هاجس أهل البيت الخليجي.. الحماية الخارجية أولاً!

نظرياً، كان مراداً لمجلس التعاون الخليجي عندما تأسس قبل حوالي الأربعة عقود "تحقيق التنسيق والتكامل والترابط" بين دوله.. وصولاً "إلى وحدتها". عملياً، لم ينشأ المجلس إلا على وقع الثورة الخمينية في إيران.. والهدف هو تأمين الحماية لتلك الأنظمة ودرء الأخطار المحدقة بها من ناحية "الشرق"!

ما كان لمجلس التعاون الخليجي أن ينشأ إلا تحت تأثير ظروف خارجية قاهرة، إذ أنه أتى في سياق ردة فعل وليس نتيجة فعل عربي عن سابق إصرار وتصميم يحاكي مشاكل البيت الخليجي وهي كثيرة، تبدأ من الحدود المتنازع عليها؛ الصراعات القبلية؛ الرغبة في السيطرة على الموارد الطبيعية من نفط وغاز، فضلاً عن طموحات التسيد والزعامة. مشاكل كانت وما زالت تستدعي المزيد من التعاون  وصولاً إلى وضع منطقة الخليج في سكة الدول المتقدمة بقدراتها الذاتية وليس بحماياتها الخارجية.

خلافات الحدود

لم تأت النزاعات الحدودية بين دول الخليج من فراغ. عملت قوى الاستعمار على تقسيم تلك المنطقة إلى كيانات وبذر الخلافات الحيّة في ما بينها وطمرها تحت كثبان الرمال المتحركة، مع توفر أرضية خصبة مساعدة على تأجيج تلك النزاعات نتيجة الطبيعة القبلية والتركيبة الاجتماعية في أكثر مناطق العالم أهمية بالنظر إلى ثرواتها النفطية.

لا شك أن التقسيم الذي طال الجزيرة العربية في القرن الماضي كان أول من استهدف الدولة السعودية التي تمتد أراضيها على أربعة أخماس مساحة الجزيرة العربية، ولم يترك الإنكليز المنطقة عام 1971 قبل الاطمئنان على ولادة خمسة كيانات صغيرة تمتد من جنوب المملكة إلى شمالها، قضمت جزءاً يسيراً من واجهة المملكة على الخليج العربي، وأبقت على أكثر من منطقة حدودية دون البت فيها بصورة نهائية لتشكل عناصر خلافية يمكن تحريكها ساعة يشاؤون. وفي المقابل، لم تقف السعودية مكتوفة الأيدي بل سعت بكل ما تملك من قوة وقدرة لفرض اتفاقيات بشأن الحدود المتنازع عليها، بالترغيب حيناً وبالتهديد حيناً آخر.

فواحة البريمي، على سبيل المثال لا الحصر، التي تتقاطع فيها حدود كل من السعودية وعمان والإمارات، والتي شهدت نزاعات مسلحة في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي بين قبائل ساحل عُمان المتصالح (الذي تألفت منه عام 1971 دولة الإمارات) من جهة، والقبائل السعودية والعُمانية من جهة ثانية، ما زالت موضع خلاف بين السعودية والإمارات برغم إبرام اتفاقية بخصوصها عام 1974، والتي احتفظت بموجبها أبو ظبي بقرى منطقة البريمي الست التي كانت تابعة لها بما فيها العين. وفي المقابل، حصلت الرياض على خور العديد الذي يشمل منطقة ساحلية بطول 25 كلم تقريباً، ومن خلاله استطاعت أن تفصل الرياض بين أراضي أبو ظبي وقطر، وحصر اتصال الأخيرة باليابسة من خلال المملكة فقط.

هذا التطور الجيوسياسي لمصلحة السعودية كان السبب عام 1992 بنشوب خلاف بينها وبين قطر، وبلغ حدّ الصدام المسلح ووقوع قتلى من الطرفين، إلى أن وقّعا اتفاقية ترسيم الحدود بشكل نهائي عام 2001. هذا الأمر أتاح للسعودية عام 2017، إبان القطيعة بين البلدين، تهديد جارتها قطر بشق قناة مائية تفصل قطر عن اليابسة وتمتد من منطقة سلوى إلى خور العديد بطول الساحل الشرقي للمملكة بمسافة تصل إلى نحو 60 كيلومتراً، وصولاً إلى ملئه بالتماسيح وأسماك القرش، برغم إن الإعلان الرسمي للمملكة يشير إلى أن القناة المائية المذكورة عبارة عن مشروع سياحي واستثماري!

وعندما أطلت نذر التنافس بين الرياض وأبو ظبي عام 2019 على وقع انسحاب الأخيرة المفاجئ من حرب اليمن، شرعت المملكة بشق طريق برية تصلها بسلطنة عُمان بطول 725 كلم، وهو المشروع الذي عُرف بـ”طريق الربع الخالي”، وقام بافتتاحه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أثناء جولته الخليجية الأخيرة، وهذا المشروع أتاح للسلطنة الاتصال بالمملكة دون المرور بالإمارات التي عبّر قادتها عن عدم إرتياحهم من مشروع جعلهم بالتالي يزيدون استثماراتهم في السلطنة بغية استقطابها إلى صفهم، في أحسن الأحوال أو تحييدها في أسوأ السيناريوات.

والحدود السعودية مع الكويت ليست أفضل حالاً بخصوص “المنطقة المقسومة المحايدة”، التي اختلف البلدان بشأنها وتوقف استخراج النفط منها طيلة خمس سنوات (2014-2019)، ليعودا مؤخراً إلى تقاسم مواردها مناصفة.

أما الحدود السعودية الهادئة والمستقرة فمقتصرة على حدودها مع البحرين، المملكة التي أشبه ما تكون بمنطقة حكم ذاتي تابعة للسعودية، نتيجة سطوة وهيمنة الأخيرة عليها. ولن أتطرق إلى إشكاليات الحدود السعودية اليمنية وما يجري حالياً هناك، لأن دولة اليمن إستبعدت عن مجلس التعاون الخليجي منذ نشأته الأولى.

ثمة تحدٍ طارئ على المنظومة الخليجية، وهو تسلم الجيل الثالث من الأمراء زمام السلطة في ثلاث دول خليجية (الإمارات والبحرين وقطر)، والسعودية لا تختلف عنهم كثيراً كون الحاكم الفعلي للمملكة هو ولي العهد محمد بن سلمان. أما الكويت فتتهيب تولية الأمراء الشباب، فيما تميزت سلطنة عُمان هذه المرة عن شقيقاتها، حيث انتقل الحكم فيها من السلطان قابوس بن سعيد إلى ابن عمه هيثم بن طارق لعدم وجود أبناء للأول

إشكالية القبيلة

ونحن نفتح أولى صفحات العام 2022، ما تزال سياسات دول الخليج محكومة بقيود قبلية ولم تُوفق محاولات المنظومة الخليجية في دمج القبيلة في الدولة، في الوقت الذي تُميّز فيه أنظمة الخليج بين عرب الحاضرة وعرب القبيلة، أو بالأحرى مواطن درجة أولى ومواطن درجة ثانية.. ومواطن درجة ثالثة أحياناً، وذلك على غرار تصنيف الدوحة في أول انتخابات تشريعية في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، عندما حصرت حق الترشح والتصويت بالقطريين “الأصليين”، أما القطريون المجنسون المولودون في قطر والذين حصل أجدادهم على الجنسية القطرية، فيحق لهم التصويت من دون الترشح، ولم يُسمح لباقي المجنسين لا بالترشح ولا بالتصويت. وقد أدّى هذا التدبير إلى خروج بعض القبائل من حلبة المنافسة، وعلى رأسها قبيلة آل مرّه، وهذا ما يدفع إلى تعزيز الانتماء القبلي الذي يرى فيه الانسان العربي كيانه وشخصيته غير منقوصة ومحفوظة في رابطة الدم.

ربما يصح القول إن الكويت أول دول خليجية نجحت في مأسسة هيئاتها القبلية، بينما تتمتع الهيئات القبلية بصفة شبه رسمية في السعودية والبحرين وعمان، أما الإمارات فينص فيها القانون على أن الهيئات القبلية مؤسسة من مؤسسات الدولة. ولكن لم يتم دمج جميع القبائل بمقياس متساوٍ، ففي معظم بلدان الخليج يجري التمييز بين القبائل، وفق معايير مختلفة كالأصالة مثلاً، على غرار ما أشرنا إليه آنفاً في ما خص الانتخابات القطرية.

والدولة في الخليج ما هي إلا دولة قبلية حديثة، حيث ان العقلية القبلية سمة غالبة في إدارة شؤونها، سواء على مستوى الداخل حيث لا ديمقراطية في معظمها، ويُمارس فيها حكم “الأبوية” من قبل العائلات التي تتوارث الحكم من عشرات أو مئات السنين، أو على مستوى الخارج حيث يظهر التعاطي القبلي بين تلك الدول أيام التوتر والتصعيد وصولاً إلى القطيعة، دون أدنى مراعاة للمشاريع الاستراتيجية فيما بينها والروابط الرحمية. المثال الصارخ يتمظهر في الموقف السعودي والإماراتي والبحريني من دولة قطر إبان القطيعة (2017-2020)، وفرض الحصار البري والجوي والاقتصادي عليها، وهو تمظهر من تمظهرات العقلية القبلية، وكأنه يستدعي للمخيلة حروب داحس والغبراء بين القبائل العربية الجاهلية.

إقرأ على موقع 180  الحرب النفطية بين موسكو والرياض: الحصة.. والدور

في المحصلة، طال التحديث والتغيير ذهنية أفراد القبيلة حتى أن بعض مدن الخليج صارت تنافس مدنا عالمية في الضوضاء والبهرجة والأبراج والمتاجر والماركات والأسواق، لكن أي إهتزاز في وضع قادة القبائل يمكن أن يعرض هذه المشهدية للخطر في أي لحظة من اللحظات.

تحديات العمالة الوافدة

أربع دول خليجية يشكل مواطنوها من 10 إلى 40% في أبعد تقدير من عدد الوافدين، وهي: الإمارات والبحرين والكويت وقطر، فيما تتميز السعودية وعُمان بزيادة عدد مواطنيهما عن عدد العمالة الوافدة، برغم أن السعودية تستقطب قرابة نصف عدد العمالة الوافدة إلى دول الخليج الست والذين يقدرون بحوالي 17 مليون نسمة، ويرتفع العدد إلى نحو 23 مليون إذا احتسبنا أفراد أسرهم، ما يعني أنهم يُشكلون أكثر من ثلث أهل دول مجلس التعاون الخليجي المقدرين بنحو سبعة خمسين مليون نسمة نصفهم تقريباً في السعودية. هذا مؤشر يُهدد الواقع الديموغرافي والهوية العربية وربما كيانات تلك الدول من أصلها، لا سيما في ضوء عدم تسجيل زيادة ملحوظة في عدد السكان الأصليين.

ولعل القاسم المشترك بين معظم دول الخليج تفضيلها العمالة الأسيوية الأجنبية (الهند وباكستان والفيليبين وبنغلادش) على العمالة العربية، لإعتبارات سياسية وإقتصادية وإجتماعية، أبرزها الخشية من التعاطي بالشؤون السياسية أو النقابية أو حتى إبداء الرأي فقط، ومعظم هذه الدول تحظر نشاط من يحمل أفكاراً سياسية أو ينتمي إلى كيانات سياسية، كالإخوان المسلمين وحزب الله اللبناني.

الجيل الثالث 

ثمة تحدٍ طارئ على المنظومة الخليجية، وهو تسلم الجيل الثالث من الأمراء زمام السلطة في ثلاث دول خليجية (الإمارات والبحرين وقطر)، والسعودية لا تختلف عنهم كثيراً كون الحاكم الفعلي للمملكة هو ولي العهد محمد بن سلمان. أما الكويت فتتهيب تولية الأمراء الشباب، فيما تميزت سلطنة عُمان هذه المرة عن شقيقاتها، حيث انتقل الحكم فيها من السلطان قابوس بن سعيد إلى ابن عمه هيثم بن طارق لعدم وجود أبناء للأول.

ثمة تطورات دولية وإقليمية تستوجب من دول الخليج العربي وضع استراتيجيات تحاكي هذه التطورات التي يشهدها العالم من صعود الصين إلى عودة روسيا إلى الساحة الدولية بفعالية، وصولاً إلى إيران دولة عتبة أو حافة نووية.. من دون إغفال بعد إستراتيجي هو مسار التطبيع مع إسرائيل

لا خشية من تسلم الجيل الثالث زمام السلطة في دول الخليج، إلا أن الخوف يكمن في رؤى ومنهجية واستراتيجية هذا الجيل، خصوصاً في السعودية والإمارات، أبرز دولتين مؤثرتين في البيت الخليجي. الأولى يقودها بن سلمان بعقلية يختلط فيها الطموح الشخصي المفرط بشغف الهيمنة والسيطرة، والثانية يقودها ولي عهدها محمد بن زايد الذي قفز بالإمارات إلى مقدمة دول الخليج، متسلحاً بتحالفه المميز عن باقي دول الخليج مع الولايات المتحدة وتطبيع علاقات بلاده مع إسرائيل، متجاوزاً الشقيقة الكبرى (السعودية). وهذا التجاوز أيقظ بن سلمان من كبوته بعد رعاية بن زايد له مذ اعتلى والده الملك سلمان بن عبد العزيز عرش المملكة عام 2015..

تموضع المنظومة الخليجية

من المعروف أن دول الخليج تُسلم أمر حمايتها منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية إلى الولايات المتحدة، لكن ثمة ما طرأ نتيجة تقلب سياسة الأخيرة، سواء مع حلفائها أو مع خصومها ولا سيما في ضوء الإنسحاب الأميركي من أفغانستان، عدا عن نية إعادة النظر في حدود دورها في الشرق الأوسط لأجل التفرغ لصراعها الاستراتيجي مع الصين من جهة، ومع روسيا الاتحادية من جهة ثانية.

وقد ولّدت هذه المستجدات هواجس جديدة لدى قادة دول الخليج، فدفعتهم للبحث عن أدوات جديدة للحماية، خصوصاً بعد أن دخل النفط الأحفوري مرحلة الشيخوخة، وهو بيت القصيد لدى القوى الغربية وعلى رأسهم أميركا، فإذا ما نضبت هذه السلعة الاستراتيجية، سوف تتراجع مكانة وأهمية منطقة الشرق الأوسط لدى واشنطن بصرف النظر عن صراعها مع الصين وروسيا أو من عدمه.

وعليه، نلحظ سياسات خليجية جديدة ما زالت في مرحلة التبلور، حيث تسعى كل من الإمارات والسعودية للتزود بأحدث أنواع الأسلحة من الولايات المتحدة أو من غيرها، وذلك بهدف بناء منظومة دفاعية ذاتية تحسباً لمستقبل تنتفي فيه الحماية أو المظلة الأميركية التي تفيأت بها المنظومة الخليجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لتاريخه.

وثمة جهود خليجية تعمل على توحيد صفوفها بعد ما أصابها من تشرذمات وانقسامات أفقدتها لحمتها ووحدة مساراتها، لا سيما بعد غزو العراق للكويت عام 1990، حيث راحت كل دولة تعقد اتفاقات أمنية وعسكرية منفردة مع الولايات المتحدة، ما سمح للأخيرة باستباحة دول الخليج بطولها وعرضها بما فيها السعودية التي طالما رفضت أو تمنعت عن الموافقة على انتشار قوات أميركية على أراضيها.

وعليه، تشتت القرار الخليجي، ولم يعد هناك سياسة خليجية واحدة كان لمجلس التعاون دور رئيسي فيها، ولم يعد أيضاً بمقدور الرياض ممارسة دور ضابط الإيقاع لتلك السياسة، بحيث أمست دولة بحجم قطر ترسم سياسات دولية وتحيك تحالفات إقليمية ودولية بمعزل عن رأي الرياض أو غيرها من الدول الخليجية.

والأنكى من ذلك، بات هناك علاقات وديّة وتجارية وسياسية بين بعض دول الخليج العربية وألد أعداء أو خصوم السعودية (إيران وتركيا). فالسعودية حكمت نفسها بعلاقات صراعية مع إيران، فيما تميزت ثلاث دول خليجية على الأقل (عُمان وقطر والإمارات) بعلاقات تعاون مع الأخيرة.

ونتيجة لهذه التطورات، الدولية والإقليمية، كانت جولة محمد بن سلمان الخليجية الأخيرة محاولة منه لرأب الصدع في البيت الداخلي، والبحث عن أرضية مشتركة للتعامل مع المرحلة المقبلة، وما قد تحمله من متغيرات وتحديات سياسية واقتصادية، وقد شاهدنا كيف “تضامنت” دول الخليج مع قرارات السعودية الأخيرة تجاه لبنان إثر أزمة تصريحات وزير الإعلام اللبناني المستقيل جورج قرداحي في ما يخص الأزمة اليمنية. حتى أن سلطنة عُمان الملتزمة بدورها التاريخي سواء مع جيرانها الخليجيين أو مع جارتها الشرقية (إيران) التي تتقاسم معها النفوذ في مضيق هرمز، تفاعلت بصورة إيجابية مع الاستثمارات السعودية المليارية في طريق الربع الخالي البري، الذي يُعوّل عليه كثيراً في تنشيط اقتصاد السلطنة الذي يعاني من أزمة.

في الخلاصة، ثمة تطورات دولية وإقليمية تستوجب من دول الخليج العربي وضع استراتيجيات تحاكي هذه التطورات التي يشهدها العالم من صعود الصين إلى عودة روسيا إلى الساحة الدولية بفعالية، وصولاً إلى إيران دولة عتبة أو حافة نووية.. من دون إغفال بعد إستراتيجي هو مسار التطبيع الذي بدأ في العام 2021 بين إسرائيل وعدد من الدول العربية ويُنتظر إستمراره وإتساعه في العام 2022، برعاية أميركية!

Print Friendly, PDF & Email
مهدي عقيل

كاتب لبناني

Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
Download Premium WordPress Themes Free
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  الإنتخابات الإيرانية والإتفاق النووي.. من يصل أولاً؟