نداءٌ إلى القادةِ المسيحيّين: احملوا، أنتمْ، مشروعَ المواطنة!

بدلَ أن يحملَ القادةُ المسيحيّون في لبنان، ومعهم النّخب المسيحيّة، مشروعَ المواطنة، ويكونوا منه بمقام الرّوّاد، نراهم ـ في الأعمّ الأغلب - يضيعون وقت جماهيرهم ووقتَ المواطن اللّبناني حاليّاً من خلال الآتي:
  • التّرويج لمنطق الخوف “الأقلّوي” (وتلك فئة وخطاب لا ينفعُ معهما النّقاش السّياسي.. والله أعلم)؛
  • المرابطة خلف النّظام الطّائفي الحالي، والوقوف أمام أيّ توجّه حقيقي لتغييره أو إصلاحه (وتدعمهم في ذلك، للأسف، الأغلبيّة داخل الكنيسة المارونيّة)؛
  • الاستغراق في حسابات شخصيّة وانتخابيّة قصيرة الأمد (كما يحصلُ، مثلاً لا حصراً، في قضيّة تبني أو رفض ترشيح سليمان فرنجيّة)؛
  • صرف الطّاقة الذّهنيّة وغيرها في سبيل الدّفاع عن أفكار تقسيميّة وانزوائيّة ظاهرة أو باطنة (ومنها الخرائط الفيدراليّة العجيبة، ذات النّقاط الحاملة لألوان قوس قُزح أكثر من النّقاط القابلة للتّنفيذ على أرض الواقع).

الطّريق العاقل والموضوعي والإنساني الوحيد لإنقاذ هذا الوطن ـ كما سبق وردّدنا وردّد الكثيرونَ قبلنا وبعدنا ـ هو طريق مشروع المواطنة، ولو بشكل مدروس وتدريجي. قد يستفزّنا جميعاً ترداد هذه العبارات من قبل بعض رموز الطّبقة المسيطِرة على البلد (سلطةً ومالاً)، ولكنّ الحقيقة لا تخرج حصراً من أفواه من يلتزم بها قولاً وفعلاً. إنّما ذلكم من حِكَمِ الله في خلْقه: أن يكونَ بينهم أهلُ صدقٍ وإخلاص، وأن يكون بينهم الكاذب.. وأن يكون بينهم المنافقون.

لماذا مخاطبة القيادات “المسيحيّة” تحديداً؟

لا لشأنٍ طائفيٍّ ولا لغايةٍ سياسيّةٍ ضيّقةٍ لا سمحَ الله، وإنّما لحقيقةٍ نراها ماثلةً أمام أعيننا: وهي التكيّف النّسبي ـ الأشدّ قوّة ـ للمجتمع المسيحي اللّبناني مع المفاهيم والتّوجهات الحداثيّة (وما-بعد-الحداثيّة)، وذلك لأسباب تاريخيّة وتربويّة وتنمويّة معروفة (قد يكون عمرها يفوق القرنَين الإثنَين عدّاً). بالطّبع، إنّ التكيّفَ هذا “نسبيّ” كما أشرنا، وهو متأثّرٌ – لا شكّ – بعقود طويلة من الانفتاح على النّهضة (أو “النّهضات”) التي حصلت في الغرب.

إنّه فارق نسبيّ، لأنّ المشكلة اللّبنانيّة عميقة وعابرة للطّوائف.. ولكنّه موجودٌ وواقعٌ وعلينا ألّا نختبئ وراء أصابعنا المعدودة.

“كُنْ للزّعيمِ نصيراً.. جارَ أو عدَلا”!

المجتمعات اللّبنانيّة، وفي الأعمّ الأغلب، متأخّرة عن مفهوم المواطنة. نحنُ أمام مشكلة عميقة لها أسباب متعدّدة، ومنها الاضطرار المادّي إلى الزّعامات والأحزاب، ومنها الاضطرار الأمني، ومنها أيضاً الشّعور الطّائفي. لكنّ لبّ المشكلة يكمن في التّخلّف الثّقافي: هل ينصرُ الظّالمَ والمستأثرَ بالسّلطة والمال.. إلّا من عنده مشكلة ثقافيّة خطيرة؟

فكأنّكَ بأغلبِ أهلِ لبنانَ يسيرون على قول الشّاعر العربيّ ذي السّليقة:

كُنْ للخليلِ نصيراً، جارَ أو عدَلاْ

ولا تشُحَّ عليهِ، جادَ أو بَخلاْ

أو على قول شاعرٍ فصيحٍ مصيبٍ آخر:

وإذاْ أقلَّ ليَ البخيلُ، عذرْتُهُ

إنَّ القليلَ من البخيلِ.. كثيرُ!

فهناك من يأخذ منك قرارك، ويستأثر وحاشيته (وعائلته) بالمال والسّلطات جميعها.. ويُبقي لك اللّمم، وأنتَ تسكتُ عنهُ وترضى؟ في الحقيقة، لسنا من أتباع الرأي الذي يقول بالتّخلّف الثّقافي حصراً، وإنّما نعتقدُ أيضاً بنظريّة الضّرورة والاضطرار: فكثيرٌ من النّاس يسكتُ حفاظاً على أمنه الخاص، وحفاظاً على لقمة عيشه (في ظلّ ضعف الدّولة وترهّلها).

ما سبقَ يصفُ حالَ أغلب اللّبنانيّين للأسف، بمختلف طوائفهم ومذاهبهم ومناطقهم. ولكنّ المجتمع المسيحي يتضمّنُ مع ذلك نوعاً من “الرّأي العام” – النّسبي أيضاً: نسبيّ، ولكنّه موجود وواقع.. ويُعوَّلُ عليه أحياناً. فالسّياسي والقائد المسيحي يخاف من “الرّأي العام” الخاص بطائفته وبيئته، أكثر من خوف السّياسي والقائد المسلم (نسبيّاً أيضاً).

في الخلاصة: نعم، يوجدُ في الجوّ المسيحي نوعٌ من الرّأي العام، وقد يتغيّر توجُّهه و/أو مزاجه بين مرحلة وأخرى، وهو قد يحاسب قادته على خياراتهم وتحالفاتهم ووعودهم.

وبدلَ أن تكونَ النّخبةُ داخل هذه البيئة في طليعة الدّاعين إلى تكريس دولة المواطنة (ولو تدريجيّاً).. نرى أنّ هناك منهم من يحاول إقناع النّاس بإبقاء النّظام هذا: كما هو. هل من عاقلٍ يقتنعُ بعدُ بإمكانية عيشِ نظامٍ طائفي – تحاصصي كهذا؟ لقد ظهرت عند الجميع حقيقةُ تهافتهِ وفشلهِ: نظريّاً وأخلاقيّاً وعمليّاً.. ومن يحاول الدّفاعَ أو الدفع عكسِ ذلك إنّما يسخر من عقول اللّبنانيّين ومن ضمائرهم ومن كرامتهم ومن مستقبلهم.

الاتجاهُ الصّحيحُ إذن، هو صوب دولة مواطنة مدنيّة وعصريّة في لبنان. إنّ في ذلكَ وحدهُ حمايةً حقيقيّةً للمسيحيّين (ولغيرهم من اللّبنانيّين)، وحفاظاً حقيقيّاً على وجودهم وحقوقهم (وحقوق غيرهم) في لبنان وفي المشرق

لماذا المواطن وبالتّدريج؟

سبقَ وأشرنا، في مقالاتٍ سابقة إلى أنّ النّظام السّياسي الوحيد الذي يمكن أن يستمرّ ـ مع تأمينِ حدٍّ أدنى من الكرامة والرّفاهية للفرد ـ هو نظامٌ يشعرُ فيه هذا الأخير أنّه “فردٌ” إنسانٌ ومحترمٌ ومتساوٍ في الحقوق والواجبات مع “الأفراد” الآخرين. يرتقي الفرد السّليم في المجتمع السّليم على أساس جهده وكفاءته، لا على أساس انتمائه ـ بالولادة غالباً ـ إلى مذهبٍ و/أو دينٍ ما، أو، إلى جماعةٍ قبليّةٍ و/أو إثنيّةٍ ما.

إقرأ على موقع 180  رؤية إسرائيلية لما بعد كورونا: ترامب مُهدد والتصعيد الإقليمي مستبعد

لقد وصلت البشريّة إلى هذه النّتيجة من خلال التّفكير ومن خلال التّجربة الحيّة والواقعيّة. وتجربتنا في لبنان تدعّم هذه النّتيجة الكونيّة أصلاً:

-إنّ نظامنا الحالي ـ الطّائفي – التّحاصصي ـ يقتلُ “الفرد-المواطن” ويُسمّم المجتمع، ويجعل من الدّولة شبه جثّة على الدّوام.

-كلّ طريقٍ لا توصل إلى المواطنة فيها مضيعةٌ لوقت اللّبنانيّين (وخصوصاً منهم: المسيحيّين كما أشرنا).

-لسنا شعوباً متعدّدة ولا حضاراتٍ مختلفة: علينا التّوقّف عن بثّ ذلك الخطاب المسموم. من يشتركون بالبيئة الجغرافيّة-الطّبيعيّة وباللّغات وبأغلب محطّات التّاريخ.. ليسوا شعوباً متعدّدة! إنّها فكرة سامّة ومسمومة ما يزال البعضُ يروّج لها، خصوصاً في بعض الأوساط المسيحيّة. وقد دعونا في مقالة سابقة من هذه السّنة، ذي جزأين، إلى العودة لأبحاث أنطون سعاده الثّمينة حول البيئة الاجتماعيّة والهويّة القوميّة. نقولها مجدّداً: اتركوا الآن “سورية الطّبيعيّة” جانباً، وركّزوا على “القوميّة الاجتماعيّة” عند سعاده.

أمّا الأفكار الفيدراليّة، فقد سبق وأشرنا إلى عدم واقعيّتها عموماً (ولسنا بصدد رفضٍ مطلقٍ لمجرّد الرّفض كما سبق وأشرنا أيضاً). أوّلاً، لأنّ التّداخل السّكّاني الحالي يجعل من الفيدراليّة الطّائفيّة بالذّات (على أنواعها) فكرة شبه مستحيلة: لو أنّ البعض يركّز على طروحات فيدراليّة جغرافيّة ـ غير طائفيّة ـ حصراً، لكان أصحّ وأَولى. أمّا الخرائط المقترحة حاليّاً، فهي غير واقعيّة من جهة (أقلّه: صعبة التّطبيق إلى حدّ بعيد)، ومن جهة ثانية، فهي تشي – في بعض الأحيان – بأهداف انفصاليّة مبطّنة (ولكنّها سهلة الاستقراء والاستنتاج في أغلب الأحيان).

ثمّ إنّ الطّروحات الفيدراليّة، ثانياً، سوف تُرفض على الأرجح لأسباب إقليميّة وجيو-سياسيّة واضحة: من سيخاطر بعدُ بإنشاء كيانات (أو شبه-كيانات) طائفيّة صغيرة، تعبثُ من خلالها الدّول الاستعماريّة المعتادة، وتقسّم وتزرع الفتن وعدم الاستقرار؟ هل ينقصنا ذلك في هذه المنطقة؟ ثم إذا صارت وحدة كل من سوريا والعراق خارج النقاش، ماذا يفيد أن يستمر البعض بطرح الفيدرالية في لبنان؟

الاتجاهُ الصّحيحُ إذن، هو صوب دولة مواطنة مدنيّة وعصريّة في لبنان. إنّ في ذلكَ وحدهُ حمايةً حقيقيّةً للمسيحيّين (ولغيرهم من اللّبنانيّين)، وحفاظاً حقيقيّاً على وجودهم وحقوقهم (وحقوق غيرهم) في لبنان وفي المشرق. لكنّ السّير في هذه الطّريق لا بدّ وأن يكونَ عقلانيّاً ومدروساً وتدريجيّاً، وذلك بسبب طبيعة التّعقيدات السّياسيّة اليوميّة في لبنان.

هل من رجلِ دولةٍ واحد؟

من يَصدقُ اللّبنانيّين النّيّةَ والقولَ والفعلَ: عليهِ أن يقومَ بخطوات عمليّة لإصلاح النّظام اللّبناني والسّير به نحو دولة المواطنة، المدنيّة والعصريّة. فمن السّهل جدّاً التحجّجُ بأنّ “حزب الله” لا يريد بناء الدّولة (وله حصّته من النّقد الإيجابي والصّادق والمُحِب طبعاً).. لكن، من يمنعُ القادة المسيحيّين عن أن يقوموا ـ بلا “حزب الله” يا سيدي ـ بخطوات صادقة وجريئة لفتح الباب أمام الإصلاح الجذري ـ لكن ـ التّدريجي لهذا النّظام المهترئ وذي الصّلاحية المنتهية؟

من يمنعُ هؤلاء، وغيرهم، عن أن يظهروا ـ بصدقٍ ـ في مظهر رجال الدّولة.. ولو لمرّةٍ واحدة، وللتّاريخ؟

لهؤلاء نقول: أقدموا.. وستجدون كل اللبنانيين معكم.

Print Friendly, PDF & Email
مالك أبو حمدان

خبير ومدير مالي، باحث في الدراسات الإسلامية، لبنان

Download Premium WordPress Themes Free
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  طلال سلمان.. بدايات مفتوحة ونهايات محسوبة