“شرق” الإيرانية: روسيا ليست ملاكاً والغرب ليس شيطاناً!
ANKARA, TURKEY - APRIL 16: President of Turkey, Recep Tayyip Erdogan (R) introduces Presidential Complex and Ankara to President of Iran, Hassan Rouhani (L), at the balcony of Presidential Complex, in Ankara, Turkey on April 16, 2016. (Photo by Presidency of Turkey / Murat Cetinmuhurdar/Anadolu Agency/Getty Images)

"روسيا ليست الملاك الذي تتظاهر به"، هذا عنوان صحيفة "شرق"، إحدى أبرز الصحف التابعة للتيار الإصلاحي في إيران، وذلك بالتزامن مع استئناف مفاوضات فيينا، وهي تُعبّر بذلك عن موقف قادة هذا التيار السياسي الذين يعتقدون أن تاريخ العلاقات الإيرانية الروسية في آخر مائتي سنة يشي برغبة روسية "في الهيمنة على قرار إيران". ماذا يقول المقال الإيراني المذكور؟

“لا شك أن روسيا وإسرائيل هما الدولتان المستفيدتان من تصعيد التوتر بين طهران وواشنطن، فحل الخلافات بين إيران وأميركا يعني خفض حاجة طهران إلى موسكو.

انتشار صور الاجتماع الذي دار بين المفاوض الروسي ميخائيل أوليانوف والأميركي روبرت مالي على هامش اجتماعات فيينا أثار الكثير من الجدل على الصعيد الإعلامي في إيران.

لم يكن هذا أول تصرف استفزازي يُقدم عليه المفاوض الروسي منذ إنطلاق مفاوضات فيينا وفي حال عدم الرد بالشكل المناسب عليه، من المرجح أنه لن يكون الأخير من نوعه.

ففي تصريحات سابقة لا تخلو من الوقاحة، قال أوليانوف إن روسيا والصين أقنعتا إيران بأن تتخلى عن سياسة رفع سقف المطالب وأن يتم استئناف المفاوضات حسب المسودة التي تم التوصل إليها في الربيع الماضي (حزيران/يونيو 2021) بعد ست جولات من المفاوضات خاضتها حكومة حسن روحاني السابقة مع مجموعة دول 4 + 1.

هذه التصريحات التي تعتبر تدخلاً في الشأن الداخلي الإيراني لم تواجهها السلطات الإيرانية بالرد المناسب، ولو إفترضنا أنها صحيحة، فهي تعتبر مهينة وبعيدة كل البعد عن الأعراف الديبلوماسية.

وبعيداً عن التقييم الرسمي الإيراني لهذه الصورة والتصريحات، ما فهمه الرأي العام الإ يراني منها هو أن روسيا تقوم بدور الوصي على إيران في المفاوضات وهذا بالطبع لا يخدم المصالح الوطنية الإيرانية ولا ينسجم مع مبادئ ثورتها.

العلاقات الإيرانية الروسية بعد إنقلاب أكتوبر (ثورة 1917) في روسيا شهدت الكثير من مراحل الشد والجذب التي لا يتسع المجال للإشارة إليها في هذا التقرير.

التوتر الذي ساد العلاقات سواء في الحقبة القيصرية أو ما بعد إنقلاب أكتوبر يشير بوضوح إلى أن الجارة الشمالية كانت تسعى على الدوام لبسط نفوذها والتأثير على القرار السياسي لنظام الحكم في طهران.

القلق الروسي كان وما زال يتلخص في أن يلعب هذا الإتفاق النووي دوراً في التمهيد أمام حل الخلافات بين إيران وأميركا لأن الجارة الشمالية تعلم جيداً أن الرأي العام الإيراني على الصعيدين الشعبي والرسمي لا يصب في مصلحة العلاقات الإيرانية الروسية وذلك بسبب التجارب المريرة التي سجلتها العلاقات الثنائية بالنسبة للإيرانيين على مدار 200 سنة

التوتر المتصاعد مع الغرب في العقود الأربعة الأخيرة وعدم إيجاد مخرج آمن للأزمة النووية شكلا عنصرين حاول الكرملين استغلالهما لتحقيق أهدافه في الوقت الراهن، وبحسب تصريحات الزعماء الروس وإدعاءاتهم ليس أمام طهران إلا اللجوء إلى روسيا. التصريحات والصور التي نشرها أوليانوف يجب أن نقرأها في هذا الإطار فقط لا غير.

تصريحات وزير الخارجية الإيراني السابق محمد جواد ظريف والتي تم تسريبها على شكل تسجيل صوتي أثّر بشكل واضح على مستقبله السياسي، إنما يُفسر هذه القراءة بشكل واضح. قال ظريف في ذلك التسجيل إن روسيا في الأسبوع الأخير من المفاوضات التي انتهت بتوقيع الإتفاق النووي 2015 بذلت كل ما بوسعها لعرقلة التوصل إلى الإتفاق وشاهدنا غياب وزير الخارجية الروسي (لافروف) عن الصورة الشهيرة التي تم التقاطها بعد توقيع الإتفاق النووي.

القلق الروسي كان وما زال يتلخص في أن يلعب هذا الإتفاق النووي دوراً في التمهيد أمام حل الخلافات بين إيران وأميركا لأن الجارة الشمالية تعلم جيداً أن الرأي العام الإيراني على الصعيدين الشعبي والرسمي لا يصب في مصلحة العلاقات الإيرانية الروسية وذلك بسبب التجارب المريرة التي سجلتها العلاقات الثنائية بالنسبة للإيرانيين على مدار 200 سنة.

بقاء الأوضاع على ما هي عليه ونظراً إلى الدور الذي تلعبه في الحد من الخيارات أمام إيران، هي أفضل الحلول من وجهة النظر الروسية من أجل الحفاظ على علاقاتها مع إيران.

بالنسبة لاسرائيل أيضاً فإن استمرار التوتر الإيراني مع الغرب وشعارات “إزالة إسرائيل من الوجود” تساعدها على تحقيق استراتيجيتها التي عجزت عن تحقيقها منذ تأسيسها وموجة التسويق لإيران على أنها البعبع والخطر المتربص بدول المنطقة بسبب أزمتها النووية مع الغرب يفتح الطريق أمام تحقيق الإستراتيجية الإسرائيلية.

تل أبيب تدرك جيداً أن إيران ونظراً إلى الجغرافيا السياسية التي تتمتع بها هي بمثابة مقر آمن لتحقيق الأمن والإستقرار في منطقة الشرق الأوسط بالنسبة للحزبين الحاكمين في أميركا، وفي حال التوصل إلى حلول تفضي إلى علاقات عادلة بين إيران وأميركا فإن الولايات المتحدة سوف ترجح التعاون مع إيران على جميع الدول الأخرى.

تحقُق هذا الأمر الهام سوف ينهي مشروع التخويف من إيران الذي حقق مصالح غير قابلة للإنكار اسرائيلياً. التعاون بين إسرائيل وروسيا برغم أننا نصنف إحداهما (روسيا) بالحليفة والأخرى (إسرائيل) بالعدوة، إلا أن التنسيق الأمني والسياسي والعسكري بين الدولتين على أعلى مستوياته ولا تخفى الاجتماعات التنسيقية بين موسكو وتل أبيب عن أعين المراقبين والمحللين في إيران كما أن الساسة في روسيا واسرائيل لا يخفيان الأمر على الإطلاق.

إقرأ على موقع 180  "فورين أفيرز" عن مفاوضات فيينا: كُلّ شيء أو لا شيء!

التطورات على الأراضي السورية والقصف الاسرائيلي المتكرر للمواقع الإيرانية هي مصداق بارز للعلاقات الروسية الاسرائيلية، فلا شك أن الحملات الجوية الاسرائيلية المتعددة التي تستهدف أي نقطة تحمل آثاراً إيرانية وعدم التصدي لهذه الحملات من قبل المضادات الجوية الروسية المتطورة هو دليل على أن هذه الحملات تتم بالتنسيق بين روسيا واسرائيل.

استراتيجية التطلع إلى الشرق بشكل حصري أو التعامل مع الدول الغربية باستثناء أميركا سوف تبقى مجرد خيال لا يحقق أي فائدة وقد شاهدنا كيف أن الدول الأوروبية عجزت عن الإلتزام بقناة “انستكس” التي كان من المقرر أن تفتتحها تلك الدول بهدف إنقاذ الإتفاق النووي وذلك بسبب معارضة ترامب

قبل ثلاث سنوات، أعلن وزير الدفاع الروسي وهو واقف إلى جانب نظيره الإسرائيلي أن التواجد العسكري الإيراني بالقرب من الحدود الإسرائيلية هو من الخطوط الحمراء بالنسبة لموسكو.

وفي العلاقات الروسية الإيرانية يوجد خطوط حمراء أخرى إلى جانب اسرائيل، فروسيا كما الدول الغربية تعتبر امتلاك إيران سلاحاً نووياص أو حتى عضويتها في نادي الدول النووية خطاً أحمرَ اللون بالنسبة إليها.

في مجال تأمين الغاز، تُعتبر إيران منافسة لروسيا وكما نرى فإن سياسة التوتر المتصاعد مع الغرب فتح الباب أمام روسيا لأن تعزف بمفردها في هذه الساحة واستغلت الفرصة بأن قامت بتعويض النقص الناتج عن إخراج الغاز الإيراني من الخارطة الأوروبية.

نحن الآن على أعتاب زيارة مرتقبة للرئيس ابراهيم رئيسي إلى موسكو، هذه الزيارة تأتي في وقت حساس للغاية. روسيا بحاجة إلى ورقة إيران كنقطة قوة لها في مواجهتها مع أميركا، كما أن طبيعة التعامل بين إيران وروسيا والإتفاقيات التي يتم التوصل إليها تلعب دوراً بارزاً في رسم ملامح الاستراتيجية الغربية تجاه إيران.

إضافة إلى البرامج الروسية والأميركية فإن إيران وبرغم جميع المشاكل تملك الكثير من نقاط القوة التي يجب أن تستغلها، الصمود في وجه الأطماع الغربية هو الوجه البارز في عملة السياسة الخارجية الإيرانية.

هنالك الكثير من الكلام عن أضرار وفوائد هذا التوجه ولكن المؤكد هو أن الاستمرار على هذا النهج يضيّع على إيران الكثير من الفرص ويفتح المجال أمام منافسي إيران الإقليميين وهذا لا يخدم المصالح الوطنية الإيرانية.

الغرب ليس أسوداً وقذراً كما نتصوره والشرق أيضاً ليس ملاكاً كما يصوّر نفسه وأساساً هذا التقسيم ليس موجوداً على أرض الواقع.

جميع الدول تبني استراتجيتها وفق المسار الذي يحقق لها أكبر قدر من المصالح التي تعنيها وفي عالم السياسة الخارجية لا يوجد عدو دائم كما لا يوجد صديق دائم.

الاستراتيجية المنطقية التي يجب على إيران أن تطمح لتحقيقها هي أن تستخدم علاقاتها مع جميع الدول بما فيها الصين وروسيا وأميركا والدول الأوروبية والهند و…. من أجل إعمار وإزدهار إيران.

الخطوة الأولى على هذا المسار هي التخلص من شر العقوبات وهذا الأمر الهام لكي يتحقق لا بد من تغيير السلوك والتصالح مع البلد الذي يدير بيده لوحة التحكم بالعقوبات.

استراتيجية التطلع إلى الشرق بشكل حصري أو التعامل مع الدول الغربية باستثناء أميركا سوف تبقى مجرد خيال لا يحقق أي فائدة وقد شاهدنا كيف أن الدول الأوروبية عجزت عن الإلتزام بقناة “انستكس” التي كان من المقرر أن تفتتحها تلك الدول بهدف إنقاذ الإتفاق النووي وذلك بسبب معارضة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب لهذا المشروع.

ولو أن أوليانوف حصل بالفعل على “الكارت” الأخضر من إيران، فإن أميركا لن تمنحنا هذا الإمتياز الكبير عن طريق الصين وروسيا لا بل إنها لن تفعل ذلك عن طريقها حلفائها الأوروبيين أيضاً.

العقل والحكمة والمصالح الوطنية تدفعنا إلى البحث عن آلية من أجل التفاوض بشكل مباشر مع الدولة التي تفرض العقوبات وفي تجارب رجب طيب أردوغان في هذا المجال الكثير من الدروس والعبر التي يمكن أن نستقيها.

طائرة “سوخوي” الروسية المتطورة أُسقطت في الأجواء التركية. السفير الروسي قتل في أنقرة. أردوغان سخّر كافة إمكانياته لإسقاط نظام الأسد في سوريا وفي ذلك ناطح الدب الروسي لعدة سنوات، وفي النهاية اشترى منظومة الدفاع الصاروخي اس 400 من البلد ذاته”!

(*) النص الأصلي باالفارسية في جريدة “شرق” 

Print Friendly, PDF & Email
طهران ـ علي منتظري

كاتب وصحافي ايراني مقيم في طهران

Free Download WordPress Themes
Free Download WordPress Themes
Download Best WordPress Themes Free Download
Download Nulled WordPress Themes
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  تركي الفيصل.. وشرارة النار المستعرة بين الرياض وأبو ظبي