في ماهيّة الإسلام.. التاريخ والجاهلية بين الحقائق والخرافات (10)

التاريخ هو رواية لما حصل في الماضي وفيه كثير من التناقضات التي تصعّب بحث المؤرّخ الساعي للتوصّل إلى سردية للأحداث تسمح له باقتراح رواية لها.

في معظم الأحيان، يكون السرد طُوليّاً، وفقاً لخط زمني مستقيم وتدريجي. ويتعرّض السرد التاريخي إلى عوامل تؤثّر فيه، منها قناعات المؤرّخ أو الراوي، بحيث يفرض (ومن دون قصد) حاضره على الماضي، أي يقرأ أو يروي التاريخ لا كما حصل بل كما أراده هو أن يحصل وفقاً لقناعاته ومنهجيته. في هذه الحالة، تكون السردية رجعية، أي أنها مستنتجة وفقاً لمعطيات ومتطلّبات الحاضر ويُرجع بها إلى الماضي وتؤسّس كتاريخ. لكن في معظم الحالات، يُكتب التاريخ وفقاً لتشابك هذين الاتجاهين، أي مزيج بين الرواية والأمنية، بين ما حصل وبين ما نودّه أن يكون قد حصل.

وعندما نقرأ التاريخ، نحن ننظر إلى الماضي من زاوية معينة لا تسمح لنا برؤية كلّ ما حصل، بل البعض منه فقط. عندما نقرأ التاريخ، نحن في الواقع نقرأ ما رآه أو سمعه أو قرأه أو ظنّه فلان الفلاني. هل كان هذا الفلان الفلاني صادقاً؟ في كثير من الحالات، من الصعب على المؤرخ الاجابة عن ذلك، خصوصاً إذا دخلت المعتقدات الدينيّة في صلب الرواية. وحتّى لو كان هذا الفلان صادقاً، فإن معرفته أو روايته لما حصل تنطلق من وجهة نظره أو معتقداته.

يمكن معالجة هذه الصعوبات عبر البحث عن أكثر من رواية (إذا وجدت) والقيام بمقارنتها وتمحيصها لعلّها تساعد المؤرّخ على فهم أوضح لما حصل، وعلى أساس ذلك، يمكن للمؤرخ صياغة سردية أكثر موضوعيّة. أمّا إذا لم يكن هناك من رواية أو روايات أخرى، فيصبح المؤرّخ كحاطب الليل لا يدري إن كان ما يقرأه ويرويه هو تاريخ صحيح أم خيالي، أو مزيج من الاثنين.

إذاً، عمل المؤرّخ لا ينتهي، بمعنى أنّ البحث مستمر، وكلّ رواية عرضة للتمحيص وإعادة التمحيص بغضّ النظر عن شعبيتها وشيوعها. وعلى المؤرّخ  النظر أيضاً في وظيفة الرواية ولماذا رويت بالطريقة التي رويت بها وهدف راويها من ذلك، ودرجة شيوعها وما يدلّ ذلك سواء على المجتمع أم المجتمعات التي تقبّلتها وتوارثتها.

هناك أيضاً فرق بين المدرسة النظرية في علم التاريخ التي تُخضع المعلومات والروايات التاريخية لمفاهيم ونظريات وقناعات المؤرّخ والتي هي نتاج زمنه وبيئته ومجتمعه، وبين المدرسة الانصياعيّة التي تنظر إلى الروايات وتعالجها من دون نقد أو تنظير وتعيد سردها بنوع من السطحية. وهناك طبعاً مدرسة تمزج بين الاثنين، وتتوخّى مقاربة حذرة للتاريخ كما تسرده الروايات الشائعة من أجل التوصلّ إلى فهم أوضح لها ولدورها.

سرديّة تاريخ ما قبل الإسلام (يعرّفها المؤرخون المسلمون بعصر الجاهلية) هي من دون شك من أصعب السرديات التي يواجهها الدارس للتاريخ الإسلامي. سبب ذلك هو غياب شبه الكامل للمصادر المكتوبة من تلك الفترة. هذا الواقع يضعنا أمام سؤال كبير: هل ما نقرأه عن الجاهلية في المصادر الإسلامية هو حقيقة أم تاريخ ملفّق أو مزيج من الاثنين؟

هناك فرق بين المدرسة النظرية في علم التاريخ التي تُخضع المعلومات والروايات التاريخية لمفاهيم ونظريات وقناعات المؤرّخ، وبين المدرسة الانصياعيّة التي تنظر إلى الروايات وتعالجها من دون نقد أو تنظير وتعيد سردها بنوع من السطحية

المصادر القليلة جداً لا تساعد في الإجابة على هذا السؤال بأمانة تاريخية، كون أي شيء نقوله هو إفتراضي وعرضة للشكّ، والأهم أنّه لا يساعدنا بتاتاً في إطلاق تعميمات وآراء شمولية عن تلك الفترة.

لنأخذ مثلاً السردية الشائعة عند كثير من المؤرخين ورواة التاريخ أنّ العرب قبل الإسلام كانت تؤمن بالدهر. على ماذا بنيت هذه السردية؟ بنيت على استدلالات استنتجها الرواة المسلمون والمؤرخون المعاصرون من بعض أبيات الشعر من عصر الجاهلية. من الأمثلة على ذلك ما يقوله زهير بن أبي سُلمى في معلقته:

سئمت تكاليف الحياة ومن يعش/ ثمانين حولاً لا أبا لك يسأم

وأعلم ما في اليوم والأمس قبله/ ولكنني عن علم ما في غد عم

رأيت المنايا خبط عشواء من تصب/ تمته ومن تخطىء يعمّر فيهرم

يمكننا القول أنّ زهير بن أبي سلمى عبّر في هذه الأبيات عن قناعة بمحدودية فهم الانسان لزمنه ولمصيره. لكن هل هذا يعني أنّ زهير كان يؤمن بالدهر وأنّه بإمكاننا أن نعممّ ونستنتج من ذلك أنّ العرب على أمّها وأبيها كانت أيضاً تؤمن بالدهر؟ هذا سؤال بحاجة إلى أدلّة غير موجودة بعد، والقول فيه هو نوع من اختراع سردية للتاريخ واسقاطها على تلك الفترة، أي كتابة التاريخ وفقاً لما تمليه علينا قناعاتنا ونظريّاتنا، لا كما هو. لكن أريد العودة إلى أبيات زهير بن أبي سلمى. هل هي فعلاً دليل على أنّه كان يعتقد بالدهر؟ للتأكد من ذلك، علينا قراءة معلّقته كاملةً لعلّنا نجد فيها أموراً أخرى تساعدنا على فهم أوضح لفكره ومعتقداته. بالفعل، نجد في المعلّقة بيتين يقول فيهما زهير:

إقرأ على موقع 180  ما دخَلَ الدينُ السياسي بلداً إلا وكانت النتيجة حرباً أهلية!

فلا تكتمن الله ما في صدوركم/ ليخفى ومهما يكتم الله يعلم

يؤخّر فيوضع في كتاب فيدخر/ ليوم الحساب أو يُعجّل فينقم

يشير محتوى هذين البيتين إلى أنّ زهير كان يؤمن بالله ويؤمن بأنّ الله يعلم كلّ شيء ويمكنه إفشاء الأسرار إذا شاء أو ارجائها إلى يوم الحساب.

إذا قارنّا البيتين الشعريين الأخيرين بالأبيات السابقة، نواجه معضلة يصعب حلّها بما لدينا من معلومات: هل كان زهير يؤمن بالله أم كان دهريّاً؟ أو كان يؤمن بالإثنين معاً؟ أو كان يتأرجح بينهما ككثير من البشر؟ إذا كان من الصعب فهم ما عناه زهير بدقّة في هذه الأبيات وفهم قناعاته وفلسفته، فكم بالأحرى إذا قمنا بتعميم ذلك على كثير من شعراء الجاهليّة وعلى كلّ العرب في تلك الفترة؟ هل يسمح لنا ذلك بكتابة سردية تاريخية عنهم وعن دينهم ومعتقداتهم؟ وإذا أصريّنا على سردية معيّنة، هل تكون حقيقة تاريخية أم مجرد رأي في التاريخ؟

القول إنّ كلمة الموءودة في القرآن تعني عادة وأد البنات وأنّها كانت شائعة في الجاهلية ليس له أساس في القرآن. الكلام على عادة وأد البنات نجده في الرواية الإسلامية للعصر الجاهلي

ما فعله كثير من الراوة والمؤرخين (القدماء والحاليين) أنّهم بالغوا في تحليل بعض أبيات معلّقة زهير بن أبي سلمى وشعراء مثله، وتصوّروا أنّها تتضمن أموراً ليس بالضرورة أنّها تحتويها، وتغاضوا عن أبيات أخرى (أو لم يقرأوها) تدحض ما ذهبوا إليه، وعمّموا استنتاجاتهم على كامل العرب في تلك الفترة. وتعميم رأي الفرد أو الأفراد على الجمع هو خطأ يرتكبه المؤرخون بشكل دوري، وهو ينتج عن منهجية ومقاربة في علم التاريخ تشجّع على ذلك وتخلق نوعاً من التسطيح الفكري، وتساعد أيضاً في تعميم سرديات رجعية ليس لنا قدرة على معرفة صحّتها أو دقتها. إذاً، عندما نعمّم بهذا الشكل، نحن نخترع التاريخ أو نضخّمه بدل أن نرويه.

مثال آخر على إشكالية تاريخ ما قبل الإسلام هي سرديّة وأد البنات، أعني الرواية الشائعة عن أنّ العرب كانت تدفن البنات وهن أطفال وذلك إستناداً إلى نظرة تشاؤمية للأنثى أو درءاً للعار. هنا أيضاً على المؤرخ البحث عن إثباتات. إذا قلنا إنّ الإثبات موجود في القرآن – “وإذا الموءودة سئلت، بأي ذنب قتلت” (سورة التكوير: 9-10) – فهذا إثبات إيماني وليس بإثبات تاريخي، خصوصاً أنّ القرآن لا يذكر أي تفصيل عن هذا الموضوع. من هي هذه الموءودة وأين كانت؟ القرآن لا يجيبنا، وهو يحكي عن حالة واحدة لا عن موءودات، ولا يشير إلى مكانها، إن كان في جزيرة العرب أو في الهند، ولا إلى زمانها، في الجاهلية أم فترة النبي إبراهيم مثلاً. للدقّة هنا، إذا قرأنا سورة التكوير، نجد آياتها تنتقل بشكل دقيق بين المفرد، إذا كان الكلام عن الشيء الواحد (كالشمس والقمر والسماء)، والجمع، إذا كان الكلام عن أشياء كثيرة (كالنجوم والنفوس والبحار). إذاً القول إنّ كلمة الموءودة في القرآن تعني عادة وأد البنات وأنّها كانت شائعة في الجاهلية ليس له أساس في القرآن. الكلام على عادة وأد البنات نجده في الرواية الإسلامية للعصر الجاهلي.

لذلك علينا السؤال: لماذا قررّ الرواة المسلمون سرد تاريخ العصر الجاهلي بهذه الطريقة التي إختاروها؟ هل تحتوي سرديتهم على حقائق أم على أخبار اخترعوها أم على أشياء استنتجوها أو استنبطوها وعمّموها؟ وهل تأثرت سرديتهم بقناعة دينية مفادها إبراز عصر الجاهليّة كنقيض للإسلام؟ الأرجح أنّهم فعلوا كلّ هذه الأمور. ولذلك وجب القول بضرورة إعادة البحث في تاريخ الجاهلية. حتّى أن العديد من العلمانيين العرب في القرن العشرين نسجوا أيضاً سردية للتاريخ الجاهلي كنقيض للإسلام، وهي سردية مختلفة لكنّها رجعية أيضاً، وذلك من أجل إيجاد أرضية للأدب والفكر العربي والهوية العربية العلمانية خارج الإطار الإسلامي.

خلاصة الأمر، أن فهمنا للتاريخ الجاهلي يساعدنا ليس فقط على فهم تلك الفترة بل فهم فترة نشوء الإسلام واعطاء تفسير تاريخي لنجاحه وانتشاره. لذلك علينا أن نعيد التدقيق بالسرديات وبعض الحقائق القليلة التي لدينا لعلّنا نجد بعض الركائز التي يمكن أن نبني عليها تاريخاً سليماً. عندما نفعل ذلك، نصبح مؤرخين وننتج التأريخ. إمّا إذا أصرّينا على نقل الروايات الشائعة، نكون هواة نقل وتكرير وإنتاج خرافات.

Print Friendly, PDF & Email
سليمان مراد

كاتب وأستاذ جامعي مقيم في الولايات المتحدة

Download Premium WordPress Themes Free
Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  في ماهيّة الإسلام: الجهاد في التراث الاسلامي (6)