الدرس الأفغاني لأوروبا والحلفاء.. “الإستقلال” عن أميركا!

تعثرت أميركا بالعتبة الأفغانية، فأحدثت فجوة إستراتيجية ستلقي بتأثيراتها على "المكانة الأميركية" عالمياً، وستشكل بداية لنظام دولي جديد، يكسر الأحادية القطبية التي تبوأتها الولايات المتحدة منذ 30 عاماً، وتفسح في المجال أمام صعود عالم متعدد القوى. 

هزيمة أفغانستان قد تكون أثقل بكثير من هزيمة فيتنام. في فيتنام، تمكنت أميركا من التعافي وربحت الحرب الباردة، بعدما عجلت أفغانستان في إنهيار الإتحاد السوفياتي. الآن، تخوض الولايات المتحدة حرباً باردة مع الصين، فإلى أي مدى ستؤثر أفغانستان في مسار هذه الحرب وهل ستتمكن أميركا من كسبها؟ سؤال يبقى معلقاً.

بمزيج من اليأس والقراءة في كف المستقبل، يسلم وزير الدفاع البريطاني بن والاس، بأنه بعد الإخفاق في أفغانستان “لم تعد أميركا القوة العظمى الوحيدة في العالم.. هي اليوم قوة عظمى” فحسب. وبنبرة لا تقل حسرة، يقول الممثل الأعلى للإتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية الإسباني جوزيب بوريل، إن الإنسحاب من أفغانستان “وجه ضربة قوية للغرب.. ذهبنا إلى هناك جماعياً، لكن قرار الإنسحاب اتخذ في واشنطن”!

وفي مقاربة ليست بعيدة عن رأي بن والاس وبوريل، قال رئيس “معهد كوينسي” أندرو باسيفيتش في مقال نشره في صحيفة “الواشنطن بوست”، إن “عصر التفوق الأميركي انتهى الآن”، وأن ضرورة اللحظة الحالية “توجب تعديل سياسة الولايات المتحدة تبعاً للظروف المتغيرة بسرعة”.

والإتحاد الأوروبي، الذي تركته حليفته الكبرى وحيداً في برية أفغانستان، بدأ البحث الجدي عن “الإستقلال” عسكرياً عن الولايات المتحدة. بوريل نفسه يعيب على الإتحاد الأوروبي الذي يضم 27 دولة أنه لم يكن قادراً على إرسال قوة من ستة آلاف جندي لتأمين مطار كابول، بينما “تمكنت الولايات المتحدة من ذلك ولم نتمكن نحن”.

أندرو باسيفيتش: “عصر التفوق الأميركي انتهى الآن”

وذهب رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال في التقويم نفسه، عندما دعا الاتحاد الأوروبي إلى “الاستقلالية في صنع القرار والعمل بقدرة أكبر حول العالم”.

وبعد أفغانستان، بدأت فكرة إنشاء قوة أوروبية للتدخل السريع تتخذ منحى متسارعاً، الأمر الذي من شأنه خلق قوة غربية موازية لحلف شمال الأطلسي للمرة الأولى منذ تأسيسه عام 1949.

وفي موقف ينم عن خيبة أمل فرنسية من التفرد الأميركي في أفغانستان، قال الرئيس إيمانويل ماكرون أمام مؤتمر بغداد الإقليمي في 27 آب/أغسطس الماضي، إن فرنسا لن تسحب قواتها من العراق، حتى لو قررت الولايات المتحدة الإنسحاب.

لم يترك الدرس الأفغاني لأوروبا سوى الإعتماد على نفسها، وتالياً عدم الذهاب بعيداً في مجاراة واشنطن في مواقفها المتصلبة حيال موسكو وبكين. وبعد أفغانستان، هل يصدق الأوروبيون أن أميركا ستقاتل مثلاً دفاعاً عن أوكرانيا إذا ما نشبت مواجهة مع روسيا، أو هل سيبعث البنتاغون جيوشه لتقاتل إلى جانب تايوان، إذا قرر التنين الصيني ابتلاعها ذات يوم.

إذن، أوروبا مرغمة الآن، بعد تأجيل لعقود، على إعادة نظر في عقيدتها الإستراتيجية، بعدما اكتشفت أن الرئيس جو بايدن الذي وعد بالعمل مع الحلفاء على عكس سلفه دونالد ترامب، لم يقدم مثالاً حياً على صدق وعوده.

زئيف شيف: إسرائيل تشعر بالوحدة برغم أن كابول تبعد ألفي ميل عن تل أبيب

وليست أوروبا وحدها من يساورها الشك بعد افغانستان، فهذا المحلل الإسرائيلي زئيف شيف يكتب في موقع بلومبرغ الأميركي، إن إسرائيل “تشعر بالوحدة برغم أن كابول تبعد ألفي ميل عن تل أبيب”، وأن الإنسحاب الأميركي جعل منها “عاصمة شرق أوسطية”.

والإنسحاب، ساهم في التئام مؤتمر بغداد وحضور دول الخليج العربية للمؤتمر تحت سقف واحد مع إيران، وحديثها المبدئي عن الحوار وسيلة لحل المشاكل في المنطقة.

وفي هذا السياق يمكن إدراج شراء “حزب الله” للنفط الإيراني، بينما تضطر واشنطن إلى كسر “قانون قيصر” باستجرار الغاز المصري إلى الأردن لتوليد الكهرباء وربطها بلبنان من طريق سوريا.

وقد لا يكون بعيداً عن هذا الإتجاه، ما كتبه المحلل السياسي نيل كويليام في مقال بمجلة “فورين بوليسي” الأميركية، من أن ثمة مؤشرات على نية جو بايدن التغاضي عن مساعي بعض الدول العربية لإحياء علاقاتها مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد بدلاً من منعها من القيام بذلك.

هنري كيسنجر يصف الإنسحاب الأميركي من أفغانستان بـ”هزيمة ذاتية” ألحقتها أميركا بنفسها

وعلى خلفية أفغانستان أيضاً، تتريث إيران في ضرب موعد لإستئناف مفاوضات فيينا النووية، بعد آخر جولة في حزيران/يونيو الماضي.

ما تقدم يُمثل بعضاً من الإنعكاسات المباشرة لمتغيرات في التفكير السياسي لأوروبا ولأصداء مواقف بدأت ترتسم على صعيد الشرق الأوسط، وهذا لا يشمل بالطبع ما يمكن أن تحصده الصين وروسيا، من مكاسب إستراتيجية في عالم يبدو أنه ينزلق من بين أصابع الولايات المتحدة، إلى درجة استفزت هنري كيسنجر ليصف الإنسحاب الأميركي من أفغانستان بـ”هزيمة ذاتية” ألحقتها أميركا بنفسها.

خرجت أميركا من الحرب العالمية الثانية وحجم اقتصادها يعادل نصف الإنتاج العالمي. اليوم، تراجع الإقتصاد الأميركي إلى ما دون 30 في المئة من حجم إقتصاد العالم، ولا بد أن ينعكس ذلك على مكانة الولايات المتحدة ووزنها دولياً.

إقرأ على موقع 180  الحرب الباردة الثانية.. مستمرة

وفي سؤال لن يكون الأخير، هل لا تزال أميركا قادرة على أن تتكيف مع هزيمة أخرى والتعافي منها وقيادة العالم قرناً آخر؟ الجواب، سواء سلباً أم إيجاباً يعتمد هذه المرة على الصين!

Print Friendly, PDF & Email
سميح صعب

كاتب وصحافي، لبنان

Premium WordPress Themes Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Best WordPress Themes Free Download
download udemy paid course for free
إقرأ على موقع 180  الأردن في مئويته الإغريقية الأولى.. "دولة مؤقتة" لا تنام