جنيف بايدن وبوتين في مرآة جنيف ريغان وغورباتشوف
(Original Caption) Gorbachev and Reagan together during Summit.

قد لا تأتي قمة جنيف بين الرئيسين جو بايدن وفلاديمير بوتين في 16 حزيران/ يونيو المقبل، بحلول للكم الهائل من المشاكل المتراكمة بين الولايات المتحدة وروسيا، من دون أن يقلّل ذلك من أهمية المحاولة على الأقل من الجانبين تنظيم الخلافات ووقف التدهور بين أقوى دولتين نوويتين في العالم.     

إختار جو بايدن أن تأتي قمة جنيف في رحلته الخارجية الأولى منذ تسلمه الرئاسة في العشرين من كانون الثاني/ يناير، وأن تعقب قمة مجموعة الدول الصناعية السبع في لندن، وبعد قمة لحلف شمال الأطلسي في بروكسيل، أي أن الرئيس الأميركي لن يكون وحيداً في جنيف، بل سيكون متسلحاً برمزيتين، إقتصادية بما تمثله مجموعة السبع، وعسكرية بما يمثله حلف الناتو.

وفور الإعلان عن مكان القمة، أعيدت إلى الأذهان قمة الرئيس الأميركي رونالد ريغان وآخر الزعماء السوفيات ميخائيل غورباتشوف عام 1985 في جنيف، والتي كانت فاتحة تعاون بين الزعيمين ونجحت في تخفيف التوترات بين “القوتين العظميين” كما كان يطلق على الولايات المتحدة والإتحاد السوفياتي، قبل أن يتفكك الإتحاد بعد ستة أعوام وتتكرس أميركا القوة العظمى الوحيدة في العالم.

ما سبق يقودنا إلى عبارة لافتة للإنتباه وردت في بيان الكرملين عن القمة، تنطوي على حنين دائم إلى المكانة العظمى التي كانت عليها روسيا، إذ قال إن المباحثات في جنيف ستتناول كيفية تحقيق “الإستقرار الإستراتيجي” في العالم، بينما أوجز البيت الأبيض في بيانه قدر الإمكان ليكتفي بالقول إن “القضايا الملحة” هي التي فرضت إنعقاد القمة، التي ستناقش كيفية تحقيق “الإستقرار” في العلاقات الأميركية-الروسية.

و”القضايا الملحة” في نظر الإدارة الأميركية هي تلك التي ذات وقع لا يمكن تأجيله، من الإنسحاب الأميركي من أفغانستان والدور الروسي في مرحلة ما بعد هذا الإنسحاب، مع شبه تسليم دولي بأن مسألة إستيلاء “طالبان” على السلطة هي مسألة وقت، فأوستراليا مثلاً أقفلت سفارتها في كابول وبريطانيا خفّضت بعثتها وأميركا أجلت جزءاً من المترجمين الأفغان ومنحتهم الجنسية الأميركية. وبايدن يهمه أن يعرف موقف روسيا غير البعيدة عن الحدود الأفغانية، في ضوء الإنسحاب الأميركي.

الفارق بين بايدن وبوتين، هو أن الرئيس الأميركي يأتي إلى القمة وكل الأنظار في الداخل مسلطة عليه، بينما يذهب بوتين إلى جنيف وكأنه حقّق هدفاً طالما سعى إليه ألا وهو كسب الإحترام لروسيا على المسرح الدولي، وفق ما جاء في تقويم لصحيفة “نيويورك تايمز” للقمة المزمعة

ومن القضايا التي تكتسب صفة الإلحاح، الإتفاق النووي الإيراني لعام 2015 والعودة الأميركية المرتقبة إلى هذا الإتفاق، وهي من أولويات إدارة بايدن. كذلك وقف حرب اليمن، وكيف يمكن أن تكون روسيا عاملاً مساعداً في هذا المجال، وهي التي تتمتع بعلاقات متوازنة مع أطراف الصراع. وهناك القضية الفلسطينية التي دفعتها الحرب على غزة إلى الواجهة من خارج جدول الأعمال الأميركي.

وتبقى الأزمة السورية، من الملفات العالقة بين واشنطن وموسكو. وبإستثناء التنسيق العسكري على الأرض لمنع التصادم بين الجيشين الأميركي والروسي، تبدو الجبهة الديبلوماسية راكدة، في إنتظار تفاهم أميركي – روسي على حل سياسي من خارج كل السياقات المعمول بها حتى الآن. فهل تنهج أميركا سياسة أكثر واقعية من تلك التي إعتمدها باراك أوباما ودونالد ترامب، أم تبقى متسلحة بمواقف ليس من شأنها سوى إطالة عمر الأزمة؟ الأنظار تتسمر هنا على ما بعد جنيف.

وصفة الإلحاح تنطبق أيضاً على أوكرانيا، التي كادت تشهد في نيسان/ أبريل الماضي حرباً كان يمكن أن تقود إلى مواجهة مباشرة بين روسيا وحلف شمال الأطلسي. أوكرانيا من الخطوط الحمر التي رسمها بوتين أمام الغرب، وبعث برسالة حازمة عبر حشد أكثر من 150 ألف جندي على الحدود الأوكرانية، وزاد إصرار كييف على الإلتحاق بحلف شمال الأطلسي لتوفير حماية ضد “غزو” روسي محتمل، على غرار ما حصل في القرم عام 2014، لكن هذه المرة ستكون مساحته أوسع.

وإلى العلاقات الثنائية، لا يزال ملف مراقبة الأسلحة الإستراتيجية والإنسحاب الأميركي من معاهدة السماوات المفتوحة، من القضايا التي تستوجب تعاوناً أميركياً – روسياً، مثلما هو شأن المناخ ومكافحة وباء كورونا.

ومع ذلك، يذهب بايدن إلى القمة وفي ذهنه أن روسيا هي “التهديد الأخطر” على الأمن القومي الأميركي، ويحمل في جيبه مضبطة اتهامات، تبدأ من التدخل في الإنتخابات الرئاسية الاميركية عامي 2016 و2020، ولا تنتهي عند الهجوم السيبراني على شركة “سولارويندز” العام الماضي وعلى خط أنابيب رئيسي للنفط الأميركي هذا الشهر، إلى سجن المعارض الروسي أليكسي نافالني، إلى الوقوف وراء بيلاروسيا في إعتراضها طائرة تابعة لشركة الخطوط الجوية الإيرلندية “ريان إير” هذا الأسبوع من أجل إعتقال صحافي معارض.

وفي أذار/ مارس الماضي، لم يتوانَ بايدن في مقابلة مع شبكة التلفزة الأميركية “أي بي سي”، عن وصف بوتين بـ”القاتل”. وفي نيسان/ أبريل الماضي، فرض البيت الأبيض حزمة من العقوبات المالية القاسية على موسكو وطرد عشرة ديبلوماسيين روس، رداً على تقرير للإستخبارات الأميركية تحدث عن محاولات روسية للتدخل في الإنتخابات الرئاسية عام 2020 ولمسؤولية موسكو عن هجوم سيبراني على شركة “سولارويندز”. وردّت روسيا بسحب سفيرها في واشنطن أناتولي أنطونوف وبطرد ديبلوماسيين أميركيين وبإسداء نصيحة للسفير الاميركي في موسكو جون ساليفان بمغادرة موسكو.

إقرأ على موقع 180  بيّون لـ 180: تركيا تبسط نفوذها القومي لا الديني

وكان الإستثناء الوحيد في هذه الأجواء الملبدة بين واشنطن وموسكو، موافقة بايدن على تمديد معاهدة نيوستارت النووية في الأيام الأولى من تسلمه الرئاسة. وما تلا ذلك كان سلسلة متواصلة من التشنجات وتبادل الإتهامات بين البلدين.

لا بد من الإشارة إلى أن بايدن يذهب إلى القمة مع بوتين وعينه على الصين “المنافس الإستراتيجي” الصاعد في وجه أميركا، فهل إقتنع البيت الأبيض بعدم القدرة على مواجهة الصين وروسيا معاً، فقرر الإنفتاح على روسيا والتشدد حيال الصين؟ أيضاً لا تبدو الإجابة جد يسيرة

وفي المقابل، لا يزال بوتين يعتقد أن جوهر السياسة الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، هو النظر إلى روسيا كتهديد والعمل في الوقت نفسه على احتوائها بأساليب شتى. من “الثورات الملونة” في الجمهوريات السوفياتية السابقة، إلى محاولة دعم قوى معارضة في الداخل الروسي من أمثال نافالني ومن قبله ميخائيل خودورفسكي أو منظمات المجتمع المدني. والأخطر هو الزحف الأطلسي المستمر نحو الحدود الروسية، والمناورات الدائمة للحلف على تخوم روسيا، وتعزيز الولايات المتحدة لقواتها في كل الدول الأطلسية القريبة من روسيا مثل جمهوريات البلطيق وبولندا. ولا ترى موسكو في العقوبات الأميركية المتمادية، إلا نوعاً من المحاولات الأميركية لشل الإقتصاد الروسي وإنهاكه.

والفارق بين بايدن وبوتين، هو أن الرئيس الأميركي يأتي إلى القمة وكل الأنظار في الداخل مسلطة عليه، بينما يذهب بوتين إلى جنيف وكأنه حقّق هدفاً طالما سعى إليه ألا وهو كسب الإحترام لروسيا على المسرح الدولي، وفق ما جاء في تقويم لصحيفة “نيويورك تايمز” للقمة المزمعة.

هذه ليست حال بايدن، الذي ارتفعت أصوات تعتبر القمة وكأنها “مكافأة لبوتين”، وفق السناتور الجمهوري البارز بن ساسي. وعندما قرر بايدن أن يرجىء قبل أيام فرض عقوبات على شركات ألمانية تعمل في بناء خط أنابيب الغاز الروسي “نورد ستريم-2” إلى ألمانيا، ثارت عليه ثائرة مشرّعين جمهوريين وحتى ديموقراطيين. وهذا رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الديموقراطي بوب مينينديز يتساءل أنه لا يفهم كيف أن إرجاء فرض عقوبات على شركات تعمل في تشييد هذا الخط سيساعد “على مواجهة العدوان الروسي على أوروبا”.

وكان بايدن إعتبر في معرض تبريره إرجاء فرض عقوبات على شركات ألمانية، بأن مثل هذه الخطوة “قد تأتي بمفعول عكسي”، لا سيما وأن الرئيس الديموقراطي يحمل لواء تعزيز العلاقات بين أميركا والإتحاد الأوروبي. ولم يكن مصادفة أن المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل كانت أول المرحبين بانعقاد القمة.

وبايدن نفسه لا يذهب بعيداً في توقع إختراقات في القمة، ويضعها في سياق العمل الطبيعي للديبلوماسية، التي تُحتّم حتى اللقاء وجهاً لوجه مع الخصوم كما هو مع الحلفاء. وإذا كانت نبرة العداء لروسيا سمة الحزب الديموقراطي في سنوات ترامب، فإن الجمهوريين يلعبون الدور نفسه الآن.

الديموقراطيون اعتبروا أن روسيا كان لها الباع الطويل في الإتيان بترامب رئيساً عام 2016 وضغطوا من أجل تعيين محقق خاص لكشف “التواطؤ” بين موسكو والرئيس الجمهوري. وهدف الحملة الديموقراطية كان التشكيك بشرعية ترامب. والجميع يذكر الضجة التي أثيرت بعد لقاء ترامب وبوتين في هلسنكي عام 2018، عندما قال الرئيس الأميركي السابق، إنه يعتقد أن الرئيس الروسي صادق عندما نفى تدخله في الإنتخابات الرئاسية على عكس تقارير الإستخبارات الأميركية.

الآن، يذهب بايدن إلى جنيف وثلثا أنصار الحزب الجمهوري يعتقدون كما يعتقد ترامب أن بايدن ليس رئيساً منتخباً بشكل قانوني، بحسب ما ورد في صحيفة “ذا هيل” بناءً على إستطلاع أجرته مصلحة الأبحاث في جامعة كوينبيك.

وفي هذه العجالة، لا بد من الإشارة إلى أن بايدن يذهب إلى القمة مع بوتين وعينه على الصين “المنافس الإستراتيجي” الصاعد في وجه أميركا، فهل إقتنع البيت الأبيض بعدم القدرة على مواجهة الصين وروسيا معاً، فقرر الإنفتاح على روسيا والتشدد حيال الصين؟ أيضاً لا تبدو الإجابة جد يسيرة.

وفي المحصلة، يبقى السؤال: هل تكون قمة جنيف بين بايدن وبوتين شبيهة بقمة ريغان وغورباتشوف أم تتحول نسخة عن قمة هلسنكي بين ترامب وبوتين؟

ومن جنيف 1985 إلى جنيف 2021، تغير العالم وتغيرت أولوياته وتحدياته.

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
online free course
إقرأ على موقع 180  أمريكا القابلة للكسر!