واشنطن تريد، طهران تريد.. ولكن؟

لم يكن الإتفاق الموقع في منتصف تموز/ يوليو 2015 بين إيران والمجموعة السداسية الدولية، نتاج توافق دولي يقتصرعلى المحددات والجوانب النووية فحسب، فأبعاده تتجاوز الظاهر منه، إلى تطبيع العلاقات الإيرانية مع الغرب على وجه التحديد.

يمكن ملاحظة تلك الأبعاد في مجموعة من بنود الإتفاق النووي ذاته، وفي الخطوات التي أعقبت التوقيع، وفي الشروحات التي قدمها مجلس الأمن الدولي بعد إصداره القرار2231 القاضي بالمصادقة على الإتفاق بعد خمسة أيام من توقيع مجموعة 5+ 1 عليه، فقد جاء في حيثيات الشروحات “أن خطة العمل المشتركة تفضي إلى تشجيع وتيسير إقامة علاقات وأواصر تعاون طبيعية مع إيران في المجالين الإقتصادي والتجاري”.

لنلاحظ ماذا جاء أيضا في تفاصيل القرار 2231:

أولاً، في الجانب الأوروبي:

” سينهي الإتحاد الأوروبي جميع الأحكام الواردة في لائحة الإتحاد الأوروبي: تحويلات الأموال بين الأشخاص والكيانات التابعة للإتحاد الأوروبي وبين الأشخاص والكيانات الإيرانية بما يشمل المؤسسات المالية والأنشطة المصرفية بما في ذلك علاقات المراسلة المصرفية وفتح فروع ومكاتب فرعية جديدة للمصارف الإيرانية في أراضي الدول الأعضاء في الإتحاد الأوروبي”.

ثانيا، في الجانب الأميركي:

“ستوقف الولايات المتحدة تطبيق الجزاءات التالية: المعاملات المالية والمصرفية مع المصارف الإيرانية والمؤسسات المالية الإيرانية بما في ذلك مصرف إيران المركزي والأفراد والكيانات”، فضلا عن “تزويد إيران بأوراق نقدية أميركية والإستثمار بطرق منها الإنضمام إلى المشاريع المشتركة في السلع والخدمات والمعلومات والخبرة الفنية ودعم قطاعات النفط والغاز وشراء أو بيع أو نقل او تسويق النفط والمنتجات البتروكيمائية والغاز الطبيعي الإيراني… إلخ”.

وبحسب جاك ليو وزير الخزانة الأميركية الأسبق، فإن حجم الأموال الإيرانية المجمدة 115 مليار دولار، لكن تقديرات صحيفة “واشنطن تايمز” في عددها الصادر بتاريخ 6 ـ 8 ـ 2015 حددت تلك الأموال بـ 140 مليار دولار، وجاء في تقرير بثته شبكة cnn التلفزيونية الأميركية (18ـ1ـ 2016) أن حجم هذه الأموال يتراوح بين 100 مليار دولار و150 مليارا.

ماذا جرى بعد الإتفاق؟

تلقت طهران من واشنطن، بعيد التوقيع على اتفاق العام 2015 مليارا و700 مليون دولار كتسوية لإنهاء قضايا مرتبطة بشراء معدات عسكرية أميركية قبل عام 1979، والبارز  في مجمل مرحلة ما قبل وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017، توقيع إيران وخصومها الغربيين على عقود  تستعيد الأولى جزءا من أموالها من خلال صفقات  تجارية، بينها شراء أكثر من 100 طائرة ركاب مدنية من شركة “إيرباص” الأوروبية و80 طائرة “بوينغ” أميركية و20 طائرة أخرى من نوع ATR أوروبية الصنع، بالإضافة إلى بناء 6 مناطق صناعية حرة و12 مطارا جديدا.

تغدو مقولة “طهران تريد وواشنطن تريد”، صالحة تماما للتعبير عن إرادة الطرفين الإيراني والأميركي للعودة إلى الإتفاق النووي، ولكن هذه الإرادة ما زال يكتنفها نقصان الأطر والتصورات التي يمكن أن تنقل الإرادة من كونها تعبيرا عن نوايا مجردة إلى أفعال وخطوات عملية

أية دلالات وشروحات لهذه الأرقام والمبالغ؟

إن الأرقام الواردة آنفا، وما سبقها من شروحات وتفسيرات صادرة عن أعلى هيئة دولية متمثلة بمجلس الأمن، عنت من جانب أول اعترافا عالميا بالنظام الإسلامي القائم في إيران منذ أربعة عقود ونيف، وبما يعني أيضا التطبيع معه والإعتراف بأن إيران أحد أعضاء النادي النووي الدولي، وأما الجانب الثاني فقد عنى استعداد ايران وقابليتها في الإندماج في النظام المالي والإقتصادي العالمي، انطلاقا من موقع الحفاظ على خصوصية إيران ونظامها السياسي.

وعلى أساس هذه الشروحات، يصح القول بأن استعداد إيران للعودة إلى اتفاق العام 2015، ينبع من إدراكها أن الإتفاق المذكور يوفّر لها مجموعة من الإقرارات الدولية، سياسيا ونوويا واقتصاديا، فيما الأميركيون، وبالأخص الإدارة الديموقراطية ترى في العودة ذاتها مجالاً من مجالين: إما دفع إيران نحو مزيد من الإلتصاق بروسيا والصين والذهاب نحو تطوير برنامجها النووي إلى حدود قصوى، وإما الحد من التصاق طهران بموسكو وبكين وجعل البرنامج النووي الإيراني تحت سقف الرقابة الدولية.

وانطلاقا من ذلك، تغدو مقولة “طهران تريد وواشنطن تريد”، صالحة تماما للتعبير عن إرادة الطرفين الإيراني والأميركي للعودة إلى الإتفاق النووي، ولكن هذه الإرادة ما زال يكتنفها نقصان الأطر والتصورات التي يمكن أن تنقل الإرادة من كونها تعبيرا عن نوايا مجردة إلى أفعال وخطوات عملية تعيد إحياء الإتفاق المجهض.

 إذا.. من أين يمكن البدء؟

في المواقف السياسية وفي وسائل الإعلام الإيرانية، يلاحظ أن مقولة “كام به كام” والتي يعادلها في اللغة العربية “خطوة مقابل خطوة”، ومعها “التعهد مقابل التعهد”، و”الإلتزام مقابل الإلتزام”، راحت تطفو على سطح التداول اليومي في إيران، وسبق ذلك ذهاب إيران إلى تجميع أوراق تفاوضية تمثلت في الإنسحاب المتدرج من التزاماتها بالإتفاق النووي وصولاً إلى “يوم الذروة” في الثالث والعشرين من شباط/ فبراير الجاري، حين طالت الإجرءات الإيرانية “البروتوكول الإضافي” وطريقة عمل المفتشين الدوليين، وعلى هذه الحال، بات لإيران أوراق قوة تقابل بها أوراق القوة الأميركية.

ماذا يمكن أن يفعل الأميركيون؟

مثلما يوجد في واشنطن من يعارض الإتفاق، ولا فرق في ذلك بين الموقف العام للجمهوريين أو في عريضة الرفض الموجهة إلى الرئيس جو بايدن من قبل 113عضوا في الكونغرس الأميركي، ففي طهران أيضا، هناك في مجلس الشورى او خارجه من يرفض الإتفاق، ولذلك، لا تبدو واشنطن ولا طهران في عجلة من أمرهما، وإذا ما أضيف عنصر الثقة المفقود، فإن “الإنتظار” يصبح من تجليات السياسة المتبعة، ولذلك تعلو في واشنطن أصوات تقول بضرورة انتظار مرحلة ما بعد الإنتخابات  الرئاسية الإيرانية في حزيران/ يونيو المقبل، لأن نتائج تلك الإنتخابات تؤشر إلى السياقات العامة لسياسات إيران الخارجية، وفي المقابل، فإن قراءة “التفاهم” الذي توصل إليه رافائيل غروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، خلال زيارته إلى طهران في العشرين من هذا الشهر، تنطوي هي الأخرى  على سياسة الإنتظار الإيرانية، ذلك أن هذا “التفاهم” قضى بإحتفاظ إيران بصور آلات مراقبة النشاطات النووية لثلاثة أشهر، وليصار بعد ذلك إلى تسليمها للوكالة الدولية في حال العودة الى الإتفاق النووي، أو إتلافها في حال عصف الإخفاق بجهود إحياء الإتفاق.

الولايات المتحدة ليست بصدد اتخاذ خطوات عملية عاجلة ومباشرة لرفع العقوبات عن ايران في القريب المنظور، إلا ان الإدارة الأميركية قد تعمد إلى انتهاج خطوات عملية غير مباشرة، لتأكيد رغبتها في العودة إلى الإتفاق النووي

ما السبل المنتظرة والمرجحة مع “سياسة الإنتظار”؟

إقرأ على موقع 180   بايدن ينعش "كواد" تطويقاً للصين وإنهاءً لـ"بريكس"

من الواضح ان الولايات المتحدة ليست بصدد اتخاذ خطوات عملية عاجلة ومباشرة لرفع العقوبات عن ايران في القريب المنظور، إلا ان الإدارة الأميركية قد تعمد إلى انتهاج خطوات عملية غير مباشرة، لتأكيد رغبتها في العودة إلى الإتفاق النووي مع إيران، ومن ضمن هذه الخطوات:

1ـ إفساح المجال للأوروبيين في صياغة إطار تفاهمي مع إيران يمهد للعودة إلى الإتفاق النووي، وهو أمر جرى التوافق عليه في الإجتماع الإفتراضي بين وزير الخارجية الأميركية انتوني بلينكن ووزراء خارجية فرنسا وألمانيا وبريطانيا في الثامن عشر من الشهر الحالي.

2ـ احتمال أن ترفع الولايات المتحدة الضغط عن صندوق النقد الدولي لإقراض إيران خمسة مليارات دولار، كانت طهران قد تقدمت بطلب بشأنها إلى صندوق النقد في عام 2020 الماضي.

3ـ تسهيل الإفراج عن بعض الأرصدة الإيرانية المجمدة، وملامح ذلك بدأت بالظهور من خلال إعلان كوريا الجنوبية، انها اقتربت من الإفراج عن مليار دولار عائدة لإيران، من ضمن 7 مليارات أخرى محتجزة في البنوك الكورية منذ سنوات عدة.

4ـ إعلان وزارة الخارجية الكورية الجنوبية، أن سيول وواشنطن تقتربان من التوصل إلى توافق حول استخدام قسم من الأموال الإيرانية المجمدة في مصارف  كوريا الجنوبية  لدفع مستحقات مالية إيرانية للأمم المتحدة، وأن إيران وافقت على ذلك، مثلما أوردت وكالة “يونهاب” الكورية في الثالث والعشرين من هذا الشهر، ونقلت “يونهاب” عن الموقع الإلكتروني للحكومة الإيرانية “أنه تم التوصل إلى اتفاق خلال اجتماع بين محافظ البنك المركزي الإيراني عبد الناصر همتي، والسفير الكوري لدى إيران ريو جيونغ- هيون”.

5ـ تصريح المتحدث باسم الحكومة الإيرانية، علي ربيعي، “أن إيران تتفاوض مع العراق وسلطنة عمان، للإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة “، بحسب ما ذكر موقع “روسيا اليوم” في الثالث والعشرين من شباط / فبراير الجاري.

6ـ إمكانية  إنعاش آلية التحويل  المالية الأوروبية ـ الإيرانية، المعروفة ب INSTEX والتي تم التفاهم عليها بين إيران والمجموعة الأوروبية في عام 2019، وتقتصر على  عمل الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم وضمن نطاق محدود يرتبط بصورة أساسية بالمواد الغذائية والأدوية والمعدت الطبية.

صحيفة “كوميرسانت” الروسية قالت:”في واشنطن لا حديث عن اتفاقيات عاجلة بل هناك مقترحات لتأجيل البحث في خطة العمل الشاملة المشتركة إلى ما بعد الإنتخابات الإيرانية في إيران”

إن مثل هذه الخطوات  العملية غير المباشرة، يضاف إليها سحب الطلب الأميركي المقدم إلى مجلس الأمن بغرض فرض عقوبات جديدة على إيران، تختزن إرادة العودة إلى الإتفاق النووي، ولكنها في الوقت نفسه تفتقد إرادة الفعل العاجل، وعلى ما تقول صحيفة “إيران” (22ـ2ـ2021) الحكومية “أن أيا من الطرفين الإيراني والأميركي لا يريد اتخاذ الخطوة الأولى والقيام بالتراجع الأول”، وشبيه ذلك قالته صحيفة “واشنطن بوست” في معرض قرءاتها (23ـ2ـ2021) لمساعي العودة إلى الإتفاق النووي  مع ايران، فكتبت قائلة “إن الولايات المتحدة وإيران عالقتان في مباراة نظر متبادلة، فكل واحدة منهما تنتظر من الأخرى أن تخطو الخطوة الأولى”.

هذا التوصيف المندرج في سياق عدم الإستعجال، أشارت إليه صحيفة “كوميرسانت” الروسية (21ـ2ـ2021) حين قالت:”في واشنطن لا حديث عن اتفاقيات عاجلة بل هناك مقترحات لتأجيل البحث في خطة العمل الشاملة المشتركة إلى ما بعد الإنتخابات الإيرانية في إيران”.

خلاصة كل ذلك تعني:

من يبادر أولاً؟

ماذا بعد الإنتخابات الرئاسية الإيرانية في حزيران/ يونيو المقبل؟

ماذا لو جاءت نتائج الإنتخابات بما لا تشتهيه رغبات الرئيس بايدن؟

هذه الأسئلة، التي تقف على جادة الإنتظار، تواكبها أسئلة أميركية ـ إيرانية متبادلة، ففي واشنطن يسألون عن البرنامج الصاروخي الإيراني والحضور الإقليمي لإيران، وفي طهران يسألون: ماذا عن العقوبات خارج الإطار النووي، مثل منظومة العقوبات حول الصواريخ، ورزمة العقوبات حول “حقوق الانسان”، وحزمة العقوبات حول “الإرهاب”؟.

سبق القول إن إرادة النوايا موجودة، ولكن ماذا عن إرادة الأفعال؟

قديماً قيل: الإنتظار حكمة

إذا.. لا بأس من الإنتظار.

Print Friendly, PDF & Email
Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
online free course
إقرأ على موقع 180  متاعب أمريكية