بايدن ينعش “كواد” تطويقاً للصين وإنهاءً لـ”بريكس”

"كواد" تحالف رباعي يجمع الولايات المتحدة، أستراليا ، الهند واليابان، كان طي النسيان، لكن جو بايدن سارع إلى انعاشه كإستراتيجية ثابتة في سياق سعيه لإعادة بلاده إلى دورها القيادي في منطقة تشهد صعوداً قوياً لنفوذ الصين.

الصين إن لم تتصدع أو تنهار، فستكون “أكبر لاعب في تاريخ العالم”، كما وصفها لي كوان يو، رئيس الوزراء ومؤسس سنغافورة الراحل. ونظراً لأن عدد سكان الصين يصل إلى أربعة أمثال سكان الولايات المتحدة، فإنه إذا كان الصينيون يتمتعون بنصف الطاقة الإنتاجية للأميركيين، فإن إجمالي الناتج المحلي للصين سيكون ضعف إجمالي الناتج المحلي في الولايات المتحدة. ومن شأن هذا أن يسمح للصين بأن تستثمر في مجال الدفاع ضعف ما تنفقه أميركا، وتالياً إذا واصلت بيجينغ  نموها بهذه الوتيرة العالية، ستتربع قريباً على عرش السياسة والقوة العسكرية بعد تربعها على العرش الاقتصادي.

هذا الصعود الإستثنائي للعملاق الأسيوي صار التحدي الأكثر تعقيداً أمام صناع القرار في البيت الابيض، بدليل أنه لا يمر يوم منذ تسلم جو بايدن السلطة الا وتتبدى الصين بوصفها هاجسه الأكبر في سياساته وإستراتيجياته الخارجية.

ولما كانت السلطات الصينية إعتمدت في سياساتها الخارجية، إستراتيجية أعلنها الرئيس شي جين بينغ عام 2018، وترمي إلى توسيع “حلقة الأصدقاء”، على إعتبار أن تبوّءها مكانة “مهيمنة” على الساحة الدولية، يتطلب بلا شك إعادة تقسيم العالم أو العمل تدريجياً على تهميش الولايات المتحدة والدول الحليفة لها في مواجهة مجموعة كبيرة من “أصدقاء الصين”، فإن الإدارة الأميركية، في المقابل، باتت جازمة بأنه لن يكون في إمكانها مواجهة خصمها الكبير بمفردها، وتالياً بات يتعين عليها جذب دول أخرى ذات ثقل إلى جانبها. لذا كان اعلان بايدن، مرشحاً ثم رئيساً، إنشاء جبهة منسقة سياسياً وتجارياً وعسكرياً مع الحلفاء الأوروبيين والآسيويين لمواجهة بيجينغ.

وتشكّل الولايات المتحدة والإتحاد الأوروبي معاً 42.1 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفقاً لبيانات البنك الدولي، بينما تشكل الصين 16.3 في المئة فقط. ويُعد الإتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري للصين، بينما تعد الولايات المتحدة أكبر شريك تجاري ثنائي للتنين الصيني. ويمكن لتجديد التعاون مع الحلفاء الأوروبيين مساعدة الولايات المتحدة في التنافس بشكل أكثر فاعلية مع الصين والتصدي بشكل أفضل للتحديات الإقتصادية والأمنية المتزايدة.

أُطلق “كواد” عام 2007 بعدما أظهر رئيس وزراء اليابان السابق شينزو آبي حماسة لإيجاد شركاء من أجل إقامة توازن مع الصين الصاعدة بقوة. ولاقى حينها دعماً أميركياً وأسترالياً وهندياً

لكن حتى تكون إستراتيجية تطويق الصين فعالة، لا بد لواشنطن أن تدعمها بجبهة مناهضة للصين مع حلفائها الآسيويين والشرقيين، قبل الشروع في العزل الإقتصادي والتجاري للخصم الأكبر، ذلك أن الولايات المتحدة تمثل مع حلفائها في أوروبا وآسيا أكثر بكثير من نصف الإقتصاد العالمي، ما يمنحها “الثقل اللازم” لتحقيق نتائج والدفاع عن عدد من المبادئ في مواجهة ما تعتبره “عدوان الصين”.

وفيما كان بايدن منكباً على استعادة ثقة الأوروبيين بأميركا بعدما إهتزت في عهد سلفه دونالد ترامب، كان وزير خارجيته أنتوني بلينكن ينعش مع نظرائه في منطقة آسيا والمحيطين الهندي والهادىء، ما يسمى تحالف “كواد”، أي الرباعي الذي يجمع الولايات المتحدة وأستراليا والهند واليابان.

وفي إجتماع عبر تقنية الفيديو الأسبوع الماضي، جدد بلينكن مع نظيرته الأسترالية ماريز باين، والهندي سوبرامنيام جايشانكار، والياباني توشيميتسو موتيجي، التزام بلادهم تعزيز التعاون من أجل النهوض بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك دعم حرية الملاحة والسلامة الإقليمية. وشكّل هذا الإجتماع تحدياً واضحاً من واشنطن للتحذيرات الصينية من إحتمال التدخل في “الشؤون الداخلية لدول المنطقة”.

وفي سياق الحشد الأميركي للحلفاء في منطقة آسيا والمحيطين الهادىء والهندي أيضاً، أجرى بلينكن اتصالاً بنظيرته الإندونيسية ريتنو مارسودي. وأكد على “الأهمية المتزايدة للشراكة الإستراتيجية” بين بلديهما، مشدداً على “أهمية حماية بحر الصين الجنوبي الحر والمفتوح والمحافظة عليه”.

أُطلق “كواد” عام 2007 بعدما أظهر رئيس وزراء اليابان السابق شينزو آبي حماسة لإيجاد شركاء من أجل إقامة توازن مع الصين الصاعدة بقوة. ولاقى حينها دعماً من نائب الرئيس الأميركي السابق ديك تشيني، ورئيس الوزراء الاسترالي السابق جون هوارد، ورئيس وزراء الهند مانموهان سينغ. وفي حين كانت كانبرا ونيودلهي حذرتين في البداية حيال إستعداء الصين، إلا أن صيغة الرباعي توسّعت في السنوات الأخيرة مع تدهور علاقات البلدين مع بيجينغ. وأجرت دول “كواد” أربع مناورات بحرية في نوفمبر/ تشرين الثاني في خليج البنغال وبحر العرب، بمشاركة أستراليا للمرة الأولى منذ أكثر من عقد، وهي الدولة التي توجد على أراضيها أكبر القواعد العسكرية الأميركية في منطقة المحيط الهادىء.

وقد وصف الإعلام الرسمي الصيني تحالف “كواد” بأنه النسخة الأسيوية لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، وحذّر بايدن من أنّ تجديد التحالف الرباعي سيكون “خطأً إستراتيجياً فادحاً”، وقد يؤدي إلى “مواجهة إستراتيجية خطيرة”. الإعلام الصيني توجه إلى  الهند، العملاق الأسيوي الآخر، ونصحها بألا تربط نفسها “بشكل كامل بعربة الولايات المتحدة المناهضة للصين”.

وكانت الهند إعتمدت تاريخياً سياسة عدم الإنحياز في القضايا الخارجية، لكنّ التوترات تصاعدت، منذ العام الماضي، عندما أدّت مواجهات عسكرية مع الصين في جبال الهيمالايا إلى مقتل 20 جندياً هندياً على الأقل، إضافة إلى عدد غير معروف من الجنود الصينيين. وتسعى واشنطن الى ان تكون الهند هي وجهة الغرب الجديدة بديلاً عن الصين. ويبدو أنّ بعض النُخب الحاكمة في الهند قد تبنت هذه الخطة، وبدأت ترسمل على شراكات كبرى مع رأس المال الغربي.

يأمل المتفائلون بمستقبل “كواد” أن يكون بناء “تحالف مقدس” بين الهند واليابان بداية النهاية لمنظومة “بريكس” التي رعتها كل من بيجينغ وموسكو للقضاء على الهيمنة الأميركية وتشكيل “نظام عالمي بديل”

وبدا واضحاً أن مستقبل هذا الرباعي (كواد) يتوقف على الهند، لأنَّ القوى الثلاث الأخرى في المجموعة مقيدة بالفعل بتحالفات أمنية ثنائية وثلاثية بين بعضها البعض. فتحتمي كلٌّ من أستراليا واليابان بالمظلة الأمنية (والنووية) الأميركية، في حين لا تشترك الهند في حدود برية طويلة مع الصين وحسب، بل يتعين عليها أيضاً مواجهة أي هجوم إقليمي من الصين بمفردها، كما حصل العام الماضي في الهيمالايا أو كما حصل عام 1962.

ويرى خبراء في الإستراتيجيات العالمية أن “إحتواء الصين” أو عزلها في عالم ما بعد كورونا، لن يتم من دون بناء تحالف إقتصادي تجاري وأمني قوي بين الديمقراطيات الكبرى في آسيا، والتي يشكلها أكبر إقتصادين بعد الصين، وهما الإقتصادان الياباني والهندي. وربما سيشكل النزاع العسكري الحدودي بين الهند والصين نقطة البداية للإنطلاقة الفعلية في بناء هذا التحالف الذي ستضاف إليه اقتصاديات دول النمو الصغيرة التي تخضع للحماية الأميركية المباشرة، مثل تايوان وتايلاند والفيليبين.

ويعتقد هؤلاء الخبراء أن التحالف بين طوكيو ونيودلهي أصبح ضرورة، مع تحول المركز الإقتصادي العالمي إلى آسيا. ويقدر البنك الدولي حجم الإقتصاد الياباني بنحو 5.081 تريليونات دولار، بينما يقدر حجم الإقتصاد الهندي بنحو 3.202 تريليونات دولار. ويفوق مجموع الحجم الإقتصادي للدولتين 8 تريليونات، ليقترب من حجم الإقتصاد الصيني المقدر بنحو 11.5 تريليون دولار. وما يدفع البلدان نحو التحالف هو حاجة كل منهما إلى الآخر، إذ أن الإقتصاد الياباني يعتمد في نموه على قوة الصادرات، وتالياً يحتاج إلى سوق كبير تتنامى فيه القوة الشرائية كبديل للسوق الصيني، ولن تجد الشركات اليابانية ذلك البديل إلا في الهند المكتظة بالسكان.

ويقدر عدد سكان الهند هذه السنة بنحو 1.381 مليار نسمة، وهو ما يعني أن الهند، عبر التعليم وزيادة التوظيف وارتفاع متوسط الدخل، يمكن أن تتحول إلى سوق استهلاكية كبرى تنافس السوق الصيني، وتبعاً لذلك تجذب الشركات اليابانية والأميركية والأوروبية الباحثة عن مخرج من قبضة الصين.

ويشير مسح أجراه بنك اليابان للتعاون الدولي إلى أن الشركات اليابانية التي لديها مصانع في الخارج تفضل الهند كوجهة بديلة للصين على المدى الطويل. وفكرة التحالف بين الهند واليابان ليست جديدة، فقد بدأت منذ عام 2008، في أعقاب الأزمة المالية التي خرجت منها الصين سليمة، بينما أصيبت الاقتصادات الرأسمالية في أوروبا وأميركا وآسيا بضربة كبيرة، إذ طرحت اليابان إستراتيجية “قوس الحرية والرفاه” لتعزيز النفوذ “الليبرالي الرأسمالي” في آسيا ومحاصرة ما تعتبره الحكم الأوتوقراطي الذي يقوده الحزب الشيوعي الصيني.

لكن هذه الفكرة تم وأدها فوراً بسبب رشوة الحكومة الصينية للإقتصادات الآسيوية التي خرجت مرهقة من الأزمة المالية، إذ إن ببيجينغ منحت هذه الحكومات القروض وشرعت شركاتها في بناء مشاريع البنية التحتية عبر ما أطلقت عليه مبادرة “الحزام والطريق”.

ويأمل المتفائلون بمستقبل “كواد” أن يكون بناء “تحالف مقدس” بين الهند واليابان بداية النهاية لمنظومة “بريكس” التي رعتها كل من بيجينغ وموسكو للقضاء على الهيمنة الأميركية وتشكيل “نظام عالمي بديل”، إذ أن الهند من أهم الدول المكونة لهذا التحالف وخروجها منه يعني نهايته. ولأن كلاً من الهند واليابان لديهما مشاكل حدودية مع الصين،  فهذا يعطي فرصة إضافية لتعزيز التحالف الرباعي بين الهند واليابان وأميركا وأستراليا.

لكن ما يقلق الدول الأربع هو إستعداد الصين لفرض عقوبات غير رسمية، على الدول التي تعارضها، فالعام الفائت، فرضت بيجينغ عقوبات تجارية على أستراليا، بعد أن دعمت كانبرا تحقيقاً في أصل فيروس كورونا، وعلقت بعض واردات لحوم البقر لأسباب فنية، ومنعت واردات الشعير من خلال فرض رسوم جمركية ضخمة على الحبوب الأسترالية، كما يتوقع التجار الأستراليون الآن المزيد من العقوبات على صادرات النبيذ الأسترالي والأخشاب وحتى الكركند.

كذلك يواجه “كواد” تحديات أخرى أبرزها، أنه لا يوجد إجماع بين شركاء الرباعية حول كيفية المضي في ردع بيجينغ، ذلك أن إستراتيجية إحتواء كلاسيكية على غرار الحرب الباردة لم تعد تجد نفعاً في عالم تغير كثيراً ولا يزال يتغير ومحكوم بالمصالح. كما ليس من السهل على دولة كبيرة بحجم الهند أو اليابان أو أستراليا أن يكونوا مجرد ميكرونيزيا أخرى لا تستطيع الدوران إلا في الفلك الاميركي. ولعل أكبر مثال على أن زمن المبادئ قد ولى لتحل محله لغة المصالح، هو مسارعة الإتحاد الأوروبي الحليف الأكبر لواشنطن، إلى توقيع إتفاق إستثماري واسع النطاق مع الصين في 30 كانون الأول/ ديسمبر 2020 أي قبل بضعة أيام فقط من تولي جو بايدن منصبه، والذي ما لبث فريقه الإداري أن أعرب عن خيبة كبيرة من بروكسيل ومن برلين التي إضطلعت بدور كبير في توقيع الإتفاق. واذا كان الأوروبيون غير متحمسين لمعاداة الصين ويكتفون بالضغط عليها لدفعها نحو مزيد من التعاون في ملفات سياسية واقتصادية، فكيف بالدول المجاورة للصين والمرتبطة بها بألف رباط ورباط.

Print Friendly, PDF & Email
أمين قمورية

صحافي وكاتب لبناني

Download WordPress Themes Free
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
online free course