً، لا بل الأخطر في تاريخ الموازنات ولم تشهدها إلا الدول المفلسة والفاشلة.

إقرأ على موقع 180  فرنجية يُحاكم العهد: "أنا الضحية.. أنا السجّان"!

 أجل، أصبحت نفقات الحد الأدنى لعيش الدولة والمجتمع عند حد الفقر تقدر بنحو 60 الف مليار ليرة وليس 18 الفاً، وتساوي 4 اضعاف الإيرادات المتراجعة 40 في المائة وغير المؤهلة للارتفاع  في المدى القريب بفعل تداعيات الانهيار الاقتصادي وفيروس كورونا، مع ملاحظة شبه الغياب التام لأي انفاق استثماري تنموي خالق للنمو وفرص العمل. فالايرادات العادية لا تفي حالياً إلا بالرواتب على هزالها بعد هبوط سعر الصرف، وفوائد الدين العام على قلتها بعد التوقف عن دفع سندات اليوروبوندز، وبعض المصروفات اليسيرة لتسيير مرافق عامة كيلا تتفكك الدولة وتتحلل مؤسساتها أكثر. والتقتير على بعض موظفي القطاع العام عينة مما ينتظر الموظفين وفق “روشتة” علاج أصل الداء في عجز الموازنة، أي أن الآتي أعظم، إذا إنضم لبنان إلى برنامج الصندوق الذي سيطالب بـ”ترشيق” القطاع العام والضمانات الإجتماعية تدريجياً!

***

ومع تعذر التغيير السياسي من فوق، لا يبقى إلا التغيير من تحت كما في حتميات التطور الطبيعية عند حصول الفراغ، إذ ينبري من يملأه لا محالة. والانفجار الاجتماعي المقبل بين طرفة عين والتفاتتها اقصر طرق التعبير عما آلت إليه الأمور في لبنان، مهما قيل زوراً أو حذراً في هذا التحرك أو ذاك، ومهما تشيطنت هذه المدينة أو تلك، ومهما قمعت أو خدرت القرى والدساكر والأحياء، ومهما اتهم البعض بالعمالة وتنفيذ الأجندات، ومهما جيّشوا الطوائف ضد بعضها.. تبقى الحقيقة الوحيدة التي لا ريب فيها أن نسبة 75 في المائة من الشعب اللبناني لم تعد قادرة على التحمل معيشياً ولا هي مقتنعة كفاية ً بالحلول المطروحة لتنتظر بهدوء الواثق بالفرج، ولا ستشملها برامج الحماية الإجتماعية (ستشمل 10% من فقراء لبنان وفق أرقام وزارة الشؤون الإجتماعية). خلاف ذلك يعني القبول بذل المعيشة ليبقى الزعيم متربعاً على ظهور الأذلاء.. لم لا، اذا كان هذا يشبع اللبنانيين عنفواناً وكرامة، فليس بالخبز وحده يحيا الانسان بل بالطائفية والعصبية وتقديس الأصنام الطائفية على أنواعها أيضاً على ما يبدو!

Print Friendly, PDF & Email
منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  ماكرون في بيروت: إنتهاء صلاحية الطائف.. ومصافحة حزب الله