هكذا تسلّل الحرس الثوري إلى لبنان في صيف 1982 (72)

في هذا الفصل من كتابه "انهض واقتل اولاً، التاريخ السري لعمليات الاغتيال الاسرائيلية"، يتحدث الكاتب "الإسرائيلي" رونين بيرغمان عن استخفاف الاستخبارات الأميركية و"الإسرائيلية" بانتصار ثورة الإمام الخميني في إيران وعن ظروف تأسيس حزب الله في لبنان.

يقول رونين بيرغمان، “في الأول من فبراير/شباط 1979، حطّ الخميني في مطار مهراباد في طهران حيث تقاطر إلى تحيته أنصاره الفرحين بنصر لم تشهد له إيران مثيلاً (تجنب بيرغمان ان يذكر الاستقبال المليوني الذي كان بانتظار الخميني)، فبقوة صوته المرسل على اشرطة التسجيل فقط اسقط الخميني الحكم الملكي للشاه وبات حلم الحكم الإسلامي حقيقة قائمة. ومن دون أي استخدام للقوة، تمكن الخميني وانصاره من احكام قبضتهم على إيران، البلد الغني بموارده الطبيعية وصاحب سادس أقوى جيش في العالم وأكبر ترسانة أسلحة في آسيا. وفي أول خطاب له قال الخميني بعد وصوله إلى إيران “كان الإسلام في حالة وفاة لـ 1400 عام فأعدنا انهاضه بدماء شبابنا.. وقريباً سنحرر القدس ونصلي فيها”. أما بالنسبة لحكومة شاهبور بختيار التي عيّنها الشاه قبل رحيله، فقد أطاح بها الخميني بجملة قصيرة واحدة، ولكن حادة “سأكسر أسنانهم”. ولكن الولايات المتحدة “الشيطان الأكبر” و”إسرائيل”.. “الشيطان الأصغر” رأتا أن نهوض آيات الله في إيران هو مجرد حالة عابرة، فقد سبق للاستخبارات الأميركية والبريطانية أن أعادت الشاه إلى الحكم اثر الإطاحة به من قبل قوى يسارية متمردة في العام 1953 (ثورة محمد مصدق وتأميمه النفط) ولكن نهوض الخميني كان ذروة سنوات من الاعداد والتحضير مدعوماً بشعبية هائلة ومحمياً بمسؤولين متطورين ومتمرسين تمكنوا من تحديد وسحق كل محاولات الثورة المضادة”.

بسرية تامة أخذ الإيرانيون يدرّبون ويسلحون قوة حرب العصابات التي بدأت تملأ الفراغ الناجم عن خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وخلال عقدين من الزمن تحولت هذه القوة لتصبح القوة العسكرية والسياسية المهيمنة في الشرق الأوسط، وتبعاً لإحساسه بالأهمية التاريخية لهذه الحركة الوليدة، فقد أعطاها محتشمي بور إسماً عظيماً، فقد أسماها حزب الله

يتابع بيرغمان، “في نوفمبر/تشرين الثاني (1979) تمكن حشد من الطلاب الغاضبين من أنصار الخميني من اقتحام مبنى السفارة الأميركية في طهران واحتلاله وأخذ عدد من الدبلوماسيين والموظفين رهائن، كما استولوا على كنز من المواد الاستخبارية الأميركية، وقد أدت هذه الازمة والفشل المريع في محاولة انقاذ الرهائن في عملية عسكرية أميركية حملت اسم “عملية مخلب النسر” (تعرف أيضاً بالفارسية باسم عملية طبس وهي عملية عسكرية للقوات المسلحة الأميركية أمر بها رئيس الولايات المتحدة جيمي كارتر لإنقاذ 52 محتجزاً من طاقم السفارة في طهران فواجهت العديد من العقبات والإخفاقات والضحايا وأحبطت لاحقاً). أدت هذه العملية الفاشلة الى اذلال الولايات المتحدة الأميركية وساهمت في فشل كارتر في إعادة انتخابه للرئاسة في أميركا. وينقل بيرغمان عن روبيرت غيتس احد كبار مسؤولي مركز الأبحاث الاستراتيجية في جهاز الاستخبارات الأميركي (سي أي ايه) قوله “شعرنا أن لا حول لنا في مواجهة هذا التهديد الجديد”. أصبح غيتس لاحقاً رئيساً لـ”سي أي ايه” وبعدها وزيراً للدفاع. لقد بات واضحاً للأميركيين و”الإسرائيليين” ان من كان يوماً ما أقرب حليف لهم في الشرق الأوسط أصبح الآن ألد عدو. كما أصبح واضحاً ان رؤية الخميني لم تكن تقتصر على إقامة الجمهورية الإسلامية التي أعلن قيامها في إيران، بل كان يطمح الى مزيد من القوة، فقد كان مصمماً على نشر ثورته الإسلامية على امتداد الشرق الأوسط وبدا أنه قرر أن يبدأ من لبنان”.

يعود الكاتب بيرغمان الى ما قبل انتصار الثورة الإسلامية في إيران فيقول “أحد أقرب حلفاء الخميني خلال مرحلة وجوده في المنفى، كان شيخاً شيعياً يدعى علي أكبر محتشمي بور الذي كُلّفَ لاحقاً بنشر الثورة خارج إيران. وكان محتشمي بور أول من التقى الخميني وكانا يدرسان معاً في مدينة النجف العراقية المقدسة عند الشيعة العراقيين حيث كانت المدينة ملتقى آيات الله الذين ينفيهم الشاه خارج البلاد. وقد رافق محتشمي بور الخميني طوال سنوات نفيه في العراق وفرنسا. وفي العام 1973 أرسله الخميني مع بعض مساعديه الخلص الى الشرق الأوسط لإقامة علاقات مع حركات التحرر الإسلامية في المنطقة، لذلك فقد كان محتشمي بور هو من نسج التحالف مع منظمة التحرير الفلسطينية التي إستضافت رجال الخميني في معسكرات التدريب الخاصة بالقوة 17 لحركة فتح في لبنان. وقام خبراء المنظمة الفلسطينية بتعليم هؤلاء الشبان الإيرانيين على فنون التخريب والعمليات الاستخبارية السرية والتكتيكات “الإرهابية”. بالنسبة للزعيم الفلسطيني ياسر عرفات، فقد كان استقباله لهؤلاء الشبان في معسكراته من شأنه أن يجعله شخصية عالمية، أما بالنسبة للخميني ومحتشمي بور فإنها كانت جزءاً من استراتيجية طويلة ومركزة جداً تهدف الى تمدد الثورة الإسلامية الى لبنان بعد وصولها الى السلطة في إيران، فلبنان البلد الصغير الواقع في قلب الشرق الأوسط مع عدد كبير من الشيعة الفقراء المهمشين والمتعطشين للثورة على واقعهم. فقد أراد الخميني أن يجد “موقعاً استراتيجياً متقدماً يقربنا من القدس”، على الحدود مع لبنان، وبحلول نهاية العام 1979 كان المئات من الشيعة يتدربون ليصبحوا جيشاً من حرب العصابات”.

إقرأ على موقع 180  7 أبريل و"ليلة السكاكين" فى كيغالي.. ما أكثر العبر

يتابع بيرغمان، “عندما عاد الخميني الى إيران واستولى على السلطة لعب محتشمي بور دوراً مركزياً في تشكيل الحرس الثوري، القوة العسكرية التي كانت مهمتها حماية نظام حكم الخميني داخل البلاد. قبل الثورة الإسلامية في إيران كانت فكرة الدولة الإسلامية رغبة مجردة بعيدة عن الواقع ولكن الآن فان الرجال الذين امضوا سنوات عمرهم في الكليات الإسلامية المتطرفة في إيران وفي معسكرات التدريب في لبنان اصبحوا هم أسياد الأرض. بعد ثلاث سنوات من سقوط الشاه وتمكن الثورة من توطيد دعائمها في طهران، سمّى الخميني محتشمي بور سفيراً لإيران في سوريا وهو مركز لدورين، الدور العلني هو ان يكون مبعوثاً دبلوماسياً لوزارة الخارجية الإيرانية مثل أي سفير آخر والدور السري هو بصفته مسؤولاً رفيع المستوى في الحرس الثوري ويتلقى أوامره مباشرة من الخميني ليتولى قيادة عدد كبير من الناس مع موازنة مالية تقدر بملايين الدولارات شهرياً. وبطبيعة الحال كان الدور الثاني هو الأهم. في ذلك الوقت كانت معظم الأراضي اللبنانية تحت سيطرة الجيش السوري، وكي تتمكن القوى الثورية من التحرك بصورة فعالة كان الخميني بحاجة الى عقد اتفاق مع الرئيس السوري حينها حافظ الأسد، وهذه كانت مهمة محتشمي بو؛  براعة الدبلوماسية التي تسمح بالتوصل الى تحالف عسكري”.

ينقل بيرغمان عن مائير داغان الذي كان قائدا للقوات “الإسرائيلية” في لبنان قوله “كان الأسد الأب مع أسفي الشديد رجلاً ذكياً للغاية، فقد بنى جهازاً يمكنه عصر الدماء من إسرائيل من دون ان يدفع قرشاً واحداً”. كان هذا الجهاز هو الميليشيا الشيعية التي كان محتشمي بور توّاقاً لإنشائها

يضيف الكاتب “على الرغم من العدو المشترك – “إسرائيل” – كان الأسد قلقاً من اقتراحات محتشمي بور، فقد كان السفير الإيراني مشبعاً بالحماسة الثورية الجامحة، وكان الأسد، العلماني العربي، يخشى أن يصبح الإسلامي الغاضب محتشمي بور خارج نطاق السيطرة مما يرتد سلباً على نظامه وبدا له أن التداعيات المحتملة ستفوق المنافع المباشرة، ولكن بعد الغزو “الإسرائيلي” للبنان عام 1982 أعاد الأسد النظر في حساباته. ذلك الغزو لم يكن كارثيا لـ”إسرائيل” وحدها ـ يقول بيرغمان ـ بل أيضا للأسد، ففي المواجهة مع “إسرائيل” تلقت القوات العسكرية السورية ضربة قاسمة، وكان أقسى الضرر هو الذي وقع على القوات الجوية، مصدر فخر الأسد شخصياً حيث كان قائداً لها خلال حياته العسكرية وتابع الاهتمام البالغ بها عندما أصبح رئيساً للبلاد. فقد خسرت القوات الجوية السورية 82 مقاتلة حربية خلال 46 ساعة مقابل خسارة “إسرائيل” مقاتلة واحدة. إستنتج الأسد بعد تلك الواقعة أن لا فرصة لسوريا في المواجهة الكلاسيكية مع “إسرائيل” وأن عليه إيجاد طريقة غير مباشرة لإلحاق الضرر بـ”إسرائيل”، وقد وضعت “إسرائيل” نفسها بين يديه عبر إبقاء قواتها في لبنان، كانت نية “إسرائيل” من ذلك التأكد من تأمين الهدوء لسكانها في الشمال، ولكن بفعلها هذا خلقت لنفسها جبهة جديدة عبر تعريض قواتها لخوض حرب عصابات”.

وينقل بيرغمان عن مائير داغان الذي كان قائدا للقوات “الإسرائيلية” في لبنان قوله “كان الأسد الأب مع أسفي الشديد رجلاً ذكياً للغاية، فقد بنى جهازاً يمكنه عصر الدماء من إسرائيل من دون ان يدفع قرشاً واحداً”. كان هذا الجهاز هو الميليشيا الشيعية المدعومة من إيران التي كان محتشمي بور تواقاً لإنشائها، وفي يوليو/تموز عام 1982 وقّعت سوريا وإيران اتفاقية تحالف عسكري بينهما سمحت بموجبها للحرس الثوري الإيراني بقيادة محتشمي بور بالعمل في لبنان، فبات الحرس يقدم المساعدات علناً للجمهور الشيعي ويبني المؤسسات الاجتماعية والدينية مثل المدارس والمساجد كما قدم المساعدات للفقراء وللمحتاجين وحتى لمعالجة مدمني المخدرات والكحول وفق نظام صحي عالي المستوى. لقد أصبحت إيران تزوّد الجمهور الشيعي في لبنان بكل ما كانت تحرمه منه حكومات لبنان المسيطر عليها من الأغلبية المسيحية والسنية. وبسرية تامة أخذ الإيرانيون يدرّبون ويسلحون قوة حرب العصابات التي بدأت تملأ الفراغ الناجم عن خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وخلال عقدين من الزمن تحولت هذه القوة لتصبح القوة العسكرية والسياسية المهيمنة في الشرق الأوسط، وتبعاً لإحساسه بالأهمية التاريخية لهذه الحركة الوليدة، فقد أعطاها محتشمي بور إسماً عظيماً، فقد أسماها حزب الله”. يُذكر أن علي أكبر محتشمي بور توفي في العام 2021 عن 75 عاماً بعد إصابته بفيروس كورونا.

Print Friendly, PDF & Email
Premium WordPress Themes Download
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
Download Premium WordPress Themes Free
free online course
إقرأ على موقع 180  الإنتفاضة الثانية.. شارون يُشعل شرارتها (96)