الخطة “باء” الغربية للبنان: التغيير بالانتخابات النيابية

ما هي نتائج "المؤتمر الدولي الثالث لدعم الشعب اللبناني" الذي دعت إليه فرنسا ورعته الأمم المتحدة، وما هي أبعاده؟ وما هي توجهات المجتمع الدولي حيال لبنان في المرحلة المقبلة؟

من خلال متابعة وقائع المؤتمر الدولي الثالث الذي دعا اليه الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في الرابع من آب/أغسطس2021 ومن خلال مواكبة الاتصالات التي سبقته واستطلاع توجهات ابرز الدول المشاركة فيه، عبر الأوساط الديبلوماسية القريبة منها، يمكن استخلاص الملاحظات الآتية:

أولاً؛ نجح ماكرون، الذي قطع اجازته الصيفية وترأس المؤتمر مباشرة من مقر الرئاسة الصيفي في فور دو بريغونسون، في حشد “تعبئة دولية واسعة” من خلال مشاركة 33 دولة و13 منظمة دولية وعبر توفير وعود بمساعدات للبنان بلغت قيمتها 370 مليون دولار، وهي تتخطى الاحتياجات التي قدرتها منظمة الأمم المتحدة الدولية بـ357 مليون دولار.

ثانياً؛ تشديد المؤتمر على طبيعة المساعدة الإضافية التي “لا تشكل الحل الدائم للصعوبات التي يواجهها لبنان بل فقط لإنقاذ حياة الأشخاص المعرضين للخطر”، وبالتالي اقتصار نوعية المساعدات بالموجب الانساني والاغاثي الطارىء. والملفت للإنتباه في هذا الاطار تأكيد فقدان الدولة اللبنانية ومؤسساتها ثقة المجتمع الدولي وثقة الدول والجهات المانحة وحصر التعامل مع لبنان عير الجمعيات الاهلية المنبثقة عن المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية وفق آلية وضعتها الأمم المتحدة مع متابعة دقيقة وشفافة.

ثالثاً؛ موقف الرئيس الأميركي جو بايدن لاقى موقف الرئيس ماكرون لجهة اعتبار ان كل المساعدات الخارجية لن تكون كافية إذا لم يلتزم القادة اللبنانيون بالقيام بـ”العمل الصعب والضروري لإجراء الإصلاحات الاقتصادية ومكافحة الفساد”.

رابعاً؛ تركيز الاتحاد الأوروبي المتناغم مع كل من باريس وواشنطن على ضرورة قيام حكومة لبنانية جديدة بشكل سريع، للعمل على أولوية وضع لبنان على طريق النهوض لانه لم يعد هناك متسعاً لاضاعة الوقت.

وكما علّق مصدر ديبلوماسي “اذا كانت فرنسا بلسان رئيسها لا تريد ان تعطي شيكاً على بياض لأهل النظام في لبنان، فيبدو أن السعودية من جهتها وعبر ممثلها في المؤتمر لم تشأ ان تعطي لا شيكاً ولا بياضاً”

خامساً؛ مشاركة السعودية كانت لافتة للنظر من خلال اشخاصها ومن خلال مواقفها. فقد ترأس الأمير فيصل بن فرحان، وزير الخارجية، وفد المملكة بمشاركة المستشار بالديوان الملكي المشرف العام على “مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية” عبد الله بن عبد العزيز الربيعة الذي سبق له أن استقبل السفيرتين الفرنسية والاميركية في بيروت خلال زيارتهما الاخيرة للرياض في اشارة للتاكيد على اقتصار دور المملكة الحالي في لبنان على “الطابع الانساني الاغاثي”. أما موقف “التضامن المستمر مع الشعب اللبناني في أوقات الأزمات والتحديات” الذي عبّر عنه بن فرحان، فلم يقترن بأي وعد عملي ولا بتحديد اي مبلغ للمساهمة في مساعدة الشعب اللبناني.

وكما علّق مصدر ديبلوماسي “اذا كانت فرنسا بلسان رئيسها لا تريد ان تعطي شيكاً على بياض لأهل النظام في لبنان، فيبدو أن السعودية من جهتها وعبر ممثلها في المؤتمر لم تشأ ان تعطي لا شيكاً ولا بياضاً”. على العكس، استغل بن فرحان منبر المؤتمر لتوجيه كلام قاس برسم السلطات اللبنانية، معتبراً “أن إصرار حزب الله على فرض هيمنته على الدولة اللبنانية هو السبب الرئيسي لمشكلات لبنان”..

سادساً؛ شكّل المؤتمر ما وصف بـ”مضبطة الإتهام” للطبقة السياسية اللبنانية بمجملها حيث لم توفرها الدول الغربية من انتقاداتها التي طالت رهاناتها الخاطئة وحساباتها المدانة من خلال تقديم مصالحها الفردية الخاصة والحزبية الضيقة على مصالح الشعب العامة.

سابعاً؛ اذا كان هناك اجماع دولي بالمطالبة، بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لتفجير مرفأ بيروت، بتحقيق “شفاف” يؤدي الى كشف “الحقيقة”، ففي المقابل لم يرتفع في المؤتمر اي صوت لتأييد فكرة قيام لجنة تحقيق دولية!

تصور فرنسي – أوروبي – أميركي

ولكن ماذا بعد انعقاد هذا المؤتمر وما هي توجهات المجتمع الدولي في المرحلة المقبلة؟

تشير الاوساط المتابعة للملف اللبناني في كل من باريس وبروكسل إلى انه بدأ يتبلور تصور غربي حول خطة تحرك دولي لأجل لبنان في الاشهر المقبلة وقد ساهم المؤتمر الاخير في بلورة وابراز مواقف ابرز العواصم المعنية بالوضع اللبناني.

ينطلق هذا التصور من قناعة فرنسية من ان الخطة “ألف” التي اطلقها ماكرون في بيروت قبل حوالي السنة بركائزتها الاربع: حكومة مهمة، وضع آلية عملية وتنفيذية للاصلاحات، مؤتمر سيدر 2، عقد طاولة مستديرة لبنانية موسعة في باريس ترسم الخطوط العريضة لعقد اجتماعي جديد ومستدام للبنان، هذه الخطة تراجعت حظوظ ترجمتها بفعل اضاعة الفرقاء اللبنانيين هذه “الفرصة الانقاذية الذهبية”.

معالم الخطة “باء” تبدأ بحكومة لبنانية جديدة “انتقالية” مهمتها مزدوجة: أولاً، وقف النزف الاقتصادي المفتوح والمستمر مع تداعياته الاجتماعية الخطيرة؛ ثانياً، الاعداد للانتخابات النيابية المقبلة. كل ذلك في انتظار اتضاح متغيرات الاقليم التي لا بد ان تترك تداعيات على الوضع الداخلي اللبناني

وميزة هذه الخطة انه كانت أمامها فترة سنتين للتنفيذ، حيث انها كانت تتزامن من جهة مع فترة السنتين الباقيتين من عهد الرئيس ميشال عون ومن جهة اخرى مع السنتين الفاصلتين عن نهاية الولاية الرئاسية للرئيس ماكرون.

إقرأ على موقع 180  مشعل الأحمد ولياً لعهد نواف الأحمد

أما اليوم، وبعد ان جرى تضييع هذه الفرصة وشهدت الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية تدهوراً سريعاً وخطيراً خلال العام الذي انقضى منذ انفجار مرفأ بيروت وسار لبنان بخطى متسارعة نحو الانهيار الكامل، فيبدو ان الأولويات تبدلت وباتت الخطة “باء” جاهزة لوضعها على السكة انطلاقاً من المعطيات الجديدة. ويبدو ان هذه القناعة الفرنسية تحظى بتأييد أوروبي واضح وبتفهم أميركي داعم.

ومعالم هذه الخطة، حسب هذه الأوساط، تبدأ بحكومة جديدة “انتقالية” مهمتها مزدوجة: أولاً، وقف النزف الاقتصادي المفتوح والمستمر مع تداعياته الاجتماعية الخطيرة؛ ثانياً، الاعداد للانتخابات النيابية المقبلة. كل ذلك في انتظار اتضاح متغيرات الاقليم التي لا بد ان تترك تداعيات على الوضع الداخلي اللبناني.

عناصر هذه الخطة ترتكز إلى عدة مقومات، أولها، تأمين مقومات بقاء الشعب اللبناني وصموده الحياتي في مجالات حيوية ثلاثة غذائية وصحية وتربوية. ثانيها، الدفع نحو اجراء انتخابات نيابية مع الالتزام بمواعيدها واجرائها بكل حرية وشفافية (مع مراقبة دولية صارمة) انطلاقا من قناعة دولية ان لا ثقة بالطبقة السياسية اللبنانية الفاشلة والفاسدة وان لا أمل باحداث تغيير الا من خلال وصول وجوه جديدة. ثالثها، استخدام كل وسائل الضغط وكل انواع العقوبات الديبلوماسية والمالية والقضائية خصوصاً بعد ان تم توفر الارادة السياسية ووضع الآلية القانونية.

وهنا تسارع هذه الاوساط الى التأكيد انه ينبغي عدم الاستخفاف بنوايا المجتمع الدولي فهناك “ارادة وعزم اكيدين” عند الاوروبيين والاميركيين في المضي بممارسة الضغط “بشكل تدريجي وتصاعدي”، وهناك تعويل على ابراز وجوه منبثقة من المعارضة والمجتمع المدني والطاقات الشابة اكان داخل لبنان او خارجه مع حث اللبنانيين في دول الانتشار على الانخراط في عملية التغيير هذه بشكل فاعل.

وتعتبر هذه الأوساط اخيرا ان هناك فرصة ضئيلة وعلى محدوديتها، تتمثل بتمكين الرئيس المكلف نجيب ميقاتي (حظي تكليفه بترحيب من المشاركين في مؤتمر باريس) من تأليف هذه الحكومة الانتقالية لتعمل على الحد من الانهيار وتمكين الشعب من استعادة بعض انفاسه في انتظار الاستحقاقات المقبلة.

Print Friendly, PDF & Email
باريس ـ بشارة غانم البون

صحافي وكاتب لبناني مقيم في باريس

Download WordPress Themes
Download Premium WordPress Themes Free
Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الصين تصعد.. أمريكا تنحدر وأوروبا قلب النظام الدولي على حالها