الإيرانيون يواجهون طالبان مستقبلاً أم يفاوضونها؟

كتب مراسل "ميدل إيست آي" في طهران تقريراً تناول فيه إنقسام إيران في كيفية التعامل مع ظاهرة حركة طالبان الصاعدة في ضوء القرار الأميركي بالإنسحاب من أفغانستان. ماذا تضمن التقرير؟

“العلاقات بين جمهورية إيران الإسلامية وحركة طالبان في أفغانستان لم تكن في يوم من الأيام سهلة أبداً.

في عام 1998، وأثناء توليها حكم الجار الشرقي لإيران، قتلت حركة طالبان تسعة دبلوماسيين إيرانيين وصحفياً من وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا) عندما هاجمت القنصلية الإيرانية في مدينة مزار الشريف، في شمال أفغانستان، الأمر الذي كاد يُشعل حرباً إيرانية على الحركة لولا تدخل المرشد الأعلى علي خامنئي حينها.

ففي أول ردّ فعل على مقتل الدبلوماسيين والصحافي الإيرانيين، وضعت الجمهورية الإسلامية جيشها في موقف الهجوم، وحشدت قواتها على طول الحدود مع أفغانستان، تمهيداً لشن عملية عسكرية محتملة ضد طالبان.

ومنذ تلك الفترة التي وصلت فيها العلاقات بين الطرفين إلى “الحضيض” ـ تمت معالجتها جزئياً في نهاية المطاف بفعل الغزو الأميركي لافغانستان بعد سنوات قليلة – تأرجحت العلاقة بين إيران وطالبان بين التفاوض والعداء، نظراً لتعدد واختلاف وجهات النظر بين المسؤولين الإيرانيين حول كيفية التعامل مع طالبان.

مؤخراً، وتحديداً في الفترة من 7 إلى 8 تموز (يوليو) الماضي، استضافت طهران “لقاءً أفغانياً” جمع ممثلين عن حكومة كابول وحركة طالبان، لمناقشة مستقبل أفغانستان بعد انسحاب القوات الأميركية. تزامن ذلك مع استيلاء عناصر طالبان على جزء كبير من البلاد.

في هذا الخصوص، قال دبلوماسي إيراني متقاعد لموقع “ميدل إيست آي”  MEE: “يجب أن نتفاعل مع أي جهة يمكن أن تكون قادرة على الوصول إلى السلطة في أفغانستان. لذلك، فإن السياسة التي نتبعها حالياً تُعتبر جيدة، لأن أكبر تهديد لنا سيكون تشكيل نظام سياسي مناهض لإيران في أفغانستان المجاورة”.

مع سيطرة طالبان على أرجاء أفغانستان، يختلف الإيرانيون حول ما إذا كانوا سيتفاوضون مع هذه الجماعة المتشددة أو يواجهونها

لكن آخرين داخل الحكومة الإيرانية يشعرون بالقلق، ويحذرون من السماح لمن كان يوماً “خصماً لدوداً”، في أن يزداد نفوذه أكثر من اللازم اليوم.

تجنب الصراع

كان الرئيس الإيراني المنتهية ولايته، حسن روحاني، سكرتيراً للمجلس الأعلى للأمن القومي عندما حشدت إيران قواتها على الحدود الأفغانية في عام 1998.

كان روحاني وقتها في مكة يؤدي فريضة الحج. ولكن، وبمجرد أن علم بخطط إيران غزو أفغانستان، عاد مسرعاً إلى طهران، ونجح في إقناع خامنئي (المرشد الأعلى) بإلغائها.

يُذكر أنه خلال الغزو الأميركي لأفغانستان في عام 2001، ساعدت إيران القوات الأميركية، بل لعبت دوراً مهماً في تحرير العاصمة كابول من طالبان حتى قبل وصول الجنود الأميركيين.

ولعبت إيران أيضاً دوراً نشطاً وبارزاً في مؤتمر إعادة إعمار أفغانستان، الذي عُقد في بون في ألمانيا، وأسفر عن تشكيل إدارة مؤقتة بقيادة حامد كرزاي، الذي أصبح رئيساً للبلاد (2001 – 2014).

لكن الآن، يبدو أن كلاً من روحاني ووزير الخارجية محمد جواد ظريف ينظران إلى طالبان ونفوذها المتصاعد على أنه أمر واقع لا يمكن تجاهله.

ففي نيسان (أبريل) الماضي، صرح ظريف بأن المفاوضات مع طالبان كانت من أجل المصالح الوطنية لإيران، ولكن أيضاً من أجل “إقناع” الحركة المسلحة بضرورة أن يكون هناك “سلام شامل” في أفغانستان.

وحذر ظريف أيضاً من أن إقامة “إمارة إسلامية” في أفغانستان سيهدد الأمن القومي في كل من الهند وإيران.

وقال الدبلوماسي الإيراني المتقاعد إن طهران لا تريد التورط في صراع ضد طالبان، ولا تريد أن تدفع وحدها ثمن الانسحاب الأميركي من أفغانستان، الذي بدأ في أيار (مايو).

وأضاف: “إيران لا تسعى إلى مواجهة طالبان بمفردها. وإذا كان لا بد من حملة عسكرية ضد طالبان، فيجب على كل الدول التي قد تتأذى في المستقبل من وجود هذه الجماعة المتطرفة أن تتعاون مع طهران لمواجهتها. لأنه إذا لم تتصرف إيران بشكل جيد، وجعلت من طالبان عدواً لها، فأعتقد أن بعض الدول العربية، لا سيما الخليجية منها وكذلك الولايات المتحدة، ستحاول تمويل وتوجيه طالبان بهدف إضعاف طهران وصرف انتباهها بعيداً عن العراق وغيره من الدول العربية”.

“الإصلاحيون” يريدون المواجهة

النشطاء في التيار الإصلاحي في إيران، الذين كانوا بشكل عام يدعمون توجهات روحاني وظريف، طالبوا بضرورة أن تتخذ إيران موقفاً أكثر تشدداً ضد طالبان، من منطلق أن الجماعة تمثل التهديد نفسه الذي يمثله تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ويتشاركان الايديولوجيا ذاتها المعادية للشيعة.

في شباط (فبراير)، غرَّد الإصلاحي البارز صادق زيبا كلام، عبر حسابه على “تويتر”، بأنه اعتذر لأفغانستان لأن إيران بدأت تتفق مع طالبان وتساهم في إضفاء الشرعية عليها.

بدوره، وجه النائب الإصلاحي السابق محمود صادقي، في 11 تموز (يوليو)، انتقاداً لاذعاً لوزارة الخارجية “لاستضافتها ممثل جماعة طالبان الإرهابية”.

رجل دين إصلاحي إيراني: “طالبان جماعة دينية ليست غريبة على التطرف والقتل، ولا سيما قتل الشيعة، ويداها ملطخة بدماء دبلوماسيينا”

كذلك تبنى بعض رجال الدين موقفاً معارضاً لسياسة حكومة روحاني تجاه طالبان. فقد أصدرت “الجمعية الإيرانية للمدرّسين والباحثين في الحوزة العلمية” في قم، في 21 تموز (يوليو)، بياناً يدين طالبان، باعتبارها معادية للشيعة وغير متسامحة مع الأديان الأخرى. وتساءل بيان الجمعية “كيف توافق الحكومة أن تخوض قواتها مواجهات الموت مع (داعش) في سوريا، في حين أنها تلتزم الصمت في مواجهة “عودة إنبعاث” طالبان”؟

إقرأ على موقع 180  ترامب أقرب الى إيران من السعودية

في هذا الخصوص، تحدث رجل دين إصلاحي لـ”ميدل إيست آي”، قائلاً: “طالبان جماعة دينية متطرفة. وهي ليست بريئة من أعمال القتل التي تستهدف الشيعة على وجه الخصوص، وأياديها ملطخة بدماء دبلوماسيينا. من المقلق جداً مراقبة طالبان وهي تحتل أفغانستان، فيما يلتزم العالم الإسلامي، وخصوصاً إيران، الصمت المطبق”.

“المحافظون” يدعمون

على النقيض من ذلك، كان المحافظون المتشددون في إيران يدعمون بشكل غير عادي استراتيجية روحاني وظريف.

ففي عام 2020، وصف النائب المحافظ أحمد نادري طالبان بأنها “حركة راسخة” في المجتمع الأفغاني، ولها تأثير. وقال إن تعاون طهران مع طالبان يمكن أن يؤدي إلى الإستقرار في أفغانستان.

وبالمثل، فإن صحيفة “كيهان” اليومية ذات النفوذ، والتي يتولى خامنئي شخصياً تعيين رئيس تحريرها، كتبت في 26 حزيران (يونيو) تقول إن “طالبان اليوم تختلف عمّا كانت عليه في الماضي، ولم تعد تقطع رؤوس الناس”.

وأصبحت التغطية التي يقدمها التلفزيون الإيراني الرسمي عن سيطرة طالبان على السلطة في أفغانستان مثار سخرية وتهكم من قبل الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي. فقد علَّق كثيرون بالقول “إن شبكة إذاعة جمهورية إيران الإسلامية (IRIB) التي أسسها خامنئي، نجحت وفي غضون ستة أشهر فقط، أن تسقط عن طالبان إرثها الإرهابي”.

ومع ذلك، ليس كل المحافظين مقتنعين.

فقد حافظت “فرقة فاطميون”، وهي فرع من الحرس الثوري الإيراني، وتتكون من لاجئين أفغان شيعة يعيشون في إيران، على موقفها المناهض بشدة لطالبان، برغم أنها أعلنت دعمها للمحادثات بين الأطراف الأفغانية، وأكدت إستعدادها للعمل وفق مصالح أفغانستان وبناء على ما يأمر به خامنئي.

في غضون ذلك، وفي انتقاد نادر لمؤسسة الجمهورية الإسلامية، أصدر رجل الدين الإيراني الكبير آية الله العظمى لطف الله الصافي الكلبايكاني بياناً في 15 تموز (يوليو) حثَّ فيه الحكومة الإيرانية، وبشكل غير مباشر، على عدم الوثوق بطالبان وبـ”أفعالها الشريرة وأعمال القتل”، مضيفاً أن الوثوق بهذه الحركة سيكون “خطأ جسيماً، لا يمكن إصلاحه”.

وقال محلل إيراني متخصص بالشؤون الأفغانية لـ”ميدل إيست آي” إن الخيار الأفضل الذي يخدم مصلحة طهران هو الحل السياسي.

وأضاف أن طهران تريد إقناع طالبان والجماعات الأخرى في أفغانستان، وكذلك الحكومة المركزية، بالجلوس إلى طاولة المفاوضات والاتفاق على تشكيل نظام سياسي جديد تتمثل فيه كل الجماعات العرقية، كما هو الحال في لبنان، لأنه “إذا استمرت الحرب، وتحولت إلى حرب أهلية، وهناك بوادر لحدوث ذلك بالطبع، فسنواجه موجة جديدة من الهجرة، وتهريب المخدرات، وأنشطة الجماعات المتطرفة مثل داعش والقاعدة، والتي قد تشكل تهديداً خطيراً على أمن حدود إيران الشرقية”.

(*) ترجمة بتصرف عن “ميدل إيست آي

Print Friendly, PDF & Email
Download WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Download WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  المبادرات اليمنية بلا أفق.. ومأرب ستخلط الأوراق