للصين أن تحمي بوتين حماية لمصالحها أولاً.. كيف؟

الحرب الروسية الأوكرانية هي أخطر حرب ذات طابع جيوسياسي عالمي منذ الحرب العالمية الثانية وقد تقود إلى عواقب عالمية أكثر خطورة من تلك التي تركتها العملية الإرهابية التي وقعت في 11 ايلول/ سبتمبر 2001.

لقد تسببت العملية “العسكرية الروسية الخاصة” ضد أوكرانيا، حسب رأي نائب رئيس هيئة المستشارين في المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني يو وي وي بانقسامات كبيرة لدى الرأي العام في الصين بين مؤيد ومعارض لتلك الحرب.

هناك وجهة نظر في الإدارة الصينية تقول أنه لا يمكن التنبؤ في ما إذا كان فلاديمير بوتين سيصل إلى الأهداف المتوقعة من هذه الحرب، وما إذا كان بوتين فعلاً يرمي من خلالها فقط إلى “حل المسألة الأوكرانية” أو أنه يريد في الوقت ذاته توجيه الأنظار عن الأزمة الداخلية في روسيا، وما إذا كان قادراً أن يهزم أوكرانيا بحرب خاطفة (“Blitzkrieg”) وأن يستبدل قيادتها بحكومة موالية لروسيا؟.

مع إنقضاء الشهر الأول، سقط خيار الضربة الخاطفة (“Blitzkrieg”)، الأمر الذي يطرح السؤال الآتي: هل ستكون روسيا قادرة على تحمّل أعباء حرب طويلة ومهما كانت كلفتها مرتفعة؟

بحسب مراقبين صينيين مختصين، فإن الجيش الروسي حتى لو تمكن من احتلال كييف عاصمة أوكرانيا وبكلفة عالية الثمن، وإنشاء حكومة موالية له، “لن يعني ذلك النصر النهائي لبوتين”.

في الوقت الحالي، ثمة من يعتقد في القيادة الصينية، حسب يو وي وي، أن الخيار الأفضل لبوتين هو إنهاء الحرب عبر مفاوضات سلمية. وهذا يتطلب دون شك تنازلات متبادلة من الجانبين الروسي والأوكراني، علماً أنه تبعاً للتجارب التاريخية، برأي يو وي وي، فإن ما لا قابلية لتحققه في ساحة المعركة، يصعب الوصول إليه على طاولة المفاوضات. خلاصة القول عند أصحاب هذا الرأي أن “العملية العسكرية الخاصة” التي أقدم عليها بوتين “خطأ لا رجعة فيه”. هذا النزاع بات قابلاً للتصعيد، وبالتالي لم يعد مُستبعداً في لحظة ما، أن نرى مشاركة غربية محتملة، من زاوية التقدير القائل إن بوتين لن يستسلم بسهولة، بالنظر إلى قوة شخصيته ولما تمتلكه روسيا من مقدرات عسكرية هائلة. وفي هذه الحالة، ليس مستبعداً أن تتجاوز هذه الحرب الساحة الأوكرانية، وقد ينجم عن ذلك لجوء طرف إلى ضربة نووية محتملة. وبمجرد حدوث ذلك، لن تبقى الولايات المتحدة وأوروبا بعيدة، الأمر الذي يمكن أن يجر العالم إلى حرب نووية، تكون نتيجتها كارثية للبشرية جمعاء.

يرى المستشار الصيني أن الخيار الاستراتيجي للصين هو في عدم الركوب في مركب واحد مع القيادة الروسية، ولكن أيضاً عدم السماح بإستفراد الغرب لروسيا، لأن تصعيد الصراع بين روسيا والغرب وإطباق الحصار على بوتين سوف يشجع الولايات المتحدة على التصدي للصين في مرحلة لاحقة

وحسب تقديرات المراقبين الصينيين، فإنه بعد إخفاق بوتين في توجيه ضربة خاطفة، أصبح أمل انتصار روسيا بعيد المنال، خاصة في ظل عقوبات غربية غير مسبوقة، سوف تترك تأثيرها الكبير على معيشة المواطنيين وعلى إدارة الاقتصاد الروسي، عاجلاً أم آجلاً. وهنا يُطرح السؤال حول رهان الغرب على تمرد سياسي في القيادة الروسية إحتجاجاً على الوضع الاقتصادي الذي بات على وشك الانهيار!

وفي هذه الحالة، إذا تمت تنحية بوتين من السلطة بسبب الاضطرابات المدنية التي يمكن أن تنشأ، سوف يفسح ذلك المجال للغرب لإعادة الإمساك بالقرار الدولي، وستعود الولايات المتحدة إلى موقع القيادة في العالم الغربي، وسيصبح الغرب أكثر تماسكاً.

في مقابل هذه النظرة الصينية للحرب الروسية – الأوكرانية، هناك حالياً رأي عام في العديد من الأوساط الدولية، بما في ذلك في الصين، حسب يو وي وي، يقول إن الحرب الأوكرانية سوف تؤدي إلى الانهيار الكامل لهيمنة الولايات المتحدة بانهيار شركائها في أوروبا متأثرين بالنتائج السلبية البالغة الخطورة على اقتصادات بلدانهم (ملف الطاقة والعقوبات). لهذه الغاية، وتحسباً للأسوأ، بدأت بعض الدول الأوربية التفتيش عن بدائل طاقوية خالية من الإنبعاثات أو زيادة اعتمادها على الغاز الصخري المسيّل من الولايات المتحدة وهو ما تعمل عليه هذه الأخيرة، وكذلك الاعتماد على الغاز القطري وربما الإيراني بعد توقيع الاتفاق النووي، برغم أن الأمر يحتاج إلى وقت أولاً وكلفة أعلى ثانياً، ناهيك عن إلتزام دول مثل قطر بعقود تجارية طويلة الأجل وهو ما لم تلتزمه دول الإتحاد الأوروبي التي تعتمد في إستهلاكها على نحو 45% من الغاز الروسي.

ماذا عن الصين؟

قد تصبح الصين أكثر عزلة إذا لم تبادر إلى لعب دور نشط في الحد من تداعيات هذه الحرب، ما قد يعرّضها إلى المزيد من الاحتواء من قبل الولايات المتحدة والغرب، ذلك أن أي انحياز صيني لروسيا سيؤدي حتماً إلى قطيعة أوروبية مع الصين، وسوف تصبح اليابان قوة معادية لها وتصطف أكثر فأكثر مع كوريا الجنوبية إلى جانب الولايات المتحدة في مواجهة الصين في المحيط الهادئ، كما ستنضم تايوان إلى هذه القاطرة الأميركية.

إقرأ على موقع 180  طالبان من التوحش إلى الإعتراف الدولي!

من هنا يرى المستشار الصيني أن الخيار الاستراتيجي للصين هو في عدم الركوب في مركب واحد مع القيادة الروسية، ولكن أيضاً عدم السماح بإستفراد الغرب لروسيا، لأن تصعيد الصراع بين روسيا والغرب وإطباق الحصار على بوتين سوف يشجع الولايات المتحدة على التصدي للصين في مرحلة لاحقة. لذلك يجب أن تكون الصين حذرة جداً في كيفية دعمها لبوتين، وأن تدرك أن فائدة دعمها له ستكون ذات جدوى فقط إذا لم تسقط روسيا. وعلى العكس من ذلك، سوف تغرق الصين مع روسيا إذا فقد بوتين السلطة وخسر الحرب في أوكرانيا.

وينصح يو وي وي القيادة الصنية بالتمسك بما يسميه قانون السياسة الدولية المعمول به عبر التاريخ “لا يوجد حليف أبدي أو أعداء أبديين، لكن توجد مصالح أبدية”، أي أن تتصرف الصين وفق مصالحها القومية فقط.

 إن الحياد الواضح في بعض الأحيان هو خيار معقول، لكنه لا ينطبق على هذه الحرب التي لا علاقة للصين بها، لكنها سوف تتأثر حتماً بنتيجة من سيكون الفائز فيها. وبالنظر إلى أن الصين دافعت دائما عن احترام السيادة الوطنية والسلامة الإقليمية، تستطيع أن تتجنب المزيد من العزلة إذا اتخذت الموقف السليم الذي تدعمه معظم بلدان العالم، مما قد يساعدها في تسوية القضية التايوانية.

إن عدم الإلتحاق ببوتين من جهة، والابتعاد عن الحياد المطلق من جهة ثانية، سيساعد في تعزيز الصورة الدولية للصين ويسهّل علاقاتها مع الولايات المتحدة والغرب. وعلى الرغم من صعوبة هذا الموقف الذي يتطلب الكثير من الحكمة، يبقى هو الخيار الأفضل مستقبلاً.

إن إبراز دور الصين كقوة دولية عظمى، لا يكمن بالوقوف إلى جانب بوتين، بل باتخاذ إجراءات ملموسة لمنع أي مغامرة عسكرية غير مضمونة النتائج

إن الرأي القائل بأن التحول الجيوسياسي في أوروبا الناجم عن الحرب في أوكرانيا سوف يدفع إلى رفع مستوى التحول الاستراتيجي الأميركي من أوروبا إلى المحيط الهادئ، لا يمكن إلا النظر إليه بحذر شديد. ففي الأجندة الاستراتيجية للولايات المتحدة، تحتل أوروبا حيزاً مهماً، لكن تبقى الصين هي التي تحتل الأهمية الأكبر. والهدف الرئيسي للولايات المتحدة هو منع الصين من أن تصبح القوة المهيمنة في المنطقة الهندية والمحيط الهادئ.

لذلك في مثل هذه الظروف، حسب يو وي وي، تصبح أولوية الصين إستخدام حكمتها وإمكاناتها لمنع تدحرج الأمور نحو حرب عالمية ثالثة، وبذل قصارى جهدها شرقاً وغرباً لتفادي الانزلاق نحو حروب نووية.

إن إبراز دور الصين كقوة دولية عظمى، لا يكمن بالوقوف إلى جانب بوتين، بل باتخاذ إجراءات ملموسة لمنع أي مغامرة عسكرية غير مضمونة النتائج. الصين هي الدولة الوحيدة في العالم التي تتمتع بهذه الميزة في العلاقة مع روسيا، ويجب عليها استخدام هذه الميزة الفريدة بشكل كامل. ونتيجة لذلك، ستتلقى الصين بلا شك ثناءً دولياً واسع النطاق بوصفها الأحرص على السلم العالمي، لكن الأهم توفر فرصة تحسين علاقاتها بالولايات المتحدة والغرب.

Print Friendly, PDF & Email
يوسف مرتضى

صحافي وكاتب سياسي لبناني

Download WordPress Themes
Download WordPress Themes Free
Download WordPress Themes
Premium WordPress Themes Download
free download udemy paid course
إقرأ على موقع 180  إسرائيل بين فيينا وأوكرانيا.. أولوية التحالف الإستراتيجي مع أميركا