الحل الوحيد: حكومة عسكرية بقبول ضمني من حزب الله

هل لا زال بالإمكان إنقاذ لبنان، أم سبق سيف العزل وسنكون من الآن فصاعداً شهوداً على تحقّق نبوءة وزير خارجية فرنسا جان إيف لودريان عن زوال لبنان عن الخريطة؟ 
الحل لا زال ممكناً، ومعه أمل بالخلاص. لكن هذا يتطلّب عملية جراحية في النظام السياسي الحالي. عملية إستئصالية إذا جاز التعبير، بعد أن أثبتت النخبة السياسية الطائفية أنها غير قادرة حتى على ترميم أو إنعاش نظامها نفسه. وهذه ليس مسألة تتعلّق بالغباء أو ضيق الأفق لدى أرباب هذه النخبة،  بل لسبب موضوعي للغاية: إذ كيف يمكن لمجرم مُدان أن يُحاكم نفسه؟ كيف لفاسد أن يُصلح الفساد؟ لا بل كيف لسايكوباث (مريض نفسي ذو نزعات إجرامية خالية من أي ضمير) أن يطرح الحلول لمشاكل يستنسلها هو في كل لحظة من لحظات حياته؟
إذا ما اتفقنا على أن الحل من داخل الطبقة السياسية مستعصٍ كلياً، بدليل فشل كل الجهود الفرنسية والدولية لحملها على إنقاذ نفسها من نفسها، سنجدنا أمام حل وحيد لتجنّب تسونامي الفوضى والانهيار الكبير وزلزال الزوال الدموي والكارثي للكيان: حكومة عسكرية بصلاحيات استثنائية، ستكون هي وحدها القادرة على تحقيق الإصلاحات، بدءاً بقطاع الكهرباء، الذي راكم وحده عبر الفساد 40 في المئة من ديون البلاد والذي يشكّل بوابة العبور الكبرى إلى أي إصلاحات حقيقية؛ إضافة إلى إطلاق يد القضاء المستقل لفرض المساءلة والمحاسبة وسيادة القانون على الجميع، وإعادة الأموال الهائلة المنهوبة المحوّلة إلى دول الغرب والقادرة بمفردها على وقف الانهيار متسارع الخطى.
الحكومة العسكرية لن تكون حكومة العسكر ولا حكومة الإنقلاب على الديموقراطية، بل التشكيلة السياسية لمؤسسة أمنية وطنية كانت بمنأى نسبياً عن نظام الفساد. وهي، بفعل تركيبتها الخاصة،  طوق النجاة الوحيد الآن لمؤسسات للدولة اللبنانية من كارثة التفكّك والتحلّل، والمُعبّر الوحيد تقريباً عن تطلعات وأماني قوى وأطراف المجتمع المدني التي فشلت، من أسف، خلال انتفاضة تشرين في بلورة بديل قيادي قابل للحياة.
لن يكون صعباً تخيّل قيام حزب الله بتوفير دعم وإن ضمني لحكومة عسكرية لها “برنامج مهمات” إصلاحية داخلية، طالما أن سلاحه لن يكون مطروحاً على بساط البحث أو التداول في هذه المرحلة
نعلم أن ثمة جهوداً دولية تُبذل الآن لمحاولة تسهيل ولادة هذا البديل المدني. لكن سرعة وتائر الانهيار الاقتصادي والاجتماعي لن تترك كبير مجال لمثل هذه الولادة. هذا علاوة على أن الرهان على الانتخابات النيابية المقبلة في ظل قانون انتخابي تصوغه الطبقة السياسية على قدّها، قد يحقق بعض الاختراقات لكنه لن يمنع هذه الأخيرة من إعادة إنتاج نفسها كما كانت تفعل دوماً.
هل هذا المقترح مجرد أضغاث أحلام، ربما تمليها ذاكرة التجربة الشهابية الرائدة التي لم تنقذ آنذاك البلاد وحسب، بل محضتها أيضاً كل مقومات الدولة الحديثة والمتوازنة، من الجامعة اللبنانية ووزارة التصميم ومجلس الخدمة المدنية والمصرف المركزي، إلى توفير المزايا الاجتماعية ونشر المدارس والكهرباء  في كل المناطق؟
ربما. لم لا.
لكن، وكما أن الانقاذ الوطني والمؤسساتي الشهابي تطلّب وجود مظلة إقليمية (النظام الناصري) ودولية (ديغول وأيزنهاور) مكّنته من تحقيق إصلاحاته، كذلك تحتاج المؤسسة العسكرية الآن إلى مثل هذا الغطاء.
فهل هذا متوافر؟
لنتصارح قليلاً هنا: الجيش اللبناني يُعتبر رصيداً أميركياً ليس فقط عدة وعتاداً، وتسليحاً وتدريباً، بل أيضاً كقوة سياسية تحترمها واشنطن وتراهن عليها. وقبل أسبوعين تقريباً، وحين كان الكاتب الأميركي ديفيد أغناتيوس (واشنطن بوست) المقرّب من البنتاغون يدعو إدارة جو بايدن إلى تطبيق سياسة جديدة في الشرق الأوسط، اقترح أن يكون مدخل ذلك هو “الاستثمار بكثافة في الجيش اللبناني”.
هذه كانت لفتة في غاية الأهمية، خاصة حين نتذكّر أن إدارة ترامب كانت تداعب فكرة نفض اليد من الجيش اللبناني ووقف المساعدات له.
لنتصارح أكثر: حزب الله يعتبر رصيداً إيرانياً وعلى كل الصعد أيضاً. وهذا ما يجعله على طرفي  نقيض مع مواقع الجيش اللبناني في سياق شد الحبال بين طهران وواشنطن، الأمر الذي يبدو أنه ينسف فكرة الحكومة العسكرية من أساسها.
 لكن هذا قد لا يكون استنتاجاً دقيقاً.
فحين تُجدّد إيران والولايات المتحدة عقد الاتفاق النووي خلال الأسابيع القليلة المقبلة، (الذي سيعني من ضمن ما يعني انهاء سياسة الخنق – الضغوط القصوى- التي كان يمارسها ترامب ضد طهران وحزب الله)، سيكون الباب مفتوحاً على مصراعيه أمام الفرنسيين والأوروبيين لمطالبة بايدن برفع الفيتو الأميركي عن مشاركة الحزب في الحل الداخلي اللبناني. ومن خلال هذه الثغرة التي قد يفتحها ذلك، لن يكون صعباً تخيّل قيام حزب الله بتوفير دعم وإن ضمني لحكومة عسكرية لها “برنامج مهمات” إصلاحية داخلية، طالما أن سلاحه لن يكون مطروحاً على بساط البحث أو التداول في هذه المرحلة.
الفرص موجودة أمام اتفاق أو وفاق إيراني- أميركي ما، يتبادل بموجبه الجيش وحزب الله الأدوار في سياق وحيد: وقف الانهيار وإطلاق ورشة الإصلاح الداخلي. المصلحة المشتركة لكلا الطرفين والنفوذين قد تُملي هذا الوفاق
في إطلالته الأخيرة هذه الأسبوع، تحدث السيد حسن نصرالله بطلاقة، وربما للمرة الأولى، عن عدم ممانعته تسليح الجيش بكل أنواع العتاد، وعن الضرورة الحيوية لدور الجيش في حفظ السلام الأهلي. هذا في حين كان وفد من الحزب يزور مقر المؤسسة العسكرية للغرض نفسه.
بالطبع، هذا لا يعني (ليس بعد على الأقل) أن الحزب قد يؤيد فكرة الحكومة العسكرية. ومقاربته الأخيرة للجيش ربما تتعلّق فقط بالأزمة المعيشية الخانقة التي يمر بها الجنود والضباط في هذه المرحلة. وهذا صحيح. لكن الصحيح أيضاً أن الفرص موجودة أمام اتفاق أو وفاق إيراني- أميركي ما، يتبادل بموجبه الجيش والحزب الأدوار في سياق وحيد: وقف الانهيار وإطلاق ورشة الإصلاح الداخلي. المصلحة المشتركة لكلا الطرفين والنفوذين قد تُملي هذا الوفاق وهي لن تشكّل إحراجاً للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، طالما أن حزب الله لن يبرز في الصورة التذكارية لأعضاء الحكومة العسكرية.
مرة أخرى: قد يبدو هذا السيناريو افتراضيا للغاية. وهو كذلك. لكنه في الوقت نفسه السيناريو الوحيد ـ في الواقع ـ القادر على وقف نحر لبنان ومنع محوه عن خريطة المنطقة، كما لم يتعب لودريان من التحذير.
ثم: تخيّلوا، مجرد تخيّل، كيف قد تستقبل جموع الشعب اللبناني بكل مندرجات مجتمعه المدني هذه الخطوة الانقاذية. نحن هنا في هذه النقطة بالذات، لن نتردد في القول أن الدعم الشعبي لها سيكون بمثابة تسونامي جماهيري قد يكون أعتى بكثير من تسونامي الانهيار والدمار.
لكن هذا التسونامي الإيجابي يجب أن ينطلق اليوم من قلب المجتمع المدني ومن كل القوى والأطراف السياسية والإديولوجية والاقتصادية التي ترفض ذبول وزوال شجرة الأرز عن جبين خريطة لبنان وعلمه.
بكلمات أوضح: يجب أن تكون الحكومة العسكرية مطلباً شعبياً أساسياً، هنا والآن.
Print Friendly, PDF & Email
إقرأ على موقع 180  عندما يُصبح كل لبناني.. خبيراً علمياً!
سعد محيو

كاتب سياسي

Download WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Nulled WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
free download udemy course
إقرأ على موقع 180  ما هو سر التحول في موقفي الصين وروسيا من السد الأثيوبي؟