صندوق النقد “يُعرّي” زعماء لبنان الطائفيين.. قبل فقرائه!

بدأت تتساقط أوهام زعماء لبنان. باتوا عاجزين عن الفكاك من فخ اتفاق صارم مع صندوق النقد الدولي. عوّلوا على قروض ومساعدات يتقاسمونها مثلما فعلوا منذ التسعينيات الماضي، فسقطت أجوبة الخارج هذه المرة على رؤوسهم كالصاعقة: فسدتم وأهدرتم وفشلتم في بناء دولة. جاء وقت الحساب!

يحلو لمعارضي اتفاق لبنان مع صندوق النقد الدولي التهويل بالويل والثبور وعظائم الأمور، متذرعين بحجة تجنيب الفقراء تجرع الكأس المرة. ويجتهدون في استحضار تجارب من حول العالم لتأكيد وجهات نظرهم التهويلية المحقة في جانب والمخطئة في آخر. لكن يفوتهم، على الدوام، أنهم بسردياتهم تلك يحمون الطبقة السياسية الفاسدة من حيث يدرون أو لا يدرون.

في العام الماضي، أفشل المتذاكون المفاوضات التي بدأتها حكومة حسان دياب مع الصندوق. دخل ممثلو “السلطة” على الخط وكلفوا انفسهم تجربة التفاوض بسذاجة سعياً للحصول على قروض من دون اصلاحات جذرية.. ففشلوا. ثم حاولوا وضع حاكم مصرف لبنان في الواجهة ليفاوض علّه يجد مخرجاً من وحي هندساته.. ففشل هو الآخر.

لم يسقط ما بيدهم بعد استناداً الى “بند سؤال سري” يتفق عليه معظم زعماء ائتلاف الطوائف مهما اختلفوا: “كيف نحصل على المال من دون فضح أنفسنا بالاصلاحات المطلوبة؟”.

***

عارضوا علناً قساوة تحرير سعر صرف الليرة وفق برنامج اصلاحي مع الصندوق. في حين انهم اطلقوا يد رياض سلامة سراً لادارة انهيار الليرة بطبع العملة بغزارة تاريخية غير مسبوقة. فزادت الكتلة النقدية 500 في المائة في سنة ونصف السنة بهدف توزيع خسائر على غيرهم  قبلهم.

كان الكلام يدور منذ سنة حول 4500 الى 5 آلاف ليرة لسعر الصرف الممكن مقابل الدولار، فاذا بهم اليوم يقبلون بـ 10 آلاف لسعر المنصة الموعودة وربما أكثر غداً، ضمن مخطط الامعان في التهرب من تحديد الحجم الفعلي للخسائر قبل تذويب جزء كبير منها على حساب اصحاب رواتب الليرة وودائع الدولار.

هل اقرار قانون عصري شفاف للشراء العام والمناقصات يمنع التلزيمات والمقاولات والتوريدات الفاسدة ضد الفقراء؟

في الموازاة، ميّعوا التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان لتأخير جردة حساب الخسائر وطمس معرفة امكان وجود فساد فيها من عدمه. منعوا اقرار قانون ضبط التحويلات (كابيتال كونترول) ليستمروا بصرف النفوذ المساعد في تهريب دولاراتهم خارج البلاد. ماطلوا في اقرار تشريعات خاصة باستعادة الاموال المكتسبة بطرق غير غير قانونية وتعديل قانون الاثراء غير المشروع. قاوموا رفع الحصانات عن كبار الموظفين والوزراء. تجاهلوا تطبيق قانون حق الوصول الى المعلومات، فضلاً عن عدم اطلاق هيئة مكافحة الفساد بصلاحيات واسعة، وحالوا دون تشكيل هيئة جدية ناظمة لقطاع الكهرباء بعيداً عن المحاصصة.

هل حموا الفقراء بأفعالهم تلك أم حموا أنفسهم؟

***

قال لهم الصندوق: “اعطوني برنامجاً اصلاحياً لأناقشه معكم”. وضع الصندوق، الى جانب التدقيق وضبط التحويلات وصرف الليرة، خطوط اصلاح عريضة سبق ونصح السلطات اللبنانية بها منذ سنوات طويلة. علما بأن بينها ما كان أقر في مؤتمرات باريس 1 و2 و3 وسيدر بين 2001 و2018، ولم تنفذ!

***

لذا، تكثر الأسئلة التي تطرح نفسها عما يفعلونه بحجة حماية الفقراء من بعبع الصندوق:

-هل منع التهرب الجمركي وضبط المعابر البرية والبحرية والجوية لمكافحة التهريب.. ضد الفقراء؟

-هل مكافحة التهرب الضريبي ضد الفقراء؟

-هل رفع تعرفة الكهرباء على الأكثر استهلاكاً وبقاء دعمها للأقل استهلاكاً ضد الفقراء؟

-هل اقرار قانون عصري شفاف للشراء العام والمناقصات يمنع التلزيمات والمقاولات والتوريدات الفاسدة ضد الفقراء؟

-هل زيادة جباية الدولة لايراداتها ضد الفقراء؟

هل تحميل كبار المودعين جزءاً من الخسائر ضد الفقراء؟

-هل تحصيل حقوق الدولة من المتعدين على أملاكها البحرية وغير البحرية ضد الفقراء؟

-هل تشريعات محاربة الفساد وفضح الاثراء غير المشروع وكشف ملكيات المسؤولين وذممهم المالية بشفافية.. ضد الفقراء؟

-هل دمج الصناديق والمجالس والهيئات الموزعة مزاريب طائفية ضد الفقراء؟

-هل اصلاح القضاء وتعزيز استقلاليته ضد الفقراء؟

-هل الاقلاع عن الممارسات السلبية للسرية المصرفية ضد الفقراء؟

-هل وقف الحشو الوظيفي واقرار قوانين تمنع التوظيف الا بامتحانات للكفاءة والنزاهة ضد الفقراء؟

-هل توحيد الصناديق الضامنة وحماية حقوق المضمونين ضد الفقراء؟

-هل طلب رسملة المصارف بالكامل (20 مليار دولار) ضد الفقراء؟

-هل تحميل كبار المودعين جزءاً من الخسائر ضد الفقراء؟

***

على المقلب الثاني، ماذا عن الشروط الأخرى التي يروّج المهوّلون أنها ضد الفقراء، لتبيان الخيط الأبيض من الأسود فيها؟

أولاً، في لبنان جيوش جرارة من الموظفين المدنيين والعسكريين. نسبتهم الى عدد السكان هي بين الأعلى عالمياً وانتاجيتهم بين الأدنى، وفقاً لمعظم التقارير الدولية والمحلية المتخصصة.

لا يقتصر الأمر في لبنان على موظفين “محميين” لا ينتجون او يفسدون فقط، بل هناك موظفون لا يداومون وبالآلاف. وإلى جانب الرواتب والرتب تشوهات تفضح اللامساواة والزبائنية. الأمر عينه ينسحب على انظمة التقاعد ونهاية الخدمة التي بعضها بين الاسخى عالمياً مقابل فتات لا يذكر للبعض الآخر.

معظم شروط صندوق النقد تعرّي السياسيين وزعماء طوائف لبنان قبل فقرائه. وما ممانعتهم للتسويات الا من ضروب تأجيل الاستحقاقات الصعبة على الطريقة اللبنانية التي يستمرئ البعض اعادة تجريبها برغم وقاحتها

على أي حال، اذا كان صندوق النقد يطالب بتحجيم القطاع العام ولجم فاتورة الأجور المرهقة للميزانية وتقنين الامتيازات واصلاح التشوهات، واذا كان ذلك سيصيب الفقراء لا محالة.. فرب ضارة نافعة بعدما فقدت الليرة 85 إلى 90 في المائة من قيمتها، وأضحت تلك الفاتورة زهيدة لا بل أبرزت الحاجة العاجلة إلى تصحيح الأجور بعدما التهم التضخم أخضر الرواتب بعد يابسها.

إقرأ على موقع 180  لا الصاروخ ولا القنبلة.. إنها المفاتيح يا عزيزي جو!

 مع هذا الوضع المتردي المستجد، يمكن بسهولة تأجيل اجراء اصلاح في هذا المجال ومعاندة الصندوق مرحلياً في هذا البند الحيوي، ريثما تتحسن الأوضاع عاجلاً أم آجلاً، على أن تضبط فاتورة القطاع العام ذات الصلة لاحقاً.

ثانياً، بشأن الدعم، ليس سراً ان صندوق النقد يحث السلطات على الغائه او ترشيده، مثل التعرفة المدعومة للكهرباء وأسعار المحروقات. وقد يكون ذلك ضد الفقراء في مطرح من مطارح جيوبهم الخاوية. لكن تجربة الدعم المشوهة القائمة منذ عقود اقنعت المعنيين انها عبثية وتهدر المليارات، وهي قناعة تلتقي مع مطالب الصندوق، الذي لا يعارض حصر الدعم بالأكثر حاجة إليه أو توزيع بطاقات تمويلية على الأسر الفقيرة.

ثالثاً، على صعيد الموازنة العامة، يطلب الصندوق تقشفاً لا يتحمله لبنان المنهار مالياً والساعي بصعوبة شديدة لتحقيق نمو اقتصادي. وهنا تتجلى اهمية التفاوض الصلب مع الصندوق للحؤول دون هذا الشرط الذي قد يدفع ثمنه الفقراء. ربما يكون أحد المخارج من اموال “سيدر” البالغة نحو 11 مليار دولار والمخصصة للاستثمارات الداعمة للنمو والخالقة لفرص العمل.

رابعاً، اما على الجانب الليبرالي المثير للجدل في مطالب الصندوق وابرزها تحرير بعض القطاعات العامة مثل الاتصالات والكهرباء والموانئ.. مع ما يعني ذلك من خيارات خصخصة او شراكات بين القطاعين العام او الخاص، فالمخاوف مشروعة في بلد مثل لبنان تذهب فيه تلك المرافق تاريخياً الى اصحاب الرساميل والمقاولين والتجار المتحالفين مع زعماء الطوائف والمحظيين بحمايات سياسية على قاعدة “نربح معاً”.

إلى ذلك، ليس منصوحاً الآن (وربما بعد سنة أو أكثر) التخصيص لأن أسعار الأصول في أدنى مستوياتها. فطرح أي مرفق للبيع حالياً سيلتهمه من هرّب أمواله الى الخارج حتى يشتريه بـ”تراب المصاري” فتعود الاحتكارات الخانقة للفقراء بأبشع صورها.

خامساً، يطلب الصندوق زيادة الضرائب والرسوم لتعزيز الايرادات العامة وخفض عجز الموازنة. وهنا ايضاً تتبدى ضرورة تجنيب الفقراء تلك الأعباء ليحملها الأكثر قدرة في الدخل والثروة.

فصندوق النقد سيمنح لبنان قروضاً يريد استعادتها، ومن حقه فرض شروط نقبل ببعضها، ونرفض بعضها الآخر بشرط ايجاد بدائل تزيد الايراد العام وتخفض عجز الموازنة وصولاً الى تحقيق فائض أولي في الموازنة  نسد منه القروض التي ستتراكم على كاهل اللبنانيين. ومن ليس قادراً منهم على التضحيات ينصح الصندوق، لا بل يدعم،  تخصيص الموارد له ضمن شبكة حماية اجتماعية تقيه شر العوز بانتظار ايام افضل منعاً للتدهور الاجتماعي المقوّض للاصلاح الاقتصادي والمالي.

***

خلاصة القول ان معظم شروط صندوق النقد تعرّي السياسيين وزعماء طوائف لبنان قبل فقرائه. وما ممانعتهم للتسويات الا من ضروب تأجيل الاستحقاقات الصعبة على الطريقة اللبنانية التي يستمرئ البعض اعادة تجريبها برغم وقاحتها باستخدام ورقة ابتزاز يلوّحون بها ضمناً بوجه المجتمع الدولي، مفادها “ادركونا بالمال قبل ان نقتل بعضنا البعض ونطرطشكم دماً”! أجل، هذا هو المخطط الجهنمي “باء” اذا فشل المخطط التسووي “ألف”.

Print Friendly, PDF & Email
منير يونس

صحافي وكاتب لبناني

Download Nulled WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
udemy course download free
إقرأ على موقع 180  إنه النظام.. وليس قانون الإنتخاب