“البيزنس أولاً” بين السعودية وتركيا.. التطبيع مؤجل!
ANTALYA, TURKEY - NOVEMBER 15 : Turkish President Recep Tayyip Erdogan (L) greets Saudi King Salman bin Abdul Aziz Al Saud (R) during the 'Welcoming Ceremony' prior to the G20 Turkey Leaders Summit on November 15, 2015 in Antalya, Turkey. (Photo by Fatih Aktas/Anadolu Agency/Getty Images)

في العام 2026، تطوي السعودية مئوية علاقاتها الدبلوماسية مع تركيا. في كانون الثاني/ يناير من ذلك العام، نصّب عبد العزيز آل سعود نفسه ملكاً على "مملكة نجد والحجاز وملحقاتها". في آذار/ مارس من العام نفسه، كانت تركيا من بين أوائل الدول التي إعترفت بمملكة عبد العزيز.

ظلّ مسار العلاقات السعودية ـ التركية متصاعداً على مدى عقود من الزمن، وإن تخللته نكسات محدودة، إلى أن تردت العلاقات إلى حد “الحرب الباردة” في أعقاب سقوط نظام حسني مبارك في مصر في العام 2011 وإمساك الإخوان المسلمين بنظام الحكم، قبل أن تُسقطهم ثورة الثلاثين من حزيران/ يونيو 2013، فتتخذ العلاقة بين السعودية وتركيا منحى دراماتيكياً، وما زاد الطين بلة هو الخلاف القطري ـ السعودي (2017)، حيث كانت تركيا في طليعة الدول التي آزرت قطر وأمنت لها ـ مع دول أخرى ـ القدرة على الصمود في مواجهة الحصار الخليجي.

في الأسابيع الأخيرة، وتحديداً بالتزامن مع وصول الرئيس الأميركي جو بايدن إلى البيت الأبيض، كثر الحديث عن مرحلة جديدة في العلاقات السعودية ـ التركية، فهل نحن على عتبة مصالحة حقيقية بين البلدين؟

يمكن لزائر الرياض أن يجزم بان العلاقات السعودية مع تركيا رجب طيب اردوغان لا يمكن ان تعود إلى وضعها الطبيعي، وذلك خلافاً لتوقعات مراقبين سياسيين، إرتكزوا في تقديراتهم إلى الرغبة التي ابداها وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو مطلع الشهر الحالي، وإلى إقدام تركيا على تأجيل محاكمة السعوديين الـ26 المتهمين باغتيال الصحافي السعودي جمال الخاشقجي بقنصلية بلاده في اسطنبول، كبادرة حسن نية من انقرة إزاء الرياض.

المؤشرات السعودية التي تصب في خانة عدم رغبة الرياض باستعادة العلاقات الطبيعية مع تركيا عديدة، وأبرزها إستمرار المواقف العدائية للاعلام السعودي تجاه تركيا. وهنا يلاحظ ان وسائل الاعلام السعودية أو المحسوبة على السعودية تستمر بإبراز الاخبار السلبية عن تركيا وحكومتها وسياسة التدخل التركي في العالم العربي لا سيما في كل من ليبيا وسوريا، وتتعمد القنوات الفضائية السعودية اجراء مقابلات مع معلقين سياسيين أتراك من المصنفين في خانة المعارضين للرئيس التركي وحزبه.

ويشكك الاعلام السعودي بخطاب النوايا الإيجابية الصادر عن المسؤولين الاتراك تجاه مصر لاستعادة العلاقات معها وأيضاً بالخطوات التي قررتها تركيا لكبح جماح المعارضة المصرية التي لجأت الى تركيا، في أعقاب سقوط نظام محمد مرسي، وبينهم ثلة من الصحافيين المصريين من الموالين لجماعة الاخوان المسلمين، وقد كتب الصحافي السعودي عبد الرحمن الراشد، قبل حوالي الأسبوع مقالاً مناهضاً للرئيس التركي بعنوان “هل استسلم اردوغان”، يؤكد فيه ان النظام التركي تعرض لمجموعة كبيرة من الخسائر قائلاً “ان الاتراك يريدون مصالحة جماعية”، ويعتبر ان تركيا “منهكة”، ويؤكد أن المحور التركي الإقليمي “خسر معاركه” (وهنا اشارة مبطنة إلى قطر) بخروج الإخوان من مصر ومحاصرة حركة النهضة في تونس وعجزه عن السيطرة على الشمال السوري وسقوط حليفه نظام (عمر) البشير في السودان، وضعف علاقته مع الإدارة الأميركية الجديدة.

ويطرح الراشد الذي يعبر عن رأي السعودية أسئلة مشككة بالرغبة التركية في المصالحة، ويسأل “هل هناك تغيير في سياسة اردوغان”؟، ويجيب على ذلك قائلاً “يجب ان لا نفرح كثيراً. الارجح انه مستمر كما عرفناه من عشر سنوات، وسيعاود خوض المعارك وربما في دروب مختلفة”.

البراغماتية السعودية مع الدوحة لا تنطبق على انقرة “لأن الأمور بين تركيا والسعودية اتخذت منحى شخصيا اكثر منه سياسيا”، على حد تعبير أحد السياسيين السعوديين المخضرمين

واكد سياسي سعودي مطلع في الرياض ان السعودية “لا ترغب بتطبيع علاقتها بالكامل مع تركيا اردوغان، أقله في المدى القريب”، ويضيف:”واهم من يعتقد انه من الممكن تطبيع العلاقات مع الرئيس التركي اردوغان وحزبه الحاكم حتى ولو ابدوا هم الرغبة في ذلك”.

ويرى السياسي السعودي المخضرم ان ذلك يعود بشكل اساسي للاتهامات التي وجهتها القيادة التركية للقيادة السعودية بالمسؤولية عن مقتل الخاشقجي والضجة التي اثارتها السلطات الرسمية ووسائل الاعلام التركية إزاء هذه القضية.

وتتبع القيادة السعودية الممثلة بولي العهد محمد بن سلمان سياسة براغماتية، فلا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة في السياسة “بل هناك مصالح”، وهذا ما ترجمته مصالحة الرياض للدوحة وتغاضي المملكة عن الشروط الثلاثة عشر التي كانت اشترطتها وحليفاتها الثلاث الاخرى الامارات ومصر والبحرين لفك الحصار واعادة العلاقات مع قطر. لكن يبدو ان البراغماتية السعودية مع الدوحة لا تنطبق على انقرة “لأن الأمور بين تركيا والسعودية اتخذت منحى شخصيا اكثر منه سياسيا”، على حد تعبير أحد السياسيين السعوديين المخضرمين. فقد إعتبر ولي العهد السعودي أن اردوغان وحزبه تعمدوا الاساءة شخصيا له بتحميله مسؤولية مقتل جمال الخاشقجي وانه اعطى الاوامر بذلك (تردد بعد إرتكاب الجريمة ان اردوغان رفض عرضاً من محمد بن سلمان، نقله خالد الفيصل ـ مستشار الملك وامير منطقة مكة ـ تُقدم بموجبه السعودية دعما مالياً مغرياً للاقتصاد التركي بمبلغ ملياري دولار اذا غضت السلطات التركية الطرف عن جريمة الخاشقجي “التي تمت عن طريق الخطأ”، وبالتالي تترك للقضاء السعودي وحده أن يحاكم المتهمين، كما جاء في العرض الذي حمله خالد الفيصل إلى الرئيس التركي).

إقرأ على موقع 180  "هآرتس": ترسانة صواريخ حزب الله الدقيقة تتصاعد

وما جعل القيادة السعودية تغضب اكثر هو ان السلطات التركية كانت تسرب مضمون التحقيق القضائي التركي إلى قناة “الجزيرة” التي تبنت قضية الخاشقجي وروجت لها عالمياً بسبب الازمة السعودية مع قطر، وهذا ما وفّر لقطر سلاحاً نوعياً في مواجهة المقاطعة السعودية للدوحة.

وما زاد من منسوب الغضب السعودي، هو التحالف العسكري التركي مع قطر واسراع اردوغان إلى ارسال تضم اكثر من ثلاثة الاف عسكري تركي لحماية دولة قطر من اي محاولة لغزوها عسكرياً، وهو المشروع الذي تردد أن السعودية والامارات كانتا تسعيان إليه بالاشتراك مع بعض افراد أسرة آل ثاني!

واذا كان البعض يرى في إعلان أردوغان شخصياً أن السعودية طلبت مؤخراً شراء مسيرات تركية (لإستخدامها في حرب اليمن) وتجاوبه سريعاً مع الطلب السعودي يشكل بادرة حسن نية، إلا ان بعض المراقبين المطلعين على الموقف السعودي  يرون ان الامر “لا يتعدى البزنس”.

هل ما يسري على السعودية ينطبق على الإمارات ومصر؟

من الواضح أن الإمارات بإعلانها عن وجود مؤشرات مشجعة لتطبيع علاقاتها بتركيا، إنما تسعى إلى إصابة أكثر من عصفور بحجر واحد. أما مصر فلا تربط موقفها بموقف هذه الدولة أو تلك. لذلك، من الممكن ان تتجاوب القاهرة مع الإشارات التركية الإيجابية، لكن ثمة خارطة طريق مصرية تتصل بملفات حيوية بينها قضية الإخوان المسلمين الذين يتخذون من أنقرة منبراً للتحريض ضد مصر، قضية الغاز في شرق المتوسط، الأزمة الليبية، وقضية سد النهضة.

وتقول مصادر دبلوماسية عربية انه برغم التحفظات السعودية والاماراتية التي نقلت للقاهرة الا ان القيادة المصرية ابلغت المعاتبين ان مصر ستختبر صدقية النوايا التركية، وبالفعل، بادرت انقرة إلى ترجمة نواياها بتسهيل الحل السياسي للازمة الليبية ولجم النشاطات المعادية للنظام المصري من قبل جماعة الاخوان المسلمين على الأراضي التركية.

وفي موازاة ذلك، بادرت القاهرة إلى اعادة تطبيع علاقاتها مع قطر وترافق ذلك مع وقف الحملات المعادية للقيادة المصرية في قناة “الجزيرة” وكل الاعلام المحسوب على قطر، فضلاً عن لجم نشاط جماعة الاخوان المسلمين ضد مصر، تطبيقا لاتفاق “العلا” للمصالحة الخليجية.

في المحصلة، كل دولة من دول التحالف الرباعي (السعودية والامارات ومصر والبحرين) تقدم مصالحها على ما عداها، فالسعودية ومصر اعادتا العلاقات مع قطر، في حين نرى ان الامارات والبحرين لم تعلنا عن اعادة العلاقات مع الدوحة بل تقاومان ذلك، برغم اتفاق المصالحة الخليجية. كما ان السعودية والإمارات قررتا خفض حالة العداء مع تركيا، من دون أن يعني ذلك الذهاب نحو مرحلة التطبيع الكامل، بينما تتجاوب مصر وبحذر شديد مع رغبة تركيا بفتح صفحة جديدة.

Print Friendly, PDF & Email
سليمان نمر

كاتب عربي متخصص بالشؤون الخليجية

Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
udemy paid course free download
إقرأ على موقع 180  لقاء بعبدا: عون ليس غارقاً حتى يحتاج للتعويم