الخميني من شجرة التفاح الباريسية إلى الشجرة الأوراسية
Ayatollah Ruhollah Khomeini (1900 - 1989), Iranian Shiite religious and political revolutionary leader, sits in a garden in Pontchartrais, on the outskirts of Paris, during his exile. Original Publication: People Disc - HF0466 (Photo by Keystone/Getty Images)

أحاول إعادة تركيب الصورة، وقد تشظّت في المسار المتعرّج للتحول من الملكيّة إلى الجمهورية. من ثورة الاحتجاج على الظلم والاستبداد، إلى دولة الوليّ الفقيه الملتزم إقامة المجتمع العادل. سقط نظام الشاه، وصمدت هياكل الدولة الممتدة في بُنياتها، إلى العهد الصفوي.

تحضر طريقة علي شريعتي فيلسوف الثورة الإيرانية ومُلهم شبابها. كان يُحذّر من المذهب الصفويّ الذي يُغلّب حسب قوله “التشيّع الأسود” والمقصود تشيّع السلطة، على “التشيّع الأحمر” ويعني التشيّع الثوري الذي يرفض احتواء حق الاحتجاج والنقد في قوالب وقنوات المؤسسة المذهبية.

يبرز الجمود الفكري الراهن في مقابل خصوبة البدايات: السعي إلى العدل المطلق والمساواة؛ إيران أوّلاً أم الإسلام أوّلاً أم المجتمع أولاً؛ أُمميّة ثورة المستضعفين ضد سلطة الاستكبار؛ الإسلام السياسي أو الإسلام الاجتماعي؛ العودة إلى الأصول في مقابل حداثة التغريب؛ الثورة الثقافية والوعي النقدي؛ إشكاليات الإسلام والديموقراطية… الخ.

ما زلت أبحث عن الانجازات في الفكر السياسي والأدبي والفلسفة والفن. كانت هذه مثابة الحاضنة الحيويّة للثورة الإسلاميّة والتمرّد على نظام الاستقطاب العالمي. لماذا خسرت المؤسسة الدينية استقلالها في عملية السيطرة على الدولة؟ لماذا يتدنى مستوى التعليم والدراسات الجامعية؟ لماذا يهاجر إلى الغرب كبار الأساتذة الجامعيين والسينمائيين؟ هل إيران في معرِض اختبار معضلة مشابهة للستالينيّة في الاتحاد السوفياتي؟

ليس مُرادي الدوران في دوّامة الحيرة والقلق. لذلك تراني أُبحر في نهر الزمن يأخذني إلى حقبَة الإمام العُرفاني وعودته من المنفى عبر باريس. ها أنا أرى الإمام القادم من غرب آسيا إلى قلب أوروبا، وهو يهمُّ بالخروج من مقرّ إقامته المؤقّت في ضاحية باريس للقاء الصحافيين والطلاب والمهتمّين، والتحدث في شؤون الثورة الإيرانية وقد كانت في عام 1979 أوشكت على الانتصار على نظام الشاه. أُتابع خُطى “نائب إمام الزمان” في يومٍ دافئٍ في باريس. الخميني يعبُرُ الحديقة الملاصقة لمقرّه المتواضع. يمشي مشيةَ الحكيم العارف، ثمّ يجلسُ بمهابة تحت شجرةِ التفّاح بعيداً عن أيّ تصنّع أو هندسة إعلامية.

يكتمل المشهد خلال الجلسة الحوارية: ثورة شعبية مستقلة عن المحاور الدولية، بل ثورة ثقافية تمدُّ جذوراً عميقة في الحركات الوطنية الدينية المناهضة للغزو الاستعماري في القرن التاسع عشر، خصوصاً في الجزائر والسودان والقوقاز. هناك ارتفعت رايات مجاهدين كبار مثل الأمير عبد القادر الجزائري، والإمام محمّد أحمد بن عبدالله، والشيخ شامل الداغستاني.

ها أنا ذا أشقّ طريقي عِبر الجماعة المتحلّقة حول الخميني، ويتراءى لي وجه محي الدين ابن عربي رائد مدرسة العُرفان والفلسفة الإلهية، والتي يُقال عنها أنها هاجرت من بلاد العرب إلى الهضبة الإيرانية حيث وَجَدت قبولاً في أصفهان لم تعرف مثيلاً له عندنا. كأن أمير العرفان الذي غادر الأندلس بعدما تيقّن من فشل مغامرته الروحية في قُرطبة تحت وطأة التهديد الصليبي الأوروبي، أراد أن يشهد على أن المُريد الإيراني السائر على خطِّ الحكمة الإلهية، يحمل الوديعة كاملة، وإن كانت طريقته للصعود إلى نور الشرق صارت تمرّ عِبر باريس. ولأن دعوة ابن عربي إلى “دين الحب” لا تعرف حدوداً، فقد اختار الانكفاء إلى دمشق في زمن الخُسران والتقيّة، كما فعل بعده بقرون الأمير عبد القادر عقب انكسار المقاومة البطولية التي قادها ضد الغزو الفرنسي للجزائر.

إذا كانت رؤيا ابن عربي الكونية، قد أثمرت في مدرسة العرفان والفلسفة الإسلامية الإيرانية، فإن أوروبا التي كثّفت وجودها الثقافي في باريس تفتح أبوابها للإمام العابر زمن ما بعد الاستعمار وتراجع التفوّق الغربي، لعلّها تقارب على نحوٍ يفيدها هذا الإحياء المُقلق لإسلامٍ يجمع بين الدين والسياسة.

في ظل أجواء “إستراحة المجاهد” في “مدينة النور” على قاب قوسين من الأندلس، يتصالح ابن عربي مع ابن رُشد ويتوافقان على أنّ العُرفان والفلسفة الإلهية يجب أن لا يحولا دون العقلانية وتعلُّم كيف ننظر إلى العالم كما هو، وأن ننأى عن الهذيان الأيديولوجي ووهم اللحظة. أَلَم يتعلّم الخميني من تجارب ثورة التبغ ضد الإنكليز في القرن التاسع عشر، والثورة الدستورية في مطالع القرن العشرين، وأخيراً حركة مُصدّق المغدورة. ربما يكون إدراك القوّة الحقيقية في عالم شديد التعقيد، هو الإنجاز الذي يمنح الثقة بأن لدينا القُدرة على تجنّب العمل في الاتجاه التاريخي المعاكس. وواقع الحال أن التجربة الإيرانية في تحوّلاتها منذ القرن التاسع عشر تُبيّن أن الإمبريالية الغربية ليست تلك القوّة العظمى المتربّعة على عرش روما إلى الأبد، وأنه لا يمكنها في حال تمثّلت في أميركا راهناً سوى أن تُرهب الدول والنفوس الضعيفة.

أتخيّل إمام ما بعد الحداثة يعرض مع الأمير عبد القادر والشيخ شامل في رحاب الجنة، كيف تبدّلت صورة العالم الدُنيوي منذ كانت هناك إمبراطوريّتان متنازعتان، فانهارت إحداهما وهي الإمبراطورية السوفياتيّة، بينما بقيت الثانية في حال تفكّك. ويسارع إلى لفت انتباههما إلى أن الانفجار المفاجئ للمعسكر الشرقي، ولَّدَ الوهم بأن الولايات المتحدة الأميركية صارت الطاغوت المُطلق. كما أن أميركا تصوّرت عقب الانهيار السوفياتي ثمّ التفكك المؤقّت للروسيا، أنه بات في وُسعها أن تُبسط هيمنتها على كل المعمورة، ولم تُدرك في حينه أن سيطرتها على منطقة نفوذها كانت آخذة في الانكماش، علماً أن تقديرها هذا كان يستند إلى اتجاهٍ معاكس للاستقرار الذي عرفته الروسيا تمهيداً لاستعادتها دوراً وازناً في علاقات القوّة الدولية من خلال التموضع في أزمات أوكرانيا وسوريا والقوقاز، بالتزامن مع انزياح مركز الثقل العالمي من الغرب إلى الشرق بفضل نهضة الصين اقتصادياً وتقنيّاً واحتفاظها بقُدرتها على التصرف باستقلالية والتقارب مع روسيا وإيران.

إقرأ على موقع 180  The End.. أسدلوا الستار!

فما كان من الأمير عبد القادر إلا أن بادر إلى التعليق قائلاً: إذا كان من السهل الآن التنبّؤِ بظهور قطب عالميٍّ تعدُّديٍّ في أوراسيا. فقد نكون اقتربنا أكثر من رؤيا دين الحب لابن عربي.

أمّا الشيخ شامل الذي واجه باكراً عنجهيّة “المسكوب” والتطهير العُرقي في منطقة القوقاز، فإنه أبدى تمسكه بالحذر الشديد في التعامل مع “العدو الشمالي” التاريخي، وهذا لم يمنعه من الخوض في احتمالات الحفاظ على التوازن في سياق التخلّي عن عدم الانحياز والتحالف مع الصين وروسيا.

(*) بالتزامن مع “جاده إيران

Print Friendly, PDF & Email
ميشال نوفل

كاتب وصحافي لبناني

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الثورة اللبنانية و"مرشدها" الجديد