أردوغان يتودد بايدن من بوابة إسرائيل.. وحماس تدفع الثمن!
ANKARA, TURKEY - SEPTEMBER 14: Turkish President Recep Tayyip Erdogan (L) welcomes Leader of Hamas Political Bureau, Khaled Meshaal prior to their meeting at the Presidential palace in Ankara, Turkey on September 14, 2015. (Photo by Murat Cetinmuhurdar/Turkish Presidency Press Office/Anadolu Agency/Getty Images)

بالتوازي مع إندفاعتها الإنفتاحية بإتجاه طهران ومساعيها لاستعادة علاقاتها مع دمشق، لم تتخل حركة “حماس” عن المحور التركي-القطري “الإخواني”، إذ نجحت، حتى الآن، بالتموضع بين محورين يتوافقان ويختلفان في آن، ودخلت بقوة في “لعبة” الفصل بين الملفات أو تحييد الخلافات، آخذة ممن تريد ما يريد وتريد!

النهج “البراغماتي” الذي يسلكه حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا يكاد يصبح مدرسة في السياسة. بهذا المعنى، لا يبدو صادماً ما كشفه مراسل صحيفة “ذا تايمز” البريطانية في “إسرائيل” أنشيل بابر في مقالٍ له بتاريخ 26 كانون الثاني/ يناير 2021، بأن “حماس تلقت رسائل من تركيا عن أن إقامتها طالت وأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بدأ يوجّه سياسته باتجاه المصالح التي تخدمه وبلده، مما يعني بالضرورة إعادة النظر في علاقاته مع حركة حماس الفلسطينية”.

وأضاف مراسل الصحيفة أنه “في الأسابيع الماضية، بدأت الحكومة التركية، بتضييق الخناق على نشاطات حماس في تركيا. ولم يعد أفرادها يحملون الجنسية التركية أو لديهم إقامات طويلة، حسبما أوردت الصحافة التركية. وفي واحدة من الحالات، تم احتجاز أحد أعضاء حركة “حماس” في المطار وترحيله”. ويزعم المراسل أن “التحقيق التركي مع تحقيقات دول أخرى وجد أن شبكة من الواجهات التي تستخدمها “حماس” في اسطنبول تحت غطاء العمل الخيري ودعم الطلاب، بدأت تستخدم تركيا كقاعدة عمليات لها، وتركز على العمليات الإلكترونية وتجنيد الطلاب المتخصصين في الهندسة والطب”.

ويلفت أنشيل بابر الإنتباه إلى أن حركة “حماس” باتت تخسر أصدقاء في العقد الأخير، “فقد طُلب منها الخروج من سوريا عندما قررت دعم الانتفاضة الشعبية ضد نظام (الرئيس السوري) بشار الأسد، ولوحقت في مصر بعد وصول (الرئيس) عبد الفتاح السيسي إلى الحكم”. ولكن “تركيا قدمت استثناءً، فحزب العدالة والتنمية الذي يترأسه أردوغان يشترك في الأيديولوجيا مع جماعة الإخوان المسلمين التي استلهمت حماس منها أفكارها عند تأسيسها، وقدمت أنقرة إقامات طويلة لعدد من قادة الحركة بل ومواطنة (جنسية) تركية لبعضهم”.

دوافع الرئيس التركي المستجدة للتضحية بورقة “حماس”، أو ربما بعضها، تنطلق من خشيته العزلة الدولية وفتح ملفاته الداخلية في عهد ساكن البيت الأبيض الجديد جو بايدن، فقضايا الحريات وحقوق الإنسان والأكراد “مواضيع لم تكن تهم الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب على الإطلاق، ولكنها تقلق بايدن، وبالطبع الاتحاد الأوروبي”. لذا راح أردوغان يتقرب من “إسرائيل” لاستمالة قلب الرئيس الأميركي جو بايدن، منتظراً اتصال الأخير بفارغ الصبر! هذا ما يؤكده مقال الكاتب تسفي برئيل في صحيفة “هآرتس” بتاريخ 29 كانون الثاني/ يناير 2021.

كل المؤشرات تدل على أن أردوغان قلق من وصول بايدن ومن إنعدام الكيمياء بينهما، “فالرئيس الأميركي لم يتحدث حتى الآن مع نظيره التركي منذ دخوله إلى البيت الأبيض، وكذلك لم يوافق على الطلب الذي وُجه لطاقمه بإجراء محادثة كهذه قبل أن يتسلم منصبه”. ويتضح أن “بايدن قد سجل أمامه بأن أردوغان كان من بين الزعماء الأخيرين الذين أجروا اتصال تهنئة بالفوز في الانتخابات. لهذا، فإنه ليس في عجلة من أمره، خصوصاً أنه سمّى الرئيس التركي سابقاً بالديكتاتور، ووعد في حملته الانتخابية بأنه سيعرف كيف يتعامل معه”.

وتضيف “هآرتس” بأن “أردوغان ينظر بأم عينيه كيف لمستشارين وجنرالات (أميركيين) انتقدوه وطلبوا فرض عقوبات على تركيا، يتم تعيينهم في وظائف عليا في الإدارة الأميركية الآخذة في التشكل”، ومنهم “الجنرال لويد أوستن، الذي عُين في منصب وزير الدفاع الأمريكي. في نظر تركيا، هو المسؤول عن سياسة الدعم والمساعدة للأكراد، الذين تدير ضدهم تركيا الحرب، حتى أنها طلبت من الرئيس السابق ترامب التوقف عن دعمهم. والجنرال بيرت ماكغراك، الذي عُيّن منسق أعمال مجلس الأمن القومي في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث اعتُبر أيضاً مهندس التعاون مع الأكراد”. زدْ على الشخصيات التي تثير قلق أردوغان أيضاً، وزير الخارجية أنتوني بلينكن. تنقل “هآرتس” أن بلينكن قال في جلسة الإستماع له في الكونغرس، بصورة قاطعة: إن فكرة أن شريكنا الاستراتيجي، وكأنه شريك استراتيجي، ويقف في صف واحد مع أحد منافسينا الاستراتيجيين، روسيا، هي أمر لا يتقبله العقل. تركيا حليفة بعدة مفاهيم، لكنها لا تتصرف كما يجب أن تتصرف الحليفة. هذا تحد كبير جداً بالنسبة لنا. نحن يقظون جداً في هذا الشأن”. ويلفت تقرير “ذا تايمز” في هذا الصدد إلى أنه بسبب شراء أردوغان “نظام أس- 400 الروسي، ألغت الولايات المتحدة صفقة طائرات أف-35 التي تعتبر تركيا مشاركة فيها”.

وتضيف صحيفة “ذا تايمز” أن “أردوغان شعر بالعزلة خلال السنوات الماضية، حيث أدت علاقته مع روسيا إلى غضب دول الناتو، وراقب اليونان وهي تقوي علاقاتها مع إسرائيل والإمارات وبقية الدول العربية. وأصبحت سياسته الخارجية في حالة يرثى لها”. ومن هنا “يحاول أردوغان إعادة التواصل مع إسرائيل ولديه ورقة مقايضة، هي حماس. ومع أنه لا يزال يدعم في تصريحاته العلنية الفلسطينيين، إلا أن التقارير التي تشير إلى تجاوز حركة حماس التفويض الذي منح لها في تركيا ومن دون علم أردوغان، يعطيه المبرر ليبدأ بالحد من نشاطاتها”. لقد “اشترط المسؤولون الإسرائيليون قطع العلاقة مع حماس لتحسين العلاقة مع تركيا”. ويبدو على حد تعبير الصحيفة أن “أردوغان فهم الرسالة”. يأتي ذلك في أعقاب زيارة سرية قام بها مدير المخابرات التركية حقان فيدان في مطلع شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي إلى تل أبيب حيث إلتقى نظيره الإسرائيلي يوسي كوهين وابلغه رغبة بلاده بإستئناف العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.

إقرأ على موقع 180  السلام الإماراتي - الإسرائيلي: زلزال جيو- سياسي أم حضاري؟

وتنقل صحيفة “هآرتس” عن مستشار الرئيس التركي لشؤون الأمن والخارجية، مسعود حقي جاشين، قوله في مقابلة مع “صوت أمريكا” الشهر الماضي، بأن “محادثات حول تحسين العلاقات بين إسرائيل وتركيا قد تجرى قريباً، ويمكن استئناف العلاقات في آذار/ مارس المقبل… إذا خطت إسرائيل خطوة إلى الأمام، فستخطو تركيا بخطوتين”، من دون أن يحدد المقصود بالخطوة الإسرائيلية الأولى، وهي على ما يبدو تتعلق بإعادة فتح أبواب الإدارة الأميركية أمام أردوغان بتدخل إسرائيلي مباشر. وأشار جاشين إلى أن “تركيا كانت اشترت من إسرائيل سلاحاً كثيراً، ويمكن إعادة ترتيب ذلك من جديد”. وأنه “يمكن لتركيا أن تكون الزبون الأكبر لإسرائيل في مجال الغاز والنفط”. يُذكر أن مصر تنظر إلى التحول التركي وما يمكن أن يقدم أردوغان من إغراءات متوسطية إلى تل أبيب بعين الريبة لناحية “السعي إلى تفكيك حلف الغاز (منتدى الغاز المتوسطي) والمس بمصالح مصر الاقتصادية”، على حد تعبير هآرتس.

وتضيف “هآرتس” بأن “أردوغان ينتظر في هذه الأثناء بفارغ الصبر توجه بايدن إليه، في الوقت الذي يستعد للمحادثة من خلال إرسال رسائل جديدة حول نيته العودة إلى السياسة الخارجية التي تبناها في العقد الأول من حكمه، والتي تتلخص بجملة: صفر مشكلات مع الجيران. وثمة مثال بارز على هذه السياسة، وهي الرسائل التي يرسلها لإسرائيل”، إلى درجة أن “تركيا بقدر ما تعتقد أنه يمكن لإسرائيل أن تفتح لها أبواب الولايات المتحدة برغم العلاقات الباردة بين بايدن ونتنياهو، فهي حذرة في أن لا تهاجم إسرائيل أو أن تشتم رئيس حكومتها”.

واعتبرت “هآرتس” أن “رسائل جاشين حول علاقات تركيا وإسرائيل تأتي بعد بضعة أسابيع على نشر تقارير في تركيا بأن النظام يقيّد خطوات نشطاء “حماس”، ويقصر فترة تأشيرات مكوثهم في تركيا، ويعمل ضد الجمعيات الخيرية التي تستخدم كمؤسسات وهمية لتمويل وتبييض أموال “حماس” مثل معهد راية والتحالف العالمي لمساعدة الفلسطينيين وجمعية الأيدي البيضاء الممولة بشكل جزئي من قطر. وهناك شك إذا كانت تركيا ستغير في القريب سياستها تجاه “حماس”، التي توصف علاقتها معها بعلاقة ذات وجهين؛ فمن جهة، تقدم لها التمويل ومجال عمل على أراضيها، ومن جهة أخرى، توفر “حماس” لتركيا مكانة في القضية الفلسطينية. ولكن إذا كانت هناك إيماءات من البرود تجاه “حماس” يمكن أن تساعدها في تمهيد طريقها إلى قلب البيت الأبيض، مباشرة أو من خلال إسرائيل، فلن تتردد تركيا بالقيام بها”.

في المحصلة، تواجه حركة “حماس” اليوم تحدياً جديداً، في كونها قد تشكل فجأة “عبئاً ثقيلاً” على رجب طيب أردوغان وواقعه إزاء العهد الرئاسي الأميركي الجديد. وبالرغم من أن قيادات الحركة ما زالت تنفي تلقيها أية إشارة سلبية بشأن حضورها ونشاطها في تركيا، لكنها تخطىء في الحساب إذا لم تؤمن بأولوية الحزب الحاكم في تركيا تحقيق رؤيته الاستراتيجية لمصالحه على حساب دعمه لـ”حماس”، وهي التي تتشارك معه في المشارب “الإخوانية/ الزئبقية” نفسها. وتخطىء أيضاً في تفضيلها المستمر للارتباط الأيديولوجي “الإخواني” مع أردوغان وقطر، برغم مضاره، على حساب قضيتها الأساس فلسطين (المصادر: هآرتس، ذا تايمز، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 180 بوست).

Print Friendly, PDF & Email
Avatar

كاتب لبناني

Download Premium WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  العراق إلى الفوضى السياسية: هل يقتدي الحلبوسي بصالح؟