السويس بين الهندي والهادئ.. قدر الجغرافيا والصراعات الجيوسياسية

في مقال بعنوان "There Is No Indo-Pacific Without Egypt and the Suez Canal"، يشير محمد سليمان الباحث غير المقيم في معهد الشرق الأوسط، إلى أهمية مصر وقناة السويس كنقطة عبور استراتيجية رئيسية للتجارة والأمن البحري، حيث تعتبر قناة السويس أساسية لالتزام الغرب بـ"منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة والآمنة والمزدهرة".

بدأ العالم يخرج ببطء من ملحمة قناة السويس، حيث علقت سفينة إيفرغيفن في الممر الجنوبي الضيق للقناة لمدة ستة أيام، ما عطل التجارة العالمية في وقت يشهد العالم تعافيًا اقتصاديًا بالغ الأهمية.
وعلى غرار مضيق ملقا، يشير الباحث محمد سليمان، الى أن قناة السويس هي نقطة عبور تتعامل مع 12% من التجارة العالمية، و 10% من النفط العالمي، و 8% من تدفقات الغاز الطبيعي المسال العالمي.
كان تعطيل عبور السفن بطول القناة يشكل خسارة للتجارة الدولية بقيمة 9.6 مليارات دولار/يوميًا. كان لهذا وقع الصدمة عبر العالم، ما أثار مناقشات هائلة حول مرونة سلسلة التوريد، ونبّه الاستراتيجيين في الغرب لما يمكن أن يحدث إذا تصاعد الصراع في آسيا وأغلق مضيق ملقا.

المحيطان الهندي والهادئ من دون قناة السويس!

يتجاهل الاستراتيجيون الذين يقفون وراء محور واشنطن في آسيا، وميل لندن إلى المحيطين الهندي والهادئ، ووجهات نظر باريس وبرلين الإستراتيجية حول المحيطين الهندي والهادئ، مركزية قناة السويس لاستراتيجياتهم. دلل سليمان على مركزية القناة بحديث لمستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، عندما قال: “حادثة قناة السويس، لا تتعلق بالجغرافيا فحسب، بل تتعلق أيضًا بالمخاطر السياسية الأوسع نطاقًا التي تواجه التجارة العالمية اليوم، بدءًا من سفينة عالقة واحدة في السويس إلى مواجهة التحدي السياسي والعسكري والاقتصادي الهائل للصين”، أي إن دمج القناة في استراتيجيات القوى الغربية تجاه المحيطين الهندي والهادئ ليس ترفاً، بل ضرورة في زمن تنافس القوى العظمى.

السويس والأولويات العسكرية للغرب

بالإضافة إلى الأهمية التجارية، تعد قناة السويس حجر الزاوية الجيوستراتيجي للاستراتيجية العسكرية الأميركية في البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي. بفضل التعاون العسكري مع مصر، تستفيد الولايات المتحدة من معاملة تفضيلية تحصل فيها السفن البحرية في البلاد على أولوية المرور في قناة السويس، وتجنب وقت انتظار طويل في البحر الأبيض المتوسط أو البحر الأحمر. بعد الإغلاق الذي فُرض الشهر الماضي، عرضت البحرية الأميركية مساعدة السلطات المصرية على إعادة تعويم سفينة Ever Given، وفي النهاية، نجحت مصر في إعادة تعويم السفينة العملاقة بمفردها قبل وصول المساعدة.
مع زيادة التركيز على المحيطين الهندي والهادئ، ووجود تحالف أوسع بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشأن الصين، ستلعب قناة السويس دورًا مهمًا آخر في عبور السفن البحرية الأميركية والأوروبية من البحر الأبيض المتوسط إلى مسرح المحيطين الهندي والهادئ. بعد إعادة تعويم السفينة، قال الأدميرال جون كيربي، مساعد وزير الدفاع الأميركي للشؤون العامة: “لن أذهب إلى حد القول إن إغلاق قناة السويس قد جعلنا نعيد التفكير في أي شيء حول وضعنا في الشرق الأوسط أو كيف نلبي متطلبات المهمة، ومصالح أمننا القومي هناك”.

مصر مُشغل وليست شريكاً

صاحبة السيادة على القناة، مصر، هي واحدة من 18 دولة حليفة من خارج الناتو للولايات المتحدة، وهي قائمة تضم أستراليا وإسرائيل واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان والبرازيل وسنغافورة. ومع ذلك، منذ نهاية الحرب الباردة ، كان يُنظر إلى القاهرة في المقام الأول على أنها مشغل محلي للممر المائي الدولي، بدلاً من كونها شريكًا استراتيجيًا يحتاج إلى التكيف والاندماج في رؤية جيوستراتيجية وجغرافية اقتصادية أوسع.
دفع استبعاد مصر من هذا النظام، وحاجتها الماسة للتنمية الاقتصادية، إلى أن تتطلع القاهرة شرقاً نحو بكين.

مسيرة غرب الصين إلى السويس

لقد أدركت بكين منذ فترة طويلة أهمية قناة السويس. كرد فعل على “محور أميركا تجاه آسيا”، بدأت الصين “مسيرة الغرب” الخاصة بها، وهي استراتيجية للسياسة الخارجية لتحويل الانتباه نحو المناطق التي يبدو أن الولايات المتحدة تنحرف عنها بعيدًا – مثل الشرق الأوسط.
وتقع قناة السويس في قلب رؤية الصين، فالقناة هي الطريق التجاري الرئيسي الذي يربط المنتجين في الصين والاقتصادات الآسيوية الأخرى بأكبر قواعد المستهلكين في أوروبا. ولا يثير الدهشة أن بكين هي أكبر مستثمر في مشروع القاهرة التاريخي “مشروع تنمية ممر قناة السويس”، والذي يهدف إلى تحويل منطقة السويس إلى مركز لوجستي وصناعي للأسواق المجاورة في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.

مركزية قناة السويس في التجارة العالمية وتدفق الطاقة، وترابطها بين أوروبا وآسيا، يجعلانها عنصرًا لا غنى عنه في أي نهج عالمي تجاه المحيطين الهندي والهادئ

أمن ملقا يرتبط بقناة السويس

يشير سليمان إلى الإجماع الناشئ في واشنطن بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول الحاجة إلى احتواء صعود الصين. وتعد المجموعة الرباعية أساسية لإعادة التموضع الاستراتيجي للولايات المتحدة تجاه بكين. وتلتزم الولايات المتحدة والدول الثلاث الأخرى في الحوار – أستراليا والهند واليابان – بـ “منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة والآمنة والمزدهرة” من خلال ضمان الأمن البحري وحرية الملاحة في المنطقة بموجب القانون الدولي، أي أن تضمين قناة السويس داخل المفهوم الناشئ لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ يبنى على وجهة نظر فرنسية وهندية قائمة عن المحيطين الهندي والهادئ باعتبارهما المنطقة الواقعة بين شواطئ شرق إفريقيا وأمبركا الغربية.
مركزية قناة السويس في التجارة العالمية وتدفق الطاقة، وترابطها بين أوروبا وآسيا، يجعلانها عنصرًا لا غنى عنه في أي نهج عالمي تجاه المحيطين الهندي والهادئ.

إقرأ على موقع 180  أحزاب لبنان في مهبّ رياح الثورة

من قناة السويس إلى المحيطين الهندي والهادئ

يجب على الغرب أن يغازل مصر وأن يدمجها في رؤيتها لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ. ويجب على الولايات المتحدة وحلفائها اتباع استراتيجية ذات مسارين مع مصر – التنمية والأمن. الآن، مصر دولة سريعة النمو، ويزيد عدد سكانها عن 100 مليون نسمة. لذا فمساعدة مصر على صعود سلم التنمية هو أساس شراكة جديدة بين الغرب ومصر في عصر تنافس القوى العظمى.
التجارة هي إحدى الأدوات الرئيسية في فن الإدارة الاقتصادية التي يمكن لواشنطن أن تستفيد منها لمغازلة مصر. يشير سليمان الى تفاوض واشنطن والقاهرة على اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة ومصر منذ سنوات. في الوقت الذي تمر فيه واشنطن بنقلة نوعية في التجارة، يجب أن يكون إبرام الصفقة مع مصر حجر الزاوية في رؤيتها الخاصة في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وستسمح اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة ومصر بدمج القاهرة بشكل أعمق في النظام الذي تقوده الولايات المتحدة من خلال “الاستثمار وحقوق العمال والأثر البيئي والإصلاح القضائي وحقوق الملكية الفكرية”.
تحتاج واشنطن إلى تغيير المنظور الذي تنظر من خلاله إلى مصر. منذ عام 1978، استثمرت واشنطن في مصر أكثر من 80 مليار دولار في المساعدات العسكرية والاقتصادية، ولدى الجيشين علاقات مؤسسية تم تطويرها على مدى العقود الأربعة. ومع ذلك، بموجب التزام الولايات المتحدة بالتميز العسكري النوعي لإسرائيل (QME)، مُنعت مصر من الوصول إلى المعدات العسكرية التي تشتد الحاجة إليها مثل مقاتلات F-15 Eagle و F-35 الشبح لتلبية احتياجات القاهرة الإقليمية في البحر المتوسط وشمال إفريقيا والبحر الأحمر والقرن الأفريقي.
وأثناء الاضطرابات السياسية في عام 2013، وبينما كانت مصر تُحارب الإرهاب في شمال سيناء، أوقفت واشنطن تسليم الطوافات الهجومية من طراز F-16 Falcons وApache، وقطعت جزءًا من المساعدة العسكرية، وألغت “النجم الساطع” وهي مناورة عسكرية مصرية -أميركية مشتركة. الآن، القاهرة لم تعد تثق بواشنطن، بسبب ترددها، ولذلك فهي تسعى الى استقلال ذاتي استراتيجي يتمحور حول تنويع موردي الأسلحة والشركاء الأمنيين الذين يشملون أوروبا وروسيا والصين. ستحتاج الولايات المتحدة إلى نهج استراتيجي وعسكري أكثر شمولاً وتماسكًا تجاه مصر يلبي الاحتياجات الاستراتيجية للقاهرة، لا سيما في ظل نظام متعدد الأقطاب متنامٍ.
تمثل منطقة المحيطين الهندي والهادئ نظامًا جيو-اقتصاديًا ناشئًا يتمحور حول التدفق الحر والآمن للتجارة بين الغرب وآسيا. تعتبر قناة السويس، نقطة العبور الاستراتيجية الرئيسية لهذه التجارة والأمن البحري، وهي نقطة أساسية لالتزام الغرب بـ “منطقة المحيطين الهندي والهادئ الحرة والمفتوحة والآمنة والمزدهرة”.
الجغرافيا قدر، ولا يمكن فصل قناة السويس عن المحيطين الهندي والهادئ.

Print Friendly, PDF & Email
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
online free course
إقرأ على موقع 180  لا تجعلوه "كبش فداء" جرائمكم!